عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصارصفحات 579-619
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وإذا طال نوم الجالس ورأى المنامات فعليه الوضوء وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد.
ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال.
والدليل لقولنا: أن الصلاة عليه بيقين، وهذا شاك فيها؛ لأنه إذا طال نومه لم يتقن كونه على طاهرة.
وأيضا ما روته عائشة - رضي الله عنها - أن النبي عليه السلام قال: (من استجمع نوما فعليه الوضوء) ولفظ: عليه للوجوب، واستجماع الإنسان نوما هو أن يغترفه النوم حتى يزول عن أحكام المتيقظ، وإذا طال نومه لم يعقل ما يخرج منه فهو المضطجع، وليس كذلك إذا لم يطل نومه؛ لأنه بتحركه وخفق رأسه يحس ما يخرج منه،

وإذا كان النوم سببا للحدث أن يرعى الغالب منه، كما يراعي في مس الذكر إذا كان بباطن اليد فهو أقوى منه بظاهرها.
فإن قيل: فإن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون.
قيل: نحن نقول بموجب ذلك؛ لأن من يخفق رأسه ويتمايل لم يغرق في نومه حتى يطول؛ لأنه قريب من الحس بما يخرج منه، وليس كذلك إذا اغترقه النوم وطال به حتى يرى المنامات؛ لأن النوم تختلف حالاته في قلته وكثرته.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام لحذيفة لما قال له ذلك: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟.
قال (لا إلا أن تضع جنبك على الأرض).
قيل: هذه قضية في عين، ويحتمل أن يكون لم يطل نومه، ولا غرق فيه ألا تراه لما وضع عليه السلام يده عليه أحس به وانتبه وفي العقود من ينام ولا ينتبه لو يحرك، وقد بينا أن أسباب الحدث ليست كالحدث نفسه، وأن ما قوى منها بخلاف ما ضعف وقد فرق الشافعي بين مس الذكر وبين مس المرأة، فخص اليد في مس الذكر، ونقض الوضوء المرأة بجميع الأعضاء، وكذلك فرقوا معنا بين القبلة

لشهوة في تحريم الربيبة وبين القبلة لغير شهوة في أنها لا تحرم من هذا كله؛ لأن ذلك سبب للحدث في نفسه.
ولنا القياس عليه إذا نام مضطجعا واستثقل نوما؛ بعلة أنه نائم مستثقل في نومه.
فإن قاسوا عليه إذا لم يستثقل في نومه بعلة أنه نام جالسا.
قيل: بينا الفرق بين أحكام أسباب الأحداث وأن كل ما قوى منها قوى حكمه، فكان اعتبارنا أولى؛ لأنه أحوط، وتسقط الصلاة بيقين، ونزيد حكما هو إيجاب الطاهرة بعد أن لم تجب وفيه نقل من براءة الذمة وبالله التوفيق.

[25]

مَسْأَلَة

وما خرج من بدن الإنسان من غير السيلين مثل القئ والرعاف، أو دم فصاد أو دمل فلا وضوء فيه، كما لا وضوء في الجشاء المتغير، والقهقهة.
وما أشبه ذلك وبه قال ربيعة والحسن، والشافعي، وداود، وهو قول جماعة من الصحابة.

وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب.
فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء.
والخارج من سائر البدن إن كان غير القيئ فإنه إذا سال نقض الوضوء، فأما ظهوره من غير أن يرسل فلا.
وإن كان قيئا فملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض الوضوء.
ففرق بين اليسير منه والكثير.
فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيل، فعنده ينقض الوضوء عندنا وعند الشافعي لا ينقضه.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وهو كونه على جملة الطهارة حتى يقوم دليل على نقضها.
وأيضا فإن إيجاب الوضوء بعد الطهارة المتقدمة يحتاج إلى دليل.
وأيضا قول النبي عليه السلام: (إذا دخل أحدكم في الصلاة فلا ينصرف

حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فنهى عن الانصراف منها إلا بوجود هذين النوعين من الحدث، والنهي يفيد التحريف، إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما رواه أبو داود مسندا عن عقيل بن جابر عن جابر في غزوة ذات الرقاع مع النبي عليه السلام، وأنه قال عليه السلام: هل من رجل

يكلؤنا؟.
فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأصيب أحدهما بثلاثة أسهم وهو في الصلا، وهو ينزعها والدم يسيل ويصلي حتى ركع ثم جاءا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبراه، فلم ينكر على المصلي ما فعل، فدل ذلك على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء.
فإن قيل: فليس فيه أنه أمره بغسله، فقولوا: إنه لا يجب غسله.
قيل: إن تروك النبي عليه السلام كالعموم، وكان الظاهر يقتضي ألا

يغسل لولا دليل قام.
وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون الدم يزرق ولم يصب بدنه ولا ثوبه.
وجواب أخر: وهو أن إزالة الدم وغسله غير فرض - عندنا - على ما نقوله في إزالة الأنجاس، فلم يأمره بغسله، ليعلمنا أن إزالته ليس بفرض.
فإن قيل: فإن تأولتم أن الدم يرزق فلم يلوثه جاز لنا أن نتأول ذلك على أن سد موضع الدم، فلم يسل عن موضع الجرح، ويجوز أن يكون الدم يسيرا لا حكم له - عندنا - وإنما نوجب الوضوء فيما يسيل على ظاهر البدن.
قيل: قولكم: يحتمل أن يكون سد موضع الدم باطل؛ لأنه روي أن الدم كان يسيل.
وعلى أن الحال لو كانت تختلف لكان عليه السلام يسأله عن ذلك حتى يبين له الحكم فيه إذا سال.
وقولكم: يجوز أن يكون يسيرا باطل بما رويناه؛ لأن الراوي لا يخبر بسيلان الدم إلا وقد ظهر على الجرح.
وأيضا ما رواه أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه وصلى ولم

يتوضأ، وهذا نص في موضع الخلاف.
فإن قيل: هذه حكاية عن فعلة كانت منه عليه السلام فيجوز أن يكون حصل شرط المحاجم ولم يسل الدم.
قيل: هذا باطل بقوله: وغسل أثر المحاجم، وإنما غسل الدم، ولو لم يسل لما احتاج إلى غسله.
على أن هذا دفع المشاهدات في الحجامة.
وأيضا: ما رواه ثوبان عن النبي عليه السلام أنه كان صائما في غير رمضان فأصابه غم أذاه، فقاء، ثم عاني بوضوء، فسكبت له وضوءا فتوضأ ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله، الوضوء من القيئ واجب؟.
فقال: (لو كانواجبا لوجدته في القرآن) قال: ثم صام الغد فسمعته يقول: (هذا مكان إفطاري أمس)، وهذا خبر حسن.
فإن قيل: فقد نجد أشياء واجبة ليست في كتاب الله عز وجل.
قيل: مرادنا من ذلك قوله عليه السلام: ليس بواجب، وعلى أن شيوخنا كانوا يقولون: الفرض ما في كتاب الله نصا أو جملة بينها النبي عليه السلام،

وما كان من النبي عليه السلام ابتداء فهو سنة.
وقد روي هذا الذي ذهبنا إليه عن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم، عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفي.

وروي أيضا عن أنس، ومعاذ، ولا مخالف لهم في الصحابة.
ومن القياس نقول: هو خارج من غير السبيلين فوجب أن لا ينقض الوضوء، أصله الدود إذا خرج من الجراحة على البدن.
ولنا أن نقيسه على الجشاء المتغير بهذه العلة أيضا.
ونقول أيضا: إن كل ما لا ينقض قليله الوضوء لم ينقضه كثيره، دليله الجشاء المتغير.
ونقول أيضا: إن كل خارج لم ينتقض الطهر بظهوره لم يجب الطهر بجريانه وخروجه، كاللعاب والمخاط.
ونقول أيضا: هو خارج من تجب بالخارج من أحد السبيلين فلم تجب تلك الطهارة بالخارج من سائر البدن غيرهما.
أصله الطهارة

العليا التي هي الغسل.
فإن قيل: إنما لم يجب الاغتسال بالخارج من سائر البدن، لأن موجب الغسل لا يخرج منه.
ألا ترى أن المني والحيض يختص خروجهما بالفرج.
قيل: وكذلك البول والمذي والودي لا يخرج من سائر البدن غير السيلين، وقد نقضتم الطهر بالخارج منه.
فإن قيل: فقد قال تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، فعلى كل قائم إلى الصلاة غسل هذه الأعضاء غلا أن يقوم دليل.
قيل: على هذا أجوبة: أحدهما: أنكم انتم لا يصح لكم الاستدلال بالآية؛ لأنها - عندكم - غير مستقلة بنفسها؛ لأن المراد منها إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون، وما لم يستقل بنفسه إلا بشرط مضاف إليه فإن في حيز المجمل يفتقر إلى البيان، وهكذا يقولون في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة﴾ وجواب آخر: وهو أن قوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الألف واللام اللتان في الصلاة للجنس، فتقديره: إذا قمتم إلى الصلوات

فاغسلوا وجوهكم، وهذا أمر يقتضي فعل مرة واحدة من الغسل، وهذا قد غسل وجهه لصلاة مضت، فمن زعم أن عليه أن يغتسل لصلاة ثانية فعليه الدليل.
وجواب آخر: وهو أنه لو ثبت لكان قول النبي عليه السلام: لا وضوء إلا من صوت أو ريح وقوله: لو كان الوضوء واجبا لوجدته في القرآن، يخصه ويقضي عليه، وكذلك نخصه بالقياس أيضا.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام للمستحاضة: (أنه دم عرق وليست بحيضة، فتوضئي لكل صلاة) فأمرها بالوضوء منه وعلله بأنه دم عرق، فتعليله يقتضي أن كل موضع يوجد فيه دم عرق أن يكون فيه الوضوء، وهذا عمدة لهم في المسألة.
وأيضا فما رواه ابن جريج عن ابيه عن ابن أبي مليكة عن

عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قاء أو رعف في صلاته فلينفتل عن صلاته وليتوضأ وبين على صلاته) فأمر بالخروج من الصلاة بالقيئ والرعاف، ثم أمر بالوضوء أمرا يقتضي الوجوب، وبالبناء على صلاته.

قيل: أما حديث المستحاضة فعنه أجوبة: أحدهما: أن النبي عليه السلام علل الدم الخارج من مخرج الحيض، ألا ترى أنه قال: (إنه) وهذه الهاء ضمير له.
وقال (ليست بالحيضة) والتعليل إذا كان في شيء مخصوص كان تعليلا فيه وفي نظائره من كل دم يخرج من مخرج الحيض، وفي كل امرأة يصيبها ذلك في العرق المخصوص.
وجواب آخر: وهو أن النبي عليه السلام علل إسقاط الغسل الذي يجب بدم الحيض، ولم يعلل لإيجاب الوضوء؛ بدليل قوله: وليست بالحيضة ولو كان التعليل يوجب الوضوء لم يقل: وليست بالحيضة؛ لأن الحيضة توجب الوضوء.
وجواب آخر: وهو أن الذي حكي أنه عليه السلام قال إنه دم عرق لا تعرف هذه اللفظة في خبر صحيح أصلا، ولم توجد في الكتب، وإنما الخبر الصحيح هو قوله للمستحاضة: توضئي لكل صلاة.
وجواب آخر: وهو أننا نقول: تتوضأ على الاستحباب.

وقد تكلمنا على أن الأحداث التي تخرج عن العادة لا تنقض الوضوء، وأن استئناف الوضوء لها مستحب، فلم يلزمها هذا.
وأما حديث عائشة وقوله عليه السلام: من قاء أو رعف في صلاته فقد قيل: إن الحديث في كتاب ابن جريج عن أبيه فقط موقوفا عليه.

وقد قيل: إن الحجاج بن أرطأة أيضا رواه، وهو ضعيف.
فإن صح جاز أن يحمل على الوضوء اللغوي، وهو غسل موضع القيئ والرعاف، كما روي عن معاذ بن جبل أنه قال: ليبس الوضوء من الرعاف والقيئ ومس الذكر وما مسته النار بواجب.
فقيل له: إن أناسا يقولون: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الوضوء مما مسته النار، فقال معاذ:

إن قوما سمعوا ولم يعو، كما يسمى غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار وليس بواجب، وهذا تفسير منه للوضوء من القيئ والرعاف.
وعلى أن الحديث مطلق، ولم يفرق فيه بين القليل والكثير، فمهما أجبتم به في القليل فهو جوابنا في الكثير.
فإن قيل: إذا قلتم: إنه عليه السلام أراد الوضوء للغوي لزمكم القول به في مس الذكر؛ لأنه مذكور في الخبر.
قيل: نحمله عليه إذا مسه لغير شهوة.
وقد روينا في مس الذكر: يتوضأ وضوءه للصلاة.
فإن قيل: فقد روي أن سلمان رعف بحضرة النبي عليه السلام فقال له: يا سلمان، أحدث وضوءا، وهذا أمر يقتضي الوجوب.

وأيضا فإن هذا القول قد روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما -. فأما علي فكان يرى الوضوء من القلس.
وعن ابن عباس قال: الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من فرجك.
قيل: أما قول النبي عليه السلام لسلمان رضي الله عنه: أحدث وضوءا محمول على الوضوء اللغوي، أو على الاستحباب بما ذكرناه.
وما روي عن علي وابن عباس، فقد روي عن ابن عباس خلافه

فقد عارضناهم بأكثر من ذلك عن الصحابة، وينبغي أن نستعمل أقوالهم حتى لا تتنافى، فقول من قال: فيه الوضوء.
محمول على الاستحباب، وقول من خالف محمول على نفي الإيجاب، وهذا يجب في استعمال الأخبار عن النبي عليه السلام إذا تعارضت.
فإن قيل: فلنا قياس بإزاء قياسكم، وهو أن هذا نجس خرج بنفسه من البدن إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب أن يوجب الوضوء، أصله الخارج من السبيلين.
وقولنا بنفسه، احترازا من القيئ القليل.
وأيضا فإن الخارج من البدن ينقض الطهر، كما أن الواصل إلى الجوف ينقض الصوم، ثم قد نقول: إنه لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من سائر البدن في نقص الصوم، فذلك أيضا لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من سائر البدن نقض الطهر.
قيل: أما القياس الأول ففاسد من وجوه.
أحدهما: أنه لا يستمر على أصلنا؛ لأن سلس البول والمذي والمني - عندنا - لا ينقض الطهر.

والثاني: أنه لا تأثير له أيضا؛ لأن البول سواء خرج بنفسه أو بخارج فإنه ينقض - عندكم -: لأنه إن سلس البول خرج بنفسه، وإن استدعاه خرج وعليه الوضوء.
وقولكم: إنه خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا تأثير له أيضا؛ لأن الوضوء ينتقض بظهور البول وإن لم يخرج إلى موضع يلحقه حم التطهير؛ لأنه قد يزرقه ولا يصيب ما عدا مخرجه.
وعلى أنه منتقض بالقيئ القليل فإن المعنى فيه المعنى فيه موجود، ولا ينقض الوضوء.
فإن قيل: القليل منه لا يخرج بنفسه، وإنما يخرج بالعلاج؛ لأن السيالة طبعها النزول.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الكثير منه غنما يخرج بدفع الطبيعة له ولا يخرج بنفسه، وقد يستدعي الإنسان القيئ فيخرج تارة قليلا، وتارة كثيرا، وقد يخرج بنفسه تارة قليلا، وتارة كثيرا.
وعلى أن المعنى في الخارج من السبيلين هو أن قليله المعتاد ينقض كما ينقض كثيره المعتاد، وخروج الريح أيضا منه ينقض فكذلك غير الريح، وليس كذلك في القيئ؛ لأن خروج الريح المقارنة له لا ينقض فلم ينقض هو أيضا.
وأما ما ذكروه من الصوم فهو قياس الداخل إلى البدن على الخارج

منه، وهذا قياس الضد، ومن أصحابنا من لا يقول به.
ومع هذا فإنها دعوى لا على أصل بعلة.
ثم لو سلمناه لكان مع ذلك فاسدا بأشياء في الأصل والفرع.
فأما في الفرع، فالبلغم وقليل القئ وقليل الدم وبالدورة اليابسة وبالدواء إذا خرج من الجرح على جهته.
وأما في الأصل فقد زعموا أنه إذا داوى جرحه بدواء يابس لم يفسد صومه ولو احتقن بدواء يابس أفسد صومه.
ثم إننا نتطوع بالفصل بين الصوم والطهارة، فنقول: إن الريح تبطل الطهارة، ولا يبطل بخروج الريح منه، والصوم لا يبطل بالغلبة في القئ، والوضوء يبطل بالغلبة فيه - عندكم -. على أن المعنى في الناقض للصوم هو أن قليله ينقض الصوم فكذلك كثيره، ولما كان قليل القئ لا ينقض الوضوء لم ينقضه كثيره.
ثم نرجح قياسا بأشياء، منها: أن سائر الأصول تشهد له من استواء حكم القليل والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، من البصاق والبلغم والجشاء المتغير والعرق

والدموع، ومن الغائط والبول والمني والمذي على غير وجه العادة.
فإن قيل: ليس يخلو من أن يكون الحكم متعلقا بالخارج أو بالمخرج، فيبطل أن يتعلق الحكم بالموضع؛ لأننا وجدنا أحكام الموضع مختلفة، فتارة يخرج البول فيوجب الوضوء، وتارة يخرج المني فيوجب الغسل، والحيض مثل ذلك، فصح أن الاعتبار بالخارج.
قيل: هذا يبطل على مذهبكم؛ لأنكم تقولون: لو احتقن بشيء نجس فخرج على جهته انتقض وضوءه، ولو داوى جرحه بشيء نجس فخرج على جهته لم ينتقض الوضوء، فقد اعتبرتهم المخرج دون الخارج، وهو أيضا باطل بما ذكرناه من الدودة اليابسة وبقليل القيئ ثم نقول: أليس قد انتقض الوضوء بالتقاء الختانين؟.
على أننا نقول: قد استوت هذه الأشياء كلها في الخروج، واختلفت في الأحكام، فلا ينبغي أن يراعي خروجها حسب.
فإن قيل: قد اتقنا على أنه إذا خرج من البدن وجبت فيه طهارة وهي إزالته عن البدن والثوب، فكذلك يجب فيه الوضوء الذي هو طهارة قياسا على ما يخرج من السبيلين.
قيل: هذا لا يلزمنا من وجهين: أحدهما: أن الذي يخرج من السبيل على غير العادة لا تجب فيه الطهارة.
والوجه الثاني: هو أن إزالة النجاسة ليست بفرض - عندنا - على ما ذكرناه.

على أنه لو صح القياس على أصولنا منتقضا بالقليل من القئ الرعاف؛ لأن قليل ما يخرج من السبيل ينقض الوضوء، ويوجب الإزالة، وقليل الدم والقئ يوجب الإزالة ولا ينقض الوضوء.
وعلى أنه يصيب بدن الإنسان وثوبه نجاسه من غيره، مثل الدم والبول فيجب - عندهم - إزالته ولا يجب منه الوضوء على من أصابه.
ويبطل أيضا على مذهبهم؛ لأنه لو كان الخارج أقل من دورهم نقض الوضوء ولم تجب إزالته.
فإن قيل: فقد روي في خبر عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دما سائلا، وظاهر هذا يفيد إيجاب الوضوء فيه إذا كان سائلا.
قيل: هذه حجة لنا؛ لأنه نفى الوضوء في القطرة والقطرتين، وأنتم توجبون الوضوء في مثل هذا، فعلم أنه أراد غسل ذلك، وهو اسم وضوء في اللغة.
فإن قيل: فقد روي جابر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (إذا كان الرعاف مما يقطر في الأرض ففيه الوضوء)

قيل: أراد الوضوء اللغوي من غسله، أو نحمله على الشرعي استحبابا بما ذكرناه من الأخبار المعارضة له، وبالقياس المرجح أيضا.
فإن قيل: فإنه خارج من جنس ما يوجب الإزالة فجاز أن تتعلق بجنسه الطهارة.
دليله الخارج من السبيلين.
قيل: لا نسلم وجوب الإزالة على أصولنا في إزالة الأنجاس فلم تسلم العلة.
على أننا قد عارضناه بقياس آخر، ثم بينا العلة في الخارج من السبيلين، وأن قليله يوجب ما يوجب كثيره، وأن الريح المقارنة تعمل عمله في نقض الوضوء.
وقد رد محمد بن الحسن هذه المسألة على مالك - رَحمَه الله - وقال: كيف تركتم ما رويتم عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى على صلاته ولم يتكلم؟، ورويتم أن

عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيتوضأ ثم يرجع فيبني على ما صلى؟، ورويتم عن عبد الله بن قسيط الليثي أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي عليه السلام فأتي بوضوء فتوضأ، ثم رجع فبنى على صلاته؟.
فتركتم هذه الأحاديث اليت رويتموها، وعدلتم إلى أن تقولوا: أن يغسل الدم ويستأنف الصلاة.
فتركتم البناء والوضوء، وعدلتم إلى غسل الدم واستئناف الصلاة.
قال: والعجب ممن يقول: إن أهل المدينة يقولون بالآثار، وهم يروونها ثم يتركونها عيانا، ثم يتأولون ذلك، ويشبهون القيئ والرعاف والريق والمخاط، والقيئ والدم نجسان، والريق والمخاط طاهران.

وأجابه القاضي إسماعيل - رَحمَه الله - عن ذلك بأن قال: الذي رواه مالك عن عبد الرحمن بن حرملة أنه رأى سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى يختضب أصابعه من الدم يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ.
وهذا يدل على أنه لا يرى في ذلك وضوء.

وأنه إنما انصرف حين رعف في الصلاة، لأنه لم يمكنه أن يصلي وهو يرعف، ولما أصابه ذلك وهو في غير الصلاة نحاه عنه، ثم صلى ولم يتوضأ.
قال: وعلى هذا تأول أمر ابن عمر؛ لما روي عنه أنه كان يخرج منه قيح أو دم فلم يتوضأ، وروي عنه عطاء أنه زاحم على الحجر حتى أدمى أنفه، ثم ذهب فغسله صم عاد.
فذكر عنه غسله , ولم يرو عنه توضأ، والطائف بالبيت في صلاته، عليه أن يتوضأ إذا انتقض وضوؤه.
قال: والوضوء من الدم فيما نوى غسله ليس وضوء الصلاة.
قال: وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتوضأ بالماء لما تحت الإزار.
فعلم أنه غسل الأذى، فلو كان الرعاف ينقض الوضوء لا ينتقض الصلاة؛ لأنه يكون فيها وهو على غير وضوء، وإنما جاز أن يغسل ويبني؛ لأنه على غير وضوء.
ولو أن رجلا رعف فلم يجد

الماء إلا بعيدا من مكانه لم ينبغ له أن يبني؛ لأنه جاء عن سعيد أنه غسل الدم في حجرة أم سلمة، وقد رخص للذي ينسى السلام أن يرجع إذا كان قريبا فيتشهد وسلم، وقد قال مالك - رَحمَه الله -: لو كان الرعاف عند ابن عمر ينقض الوضوء لما بنى على صلاته.
قال القاضي إسماعيل: والوضوء قد عني به التطهير للصلاة وقد يعني به غسل الأذى.
فإذا لم يكن الأذى دل اللفظ بالوضوء على وضوء الصلاة الذي يطهر الذنوب.
وإذا كان الأذى دل على تطهير النجاسة.
وقد روى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: من مس لحما نيا فليتوضأ.
فقيل لقتادة: فلو مسست دما هل كان إلا أغسل ذلك الدم؟.
قال قتادة: لا أدري لعل الوضوء هو ذاك.
وقد روي عن أبي هريرة أنه أدخل أصبعه في أنفه وأخرجها متلطخة بالدم وصلى.
وكان سعيد يختضب أصابعه من الدم من أنفه ثم يصلي.
وروي عن أبي أمامة أنه كان يقول: الوضوء فيما

خرج من النصف الأسفل.
وقد روي عن خلق من التابعين أنهم قالوا: لا وضوء في الرعاف وخروج الدم من غير السبيل.
وتكلم إسماعيل على محمد بن الحسن في قوله: إن الدم نجس، والريق طاهر، وإن كل خارج من البدن نجس ينقض الطاهرة، وناقضه بالقليل منه تفرقته بين ذلك وبين قليل ما يخرج من السبيل، وبالله التوفيق.

[26]

مَسْأَلَة

ولس في قهقهة مصل وضوء، وهي - عندنا - كالكلام لغير إصلاح الصلاة، فتبطل الصلاة ولا تبطل الطهارة.
وبه قال من الصحابة أبو موسى الأشعري وجابر، ومن التابعين عطاء والزهدي ومن الفقهاء الشافعي وأحمد وإسحاق وداود.

وقال الحسن والنخغي والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: إنها تنقض الصلاة والوضوء جميعا.
وحصل الإجماع في أنها لا تبطل الوضوء في غير الصلاة.
والدليل قولنا: كونه داخلا في الطهارة على الصحة فلا يخرج منها إلا بدليل.
ولنا أيضا قول النبي عليه السلام: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) وأيضا ما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (المقهقه في صلاته والمتكلم سواء).
فإن قيل: ليس كلامنا في الضحك، وإنما خلافنا في القهقهة.

قيل: المراد بالضاحك ههنا المققهقة؛ لأنه عليه السلام جعله كالكلام في الصلاة، وما دون القهقهة ليس حكمه حكم الكلام في الصلاة.
وروي أيضا في هذا الحديث أنه عليه السلام قال (الضاحك في الصلاة والمفقع أصابعه، والملتفت بمنزلة واحدة)، فأجراه مجرى من لا ينتقض طهره بفعله.
فإن قيل: قوله عليه السلام: (لا وضوء إلا من صوت الريح) حجة لنا؛ لأن القهقهة صوت.
قيل: إنما أشار إلى صوت على صفة، وقد عقل أن القهقهة لا تدخل فيه.
يبين هذا: ما روي في حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا وضوء إلا من حدث، والحدث أن يفسو أو يضرط).

ونقول أيضا: إن كل ما لم يكن حدثا في غير الصلاة لم يكن حدثا في الصلاة كالكلام، عكسه البول والغائط، لما كان حدثا في غير الصلاة كان حدثا في الصلاة.
وأيضا فإن كل معنى لا ينقض قليله الوضوء لم ينقض كثيره، كالمشي والتبسم.
ونقول أيضا: إن القهقهة جنس نطق قد أبيح في غير الصلاة فلم ينقض الطهر إذا حدث خارج الصلاة لم ينقضه إذا حدث في الصلاة.
دليله الضحك الذي ليس بقهقهة.
ثم الأصول تشهد لما نقول، وذاك أن كشف العورة في غير الصلاة لا ينقض الوضوء، كذلك مس النجاسة، وكذلك في الصلاة.
ووجدنا الغائط والبول واللمس للذكر لشهوة كل ذلك ينقض الوضوء في غير الصلاة وينقضه في الصلاة.
فإن قيل: قد فرقتم بين النوم في الصلاة وغير الصلاة.
فإن قيل: لا فرق بينهما؛ لأن النوم الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في الصلاة.

فإن قيل: فرؤية الماء قبل الصلاة للمتيمم بخلافه في الصلاة.
قيل: ليس رؤية الماء حدثا، والمتيمم على غير طهر في الصلاة وفي غير الصلاة، وإنما هو مستبيح للصلاة بالتيمم فعليه الوضوء في غير الصلاة؛ إذ الطلب لم يسقط وإنما علمنا أن الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في الصلاة، وما لا ينقض الوضوء في غير الصلاة لا ينقضه في الصلاة.
وأيضا فإن القهقهة لا تبلغ حد الكلام المبني على حروف مستقيمة، ويمكن الإنسان ضبطه، ولعل الضحك والقهقهة ربما بدر فلم يمكن الإنسان دفعه، فإذا لم ينقض الكلام الوضوء، فالقهقهة أولى أن لا تنقضه.
فإن قيل: إن الردة بالكلام تنقض الوضوء.
قيل: فقد استوى الحكم فيها قبل الصلاة وفي الصلاة.
على أننا قلنا: إن ما لا ينقض في غير الصلاة من الكلام لا ينقضه في الصلاة.
ثم إن الردة لم تنقض نفس الوضوء، وإنما عملت في الأصل

فانجر ذلك إلى إحباط أعماله كلها، ويدخل الوضوء في جملتها.
ألا ترى أن قذف المحصنات - الذي هو أغلط الكلام ولا ينحبط معه العمل - لما لم ينقض الوضوء في غير الصلاة لم ينقضه في الصلاة، وهو منهي عنه في غير الصلاة وفي الصلاة، حتى إن الحد يتعلق به، فإذا لم ينقض الطهارة في الصلاة - مع غلط أمره - كان القهقهة أولى لا ينقضها.
ويجوز أن نقول: هو مقهقهة فلم ينقض وضوؤه، أصله إذا قهقه في غير الصلاة.
وأيضا فإنه قهقه في صلاة فلم ينتقض وضوؤه أصله إذا قهقه في صلاة الجنازة.
فإن قيل: ليس من شرط الجنازة - عندنا - الوضوء؛ لأنه يجوز أن يصليها بالتيمم على وجه مع القدرة الماء.
قيل: لابد من الطهارة إما بالماء أو بالتيمم ولو أحدث ببول أو غائط خرج من الصلاة.
فإن قيل: القياس يوجب ما ذكرتم، وإنما صرنا إلى هذا؛ لما روى أبو هريرة وعمران بن حصين أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قهقه في صلاته فليعد الصلاة والوضوء) وهذا نص.

وروى أبو العالية أن النبي عليه السلام كان يصلي بقوم فأقبل رجل ضرير، فتردى في حفرة في المسجد، فضحك طائفة خلف النبي عليه السلام.
فلما فرغ أمر الطائفة التي ضحكت بإعادة الصلاة والوضوء.

قيل: أكثره ما روي في القهقهة ضعيف ومرسل.
وأما أبو العالية فهو ضعيف من وجوه.
أحدها: أنه قيل فيه: أبو العالية الرياحي عندي حديثه كالرياح.
وأيضا فإن علي بن المديني ناظر عبد الرحمن بن مهدي فيه

وراجعه فيه، فلم يثبت بينهما فيه سند صحيح - وهما إمامان في عصرهما -. وأيضا فإننا روينا حديث مس الذكر فذكرتم أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قالا: أربعة أحاديث لا تصح، منها مس الذكر والقهقهة.
فكيف يجوز أن توردوا هذه الحكاية في القهقهة وقد

ألزمتموناها في مس الذكر؟.
فإن تأولتم أن في حديث مس الذكر يجوز أن يكون أمذى، كما تأوله ابن البلخي جاز لنا أن نتأول حديث القهقهة على أنه يجوز أن يكون كان معها ريح لها صوت، فسمع النبي عليه السلام فأمر بالوضوء.
على أننا روينا ما يعارضه في حديث جابر أن النبي عليه السلام قال: (يعيد صلاته ولا يعيد الوضوء) وخبرنا زائد؛ لأن

فصول الكتاب · 54 فصل · 1464 صفحة
جارٍ التحميل