فأما قراءة الجنب الآية والآيتين فجائز؛ لأن الامتناع من ذلك يشق؛ لأن الناس في أكثر أحوالهم يذكرون الله - تعالى - ويتعوذون، فخفف عنهم وعفي لهم عن ذلك، والأصول تشهد لما قلنا؛ وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يبتذله المشركون، ثم كتب إليهم: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم.
إلى آخر الآيتين.
وكذلك عفي عن العمل اليسير في الصلاة؛ لأن الامتناع منه يشق، وعفي عن دم البراغيث وعفي للصائم عن غبار الدقيق والطريق، وعن الغرر اليسير في البياعات؛ لأنَّها لا تخلو منه ولو امتنعوا منه لضاق عليهم، ولحقت فيه المشقة، وقد يباح من الأشياء عند الضروريات ما لا يباح عند عدمها؛ ليخف عن الناس.
من ذلك: دخول الحمام بقطعة لا يعلم الحمامي ولا الداخل كم
مبلغها، ولا مبلغ ما يستعمل من الماء، وكذلك عبور دجلة مع الملاح بقطعة مجهولة الوزن، وكذلك قطعة الشارب، وما أشبه ذلك، ونحن نعلم أن العمل في الصلاة، وجميع ما ذكرناه ممنوع منه في الدين، ثم قد تجوز عنه تخفيفاً ن فكذلك في ما ذكرناه، وهذا في ألصول كثير، لأنه ليس بمقصود.
فإن استدلوا بقوله عليه السلام: «لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن»، فهاذ عام القليل والكثير.
قيل: نخصه بما ذكرناه فنقول: إلا الآية والآيتين.
وأيضاً فقد حصل الاتفاق على جواز قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والله الرحمن، أو بسم الله، وكذلك يجوز الآية والآيتين، لأنه يسير من القرآن، وهذا على أبي حنيفة والشافعي.
فإن قال العراقي: إن بعض الآية ليس بمعجز.
قيل: كذلك قوله -تعالى -: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، ليس بمعجز.
فإن قال شافعي: هو ذكر من جملة في جنسها إعجاز، فوجب أن
لا يجوز له أن يأتي به وهو ممن لا يجوز له فعل الصلاة، أصله الآيات الكثيرة.
قيل: هو متنقض بالمحدث فإنَّه لا يجوز فعل الصلاة وهو يقرأ.
على أن المعنى الكثير أنه مقصود في نفسه للتلاوة، واليسير يقصد به في الغالب التعوذ والذكر، وقد بينا شهادة الأصول في الفرق بين القليل والكثير، والله أعلم.