ثم لو ثبت العموم فيه لحملناه عليه إلا أن تقوم دلالة، وقد ذكرنا في الوضوء دلائل تُجوز ترك الترتيب فيه، والبداءة بغير ما بدئ به في اللفظ.
وأيضاً من جهة القياس قد اتفقنا على أنه لو قدم غسل اليسار على اليمين في الوضوء أجزأه؛ لعلة أنها طهارة تبيح الصلاة، فجاز تقدمة بعض الأعضاء فيها على بعض.
وأيضاً فقد اتفقنا على لطهارة من الحيض والجنابة، وأن الترتيب لا يجب فيها، والعلة في ذلك؛ أنها طهارة تنتقض بالحدث، وكذلك الوضوء.
فإن قيل: قياسكم على تقدمة اليسار على اليمين غير صحيح؛ لأن اليدين في حكم اليد الواحدة، وكذلك الرجلان؛ بدليل أنه لو لبس خفيه على طهارة ومسح عليهما جاز أن يصلي، ولو نزع أحد خفيه انتقص الطهر في قدميه ويصير كأنه نزع خفيه جميعاً ولا يجوز أن يمسح عليه ي، كما لو تطهر في الابتداء ولبس أحد خفيه لم يجز أن يمسح عليه، فإذا كانا في حكم العضو الواحد لم يعتبر فيه الترتيب، وليس كذلك الأعضاء في الطهارة؛ لأن حكم كل عضو منفرد عن الآخر فوجب أن يرتب.
وأما القياس على غسل الحيض والجنابة فلا يصح؛ لأن الغسل لا يتبعض، فجميع البدن في الجنابة كالعضو الذي لا يتبعض، وليس كذلك الوضوء؛ لأنَّه ذو أركان فكل عضو فيه كالغسل من الجنابة، وليس في الغسل موضع ترتيب.
قيل: أما قولكم: إن اليدين في حكم العضو الواحد، وكذلك الرجلان فغلط؛ لأن الوضوء لا يصح بغسل أحدهما دون الآخر، كما لا يصح بغسل عضو دون العضو الآخر مع القدرة، فأما المسح على الخفين فإنما هو رخصة، جُوِّز على صفة، هي أن تكون الرجلان مستورتين في الخفين بعد طهارة كاملة، ولم يرخص له أن يمسح على واحدة ويغسل الأخرى؛ لأن الرجلين عضو واحد، ألا ترى أن الرخصة لم تدخل في اليدين بالمسح، وقد رأينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رتب فيهما فبدأ باليمين على الشمال، كما بدأ بغسل الوجه عليهما.
وأما الغسل من الحيض والجنابة فقد رتب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه، فغسل يديه، ثم غسل ما به من الأذى، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم خلل أصول شعره بالماء، ثم أفاض على جسده، وهذا كله ترتيب كما رتب في الوضوء، ولو ترك عضواً من جسده لم يغسله لم تتم طهارته، كما لو ترك عضواً من أعضاء الوضوء لم يجزئه، فليس لكم أن تجعلوا اليدين ولا غسل الحيض والجنابة في حكم العضو الواحد إلا ولنا أن نجعل
الأعضاء كلها في حكم العضو الواحد؛ لأن الطهارة لا تتم إلاَّ بالجميع.
دليل لنا لو كان الترتيب فرضاً في الطهارة لكان حكمه حكم النية، والماء الطاهر الذي لا يسقط بوجه إلاَّ لضرورة أو نيابة شيء عنه فلما جاز للمحدث بالغائط والبول الغوص في الماء - الذي يسقط معه الترتيب ويكون مختاراً - ولا تسقط معه النية والماء الطاهر علمنا بهذا أنه ليس بفرض.
فإن قيل: على هذا الفصل إنه إذا غاص في الماء لم يحصل الوضوء دفعة وَاحِدَة - عندنا - بل يترتب من غير فعل، ومعنى هذا: أنه إذا انغسل في الماء فقد عم الماء جميع بدنه، وكل جزء وقع منكساً لم يعتد به، وكل جزء وقع مرتباً، فهو الذي صحح الوضوء، وهذا معنى الترتيب - عندنا -.
وعلى أن هذا يلزمكم في المصلي منفرداً عليه فرض في قِرَاءَة فاتحة الكتاب، كالنية وتكبير الإِحْرَام ثم إن القراءة تسقط عنه خلف الإمام، ولا تسقط ولا تَكْبِيرَة الإِحْرَام، فينبغي أن لا تكون القراءة على المنفرد فرضاً، وكذلك يلزمكم في الموالاة؛ لأنها لو كانت فرضاً في الوضوء لكانت كالنية والماء الطاهر، فلا يسقط حكمها بالنسيان كما
لم يسقط حكم النية والماء الطاهر.
قيل: أما قولكم في الانغماس في الماء يقع مرتباً فهذا دفع المشاهدة؛ لأنَّه إذا غاص فيه لم يسبق أحد الأعضاء صاحبه في الغسل ولم يتقدم في الفعل بعض الأعضاء على بعض، فإن جعلتموه الرتب حكماً فجوزوا تقدمه اليدين على الوجه، واجعلوه مرتباً حككماً ونحن نعلم أن المنغمس في الماء دفعة ما حصل غسل أعضائه إلا دفعة، لم يتقدم الفعل في أحد الأعضاء على صاحبه، فقد سقط الترتيب الذي هو الداءة بعضو على عضو فعلا.
فأما المنفرد بالصلاة فعليه القراءة، فإذا صلى مأموناً ناب الإمام منابه في القراءة، وليس ينوب على الترتيب في الانغماس في الماء شيء.
وأما الموالاة فالنسيان لها ضرورة، كما لو قام إلى خامسة ناسياً لم يفسد، وكلك - لو أكل ناسياً في صومه لم يفسد، ولو تعمد لأفسد وإذا انغمس في الماء فقد ترك الترتيب متعمداً مختاراً قد سقط السؤال.
ونقول أيضاً: إنها طهارة للصلاة فوجب أن لا يستحق الترتيب فيها، أصله إزالة النجاسة.
ونقول أيضاً: إن الفرض إذا سقط دفعة واحدة لم يستحق الترتيب فيه، أصله الزكاة؛ وذلك أنه لو كان معه شيء من الزكاة فدفعه
إلى مستحق أجزأه عن فرضه، ثم الترتيب فيه غير مستحق؛ لأنه لو فرق ذلك القدر من الزكاة جزءاً جزأه، فقدم وأَخَّرَ أجزأه، فكذلك فرض الطهارة في الانغماس في الماء يسقط دفعة وَاحِدَة، فلا يستحق الترتيب فيه إذا فرق.
فإن قيل: فإنها عبادة ترجع إلى شطرها حال العذر، فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقاً كالصلاة.
وأيضاً فإنها عبادة تجمع أفعالاً متغايرة نقلاً وفرضاً فوجب أن يكون فيها ترتيب مستحق، كالحج لا يجوز تقديم الطواف فيه على الوقوف بعرفة.
وأيضاً فإنه فعل معلق أوله على آخره، ويفسد أوله بفساد آخره، فأشبه الصلاة لا يجوز تقديم السُّجُود على الرُّكُوع.
قيل: لم يكن المعنى فِي الصَّلاَةِ ما ذكرتموه، وإِنَّمَا المعني فيه: أنها عبادة لا يجوز تعمد تفرقتها على وجه؛ لاتصال نظامها، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه لو فرقه عامداً على وجه أجزأه.
وعلى أنا نقيس ذلك على الصلاة فنقول: إذا جاز أن يسقط فرض الوجه في الوضوء مع بقاء الفرض على الْيَدَيْنِ أو غيرهما لم يستحق فيه الترتيب، كالصلاة والزكاة، أو الصوم والزكاة لما جاز أن يسقط فرض الصلاة عنه، وفرض الزكاة والصوم باق عليه، وقد يسقط عنه فرض الصلاة عليه باق لم يستحق بينهما ترتيب، وكذلك
إذا اجتمعت صلوات كثيرة، وقد ذكر أصحابنا أن في الصلاة موضع ترتيب - وقدم لجاز؛ وذلك أن الصاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد فرض وهو بعد قول: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فلو قدم قوله: اللهم صل على محمد، على ما قبله أجزأه.
واما قياسهم على الحج؛ فإن أرادوا أن يكون في الوضوء ترتيب مستحق، فنحن نقول فيه بتقديم النية والماء الطاهر، كما نقول: إن النية والإحرام تتقدمان في الحج، وفي الحج مواضع قد رتبت ويجوز تأخير ما قدم فيها، ألا ترى أن السعي - عندنا وعندهم - فرض، وسنته أنَّ يكون عقيب طواف القدوم، فلو أخره حتى يوقفه عقيب طواف الفرض جاز ولم يفسد حجه.
ولقياساتنا فضل الترجيح من وجوه:
منها: أنها تستند إلى أقوال الصحابة في جواز ترك الترتيب في الطهارة.
ومنها: أن الرد إلى الجنس من الطهارة أولى، ورد ما تجوز التفرقة فيه على وجه إلى مثله أولى، ورد ما يراد لغيره إلى ما يراد لغيره أولى من رده إلى ما يراد لنفسه، ونحن قد رددنا الوضوء إلى الغسل وإلى الغسل إزالة النجاسة، ورد ما يسقط إلى بدل إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يسقط إلى بدل، ورد ما ينوب عنه فيه غيره إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يجوز ذلك فيه؛ لأن الإنسان يجوز أن يوضئه ويغسله غيره، ويزيل عنه النجس مع القدرة، ولا يجوز ذلك فِي الصَّلاَةِ والحج، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإنها عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة فوجب إذا لم يرتبها ألا يعتد بها، أصله الأذان.
قيل: هذا منتقض؛ لأن غسل الجنابة واستقبال القبلة والطهارة، جميع ذلك عبادة تجمع أشياء متغايرة تتقدم على الصلاة
للصلاة، ومع هذا [أن] لو قدم الطهارة، ثم غسل ثوبه، أو بدنه من النجاسة، ثم استقبل القبلة جاز، وكذلك لو قدم استقبال القبلة، أو قدم غسل النجاسة.
فإن قيل: هذه عبادات لا عبادة واحدة.
قيل: كذلك غسل الأعضاء، كل واحد منها غسله عبادة، والطهارة عبادات، فإن أردتم أن الطهارة لا تتم إلا بجميعها، قلنا لكم: الصلاة لا تتم إلا بإزالة الأنجاس، واستقبال القبلة، والطهارة، كما لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها.
فإن جعلتموها عبادة واحدة [فكذلك ما ذكرتموه، وإن جعلتموها]، فكذلك ما ذكرناه.
على أن ردّ الوضوء إلى غسل الجنابة أولى منه إلى الأذان؛ لأنَّه لو أسقط الأذان مع القدرة لصحت صلاته ولو أسقط الوضوء مع القدرة لم تصح، وكذلك ما ذكرناه من غسل النجاسة واستقبال القبلة والطهارة، ولو أسقط واحداً منها مع القدرة وعدم العذر لم يصح، وليس كذلك الأذان، والله أعلم.
[10]
مَسْأَلَة
تخليل اللحية في الطهارة من الجنابة ليس بمفروض.
ورَوَى ابن وهب عن مالك - رَحمَه الله - أنه في الغسل من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض.
وقال الشافعي: التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة، مثل أن يغلغل الماء في شعره أو يبله في الماء حَتَّى يعلم أنه قد وصل إلى البشرة.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، ولاغتسال معقول؛ فإذا غسل ظاهر لحيته مع سائر بدنه فهو كغسله ظاهلا وجهه، ويقال: قد اغتسل، وإن لم يصل الماء إلى ما تحت شعره.
وقوله -تعالى - ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مثل ذلك، فإذا اغتسل قيل: قد اغتسل وتطهر.
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، إنما يتوجه إلى ما ظهر من الجلد، وهو الذي يمكنه إمساسه بالماء الذي يكون في يده، ويسمي به غاسلاً ونحن نعلم أن المماسة باليد بالماء لا يمكن الماء تحت الشعر حتى يكون به غاسلاً، وإنما تبلغ يده مبلولة إما ماسحاً أو ماسًّا غاسلاً، والذي أخذ عليه أن يكون غاسلاً بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
فإن قيل: الخبر حجة لنا؛ لأن النبي عليه السلام قال: «فأمسسه جلدك»، فلم يعقل منه غير المس.
قيل: يحتاج أن يكون ماسًّا لكل جزء من الجلد بالماء لا بالبلل، ومع الغسل يحصل كل جزء، وداخل اللحية لا يحصل في الغالب مماسًّا بالماء، وداخل اللحية لا يحصل ف الغالب مماسًّا بماء، ولكن بالبلل فعلم أن المراد الجلد الظاهر الذي يحصل في الغالب على هذه
الصفة بفعل اليد فيه بِالْمَاءِ.
وأيضاً قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعرة جنابة وأنقوا البشرة» , وقد علمنا أن ما تحت الشعر لا يمكن غسله، وأن ما بين الشعر الكثيف لا يباشر به وإِنَّمَا يباشر بالجلد الذي يبين من الشعر، والإنقاء أيضاً مبالغة في الغسل، وهذا لا يكاد أن يتأتى إلاَّ في الظاهر من الجلد الذي يتناوله اسم الغسل على ما نقوله في الدلك بِالْمَاءِ
وأيضاً قوله عليه السَّلام: «الأعمال بالنيات».
وهذا إذا اغْتَسَلَ ونوي فقد حصل العمل بالنية.
وأيضاً قوله عليه السَّلام: «وإِنَّمَا لامرئ ما نوى».
وهذا قد نوى غسل الجنابة بما فعله فله ما نواه.
وأيضاً قوله عليه السَّلام: «لا صلاة إلاَّ بطهور».
وهذا قد فعل ما به متطهراً ويُسَمَّى فعله طهوراً وصلاة.
فإن قيل: إننا لا نسمي هذا الغسل طهوراً حَتَّى يصل الماء إلى ما تحت لحيه.
قيل: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمَّاه طهوراً بِقَوْلِهِ: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».
وقيل لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت»، وهذان الخبران يصلح أن يستدل بهما ابتداء، ويصلح أن يعارض بهما السؤال الذي تقدم.
وأيضاً قوله عليه السلام: اصلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا اغتسل على ما قوله، وصلى بقراءة فاتحة الكتاب فقد حصلت له الصالة بحكم الظاهر.
فإن قيل: فقد روي أنه عليه السلام كان يخلل أصول شعره بالماء في غسل الجنابة.
قيل: ليس في التخليل أكثر من أنه يبل الشعر؛ لأنَّه ربما لم يبتل، وخاصة الشعر الكثيف المتجعد، فإذا خلله وصل الماء فابتل الشعر الذي يتجمع ويخفي، وقد قال: «بلوا الشعر»، فأما أن يكون في الخبر أن غسل الجلد الذي بين أصول الشعر فليس فيه، ولو صح ذلك لكان مستحبًّا، كما روي أنه توضأ واغتسل، ليس الوضوء
واجباُ؛ بدليل قوله: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».
وبما قاله لأم سلمة.
فإن قيل: الطهارة عليه بيقين، ولا تسقط إلاَّ بيقين، وهذا إذا لم يوصل الماء إلى ما تحت اللحية فلسنا على يقين من طهارته.
قيل: الذي تعلق عليه ما يُسَمَّى به مغتسلاً ومتطهراً، فإذا فعل ذلك تناوله الاسم، وحصلت له الصلاة التي لها تراد الطهارة بقول: «لا صلاة إلاَّ بطهور».
فإن قيل: الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل.
قيل: قد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب».
وهذا إذا اغتسل ولم يوصل الماء إلى ما تحت لحيته، وصَلَّى وقرأ فقد أتى بالصلاة التي فيها فاتحة الكتاب.
فإن قيل: فقد فال: «لا صلاة إلاَّ بطهور»
قيل: هذا قد فعل ما يُسَمَّى طهوراً في اللغة والشرع، على ما ذكرناه عنه عليه السَّلام في فعله، وفي قوله لأم سلمة.
وكل ظاهر يأتون به فلنا من الظواهر ما يعارضه.
دلائل القياس:
اتفقنا على أنذ لك في الوضوء غير واجب، والمعنى فيه: أنَّها طهارة تبيح الصلاة، أو تنتقض بالحدث، أو تجب عن حدث فكذلك غسل الجنابة.
وأيضاً قد اتفقنا على على أن داخل العينين لا يجب غسله؛ بعلة أن دونه سائر من نفس الخلقة، أو بعلة أنه باطن بطوناً مستداماً في الأغلب.
وأيضاً فإنا اتفقنا على أن داخل العينين لا يجب غسله، ونذكر العلة التي في العينين.
فإن قيل: هذا منتقض بتخليل أصابع الرجلين.
قيل: إذا كانت متلاصقة لم يجب غسل ما بينها.
فإن قيل: يفسد بالخفين.
قيل: قد احترزنا وقلنا: بطونا مستداماً، وقلنا أيضاً، دونه ساتر من نفس الخلقة.
فإن قيل: يفسد بما تحت ثدي المرأة، وبالسلعة إذا نزلت فإنه يجب غسل ما تحت ذلك.
قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأن ثدي المرأة إذا كان منكسراً
على صدرها فليس يحصل ما تحته باطناً بطوناً مستتداماً؛ لأنها إذا نامت أو مشت أو التوت زال عن موضعه، وليس كذلك ما تغطيه اللحية وداخل الفم والأنف والعين.
فإن قيل: فإنَّ شعر اللحية طارٍ، وليس كذلك داخل الفم والعين فينبغي أن يكون الشعر كالخف.
قيل: أليس الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطَّاه الشعر؟ فينبغي أن يسقط في الجنابة إذا غطاه الشعر، وإن كان طارئاً فيهما.
فإن كان المخالف مِمَّنْ يوجب ذلك في الوضوء والجنابة، قلنا: القياس على داخل العين بما ذكرنا من العلة.
فإن ذكر هذا السؤال في الشعر وأنه طار.
نقضنا عليه ذلك بالمسح على العمامة في الوضوء؛ لأنه يجيزه، والعمامة طارئة.
فإن فصل بينهما بأن العمامة لا تثبت دائماً مع طريانها.
قيل: فقد صار ثبوت الشعر ودوامه مع طريانه يشبه الشعر الذي يخرج في العين.
فإما أن توجب غسل شعر العين وما تحته من العين،
كما توجب في الشعر الظاهر الخارج، أو تسقط الشعر الظاهر كما أسقطت غسل شعر العين؛ فيجيء من هذا أن غسل الشعر في مسألتنا يسقط فضلاً عما تحته، أو يجب غسل اللحية وما تحتها فيجب غسل الشعر من العين، وهم لا يوجبون ذلك، ففسد الاعتلال بأنه طار.
فإن قيل: إن شعر العين الذي ينبت فيها -أعني في داخلها - لو لم ينبت لما وجب غسل ما تحته، وليس كذلك الشعر الذي على البشرة.
قيل: نحن قد أفسدنا الاعتلال، والفرق مع النقض والفساد لا يضر.
على أننا نحن أيضاً نقول: إن داخل الأنف لو لم ينبت فيه شعر لما وجب غسله، وهو قول الشافعي فكذلك لا يجب غسل الشعر الذي فيه، ويصير الشعر الظاهر متردداً بين أصلين: هما: الشعر الذي داخل الأنف والعين، وبين الأشياء التي تطرأ كالجبائر والخف، فرد ما تحت الشعر إلى من رده إلى غيره، ورد ما يثبت بعد طريانه إلى ما يثبت من شعر الأنف والعين أولى، وبالله التوفيق.
ونقول أيضاً: إنه شعر يستر ما تحته في العادة فوجب أن ينتقل الفرض إليه، أصله الوضوء.
هذا على الشافعي.
والمزنيُّ يوجب إيصال الماء في الوضوء والجنابة إلي البشرة.
[11]
مَسْأَلَة
عند مالك، وأبي حنيفة وجميع الفقهاء، أن المرفقين تدخلان في غسل الذراعين في الوضوء.
وذهب زفر بن الهذيل إلى أنه لا يجب غسل المرفقين، قال: لأنَّ الله -تعالى - قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فأمر بغسلهما إلى المرفقين، وجعلهما حدًّا، والحد لا يدخل في المحدود، كقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فجعل الليل حدًّا للصوم، ثم لم يدخل شيء من الليل فيه، وكما يقول: دار فلان تنتهي إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدًّا لها، ولا تدخل فيها، فكذلك ههنا.
والدليل لقولنا: قوله تعالى -: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وأن الله -تعالى - لما أراد منا استيفاء الغسل إلى هذا الحد، وعلم أنه لا يمكن تكلف إخراج الْمِرْفَقَيْنِ عنه لمقاربته، وأنَّه لا فصل بينهما أوجب غسل الْمِرْفَقَيْنِ.
كما أنه لما لم يكن بين النهار والليل فصل وجب إدخال جزء من اللَّيْل في حكم الصيام بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وكذلك لما لم يكن بين اللَّيْل والْفَجْر فصل وجب أن يدخل جزء من اللَّيْل في ابتداء الصيام في باب النية والإمساك، حَتَّى يحصلا مقدمين على الصوم الذي يجب من طلوع الْفَجْر؛ لأنه لو تكلف ابتداء الإمساك: حين يطلع الْفَجْر لشق ولم يمكن، فكذلك في الْمِرْفَقَيْنِ مع الذراعين.
فإن قيل: فينبغي ان يكون الوجب إدخال جزء منه لا جميعه كما ذكرتم في اللَّيْل والنهار.
قيل: المرفق، فتكلف إدخل بعض المرفق دون بعض يشق ولا يمكن وإذا لم يمكن، استيفاء الذراع إلاَّ بجزء من المرفق، ويشق تمييز ذلك الجزء منه لقلته في نفسه صار جميعه في حكم الجزء من اللَّيْل.
وقد حكي عم المبرد أنه قال: لغة العرب أن الحد إذا كان من جنس المحدود داخل الحد في المحدود، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف الآخر، دخل الطرف الآخر في البيع، وإن كان قد جعله حدًّ؛ لأنَّه من جنس الثوب، وإن كان الحد من غير جنس المحدود لم يدخل في المحدود، كقوله -تعالى - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، لما لم يكن الليل من جنس النهار لم يدخل فيه، كذلك أيضاً دخل المرفق فيه؛ لأنه من جنس المحدود.
قال القاضي أبو الحسن: وعندي أن إلى إذا كانت في موضعها حقيقة للغاية فلا فصل بين الجنسين وغيره إذا لم يمكن الفصل بينهما عند انتهاء الغاية فأما في المواضع التي تكون إلى بمعنى مع، كقوله - تعالى -: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: مع الله، فهي في هذا الموضع
ليست للغاية، ولا تكون حقيقة فيه؛ لخروجها عما وضعت له.
وفي الآية أيضاً دليل آخر، وهو أن اسم اليد يتناول جميعها إلى الإبط، بدليل ما رُوِيَ عن عمار بن ياسر أنه لما تَيَمَّمَ مسح إلى الآباط؛ امتثالاً لما اقتضاه الاسم؛ أعني اسم اليد، وعمار من وجوه
أهل اللغة فإذا تقرر أن اليد اسم لها لها إلى الآباط، ثم أمر الله -تعالى - بغسل اليدين، اقتضى الاسم غسلهما إلى الإبطين، واستثنى مما أوجبه الاسم ونُقص منه بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فبقي المرفق مغسولاً مع الذراعين بحق الاسم؛ لأن الاستثناء لم يلحقه ولم ينته إليه، هذا إن سلمنا أن الحد لا يدخل في المحدود فقد صح ما قلناه.
ثم يقوي ما ذهبنا إليه: ما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غسل يديه، ثم أدار الماء على مرفقيه، وقال في الحديث: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به».
لما تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وهذا يمكن أن يجعل دليلاً مبتدأ، فإذا أورد عليه الكلام في الحد ذكر فيه ما تقدم.
ويَدُلُّ على ذلك أيضاً: ما رُوِيَ عن جابر بن عبد الله وأنه قيل له: أرنا كيف كان وضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فأراهم ذلك، وفيه: أنه لما بلغ الْمِرْفَقَيْنِ أدار الماء عليهما، وهو قول عدد من الصحابة، وظاهر أن فعل النبي عليه السَّلام واجب إلاَّ أن تقوم دلالة.
ويجوز أن تجعل إلى ههنا بمعنى مع؛ بدليل ما رَوَى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أدار الماء على مرفقيه، وبخبر جابر.
[12]
مَسْأَلَة
والبياض الذي بين شعر اللحية والأذن ليس من الوجه، ولا يجب غسله معه في الوضوء.
وذكر الطحاوي أنه من الوجه.
وقال الرازي في شرحه إنه كان يجب قبل نبات الشعر غسله؛ لأنه من الوجه، فلا يسقط حكمه بنبات الشعر في غيره.
قال: وكان الكرخي يحكي عن
البردعي أن حد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن وكذلك قول الاشفعي.
وهذا الذي ذكره أنه كان يجب غسله قبل نبات الشعر ليس كذلك، وإنَّما كان يجب غسل الموضع الذي نبت علي الشعر فأما ما وراء ذلك فلم يجب غسله مع الوجه.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى -: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾،
والوجه عند العرب ما وقعت المواجهة به، ولا تقع في غالب الحال بذلك الموضع.
يبين ذلك: أن على المرأة المحرمة أن تكشف وجهها في الإحرام ونحن نعلم أن القناع يغطي ذلك الموضع ولا تكون عليها فيه فدية، ولو غطت موضعاً من وجهها لكان فيه الفدية، وكذلك الذي يجوز لها أن تظهر في الصلاة وجهها، وهو ما ظهر من القناع، وإذا كشفت هذا القدر قيل: قد كشفت وجهها حقيقة.
ومن جهة الاستدلال: أن الذي ستره الشعر لما لم يجب غسله، كان الذي وقاه أولى ألا يجب، إما لأنَّه إلى الرأس أقرب، أو لأن الشعر قد حال بينه وبين الوجه.
فإن قيل: فإن المرأة إذا لبست الوقاية تغطي رأسها، وانكشف الباقي، فينبغي أن يكون من الوجه، قيل: فيلزمك أن تكون الأذنان من الوجه، وليس الأمر كذلك عندك وهما ينكشفان مع الوجه، ولو فعلت
ذلك في الصلة لم يجز ذلك - عندنا - لأن رقبتها وأذنيها تنكشف.
فإن قيل: فلم تقل في هذا كما قلت في المرفقين مع الذراعين، وأنه لما لم يمكن الفصل بينهما لتقاربهما وجب أن يغسل مع الوجه، كالمرفقين.
قيل: الفصل بينهما أن اسم اليد يقع من أطراف الأصابع إلى المناكب حقيقة، وكل موضع منه يتناوله اسم يد حقيقة وليس كذلك الوجه مع الرأس، بل جعل بينهما فصل، لا هو وجه حقيقة ولا من الرأس حقيقة، أن الله -تعالى - ذكر غسل الوجه وأفرده؛ لأنَّه المواجه به، ثم عقبه بغسل اليدين، ثم اتى بمسح الرأس بعد ذلك، فعلم بهذا أن هذا مفرد عن هذا وليس كذلك الذراع مع العضد؛ لأنَّ الاسم الواحد يتناولها حقيقة، فبان الفصل بينهما.
فإن قيل: فيلزمك هذا في النهار مع الليل.
قيل: لا يلزم، لأن الذي جُعل آخر النهار هو غيبوبة الشمس وهي التي جعلت أول الليل فلا فصل، فكأنَّه مشترك بينهما، فلم يمكن الفصل بينهما، وبين الوجه والرأس فصلٌ بيّن فلم يلزم ما ذكرتموه، والله أعلم.
[13]
مَسْأَلَة
غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك، وأبي حنيفة والشافعي، وجميع الفقهاء، وبه قال أنس بن مالك، وربيعة، والأوزاعي، وأهل الشام، وعبد الله بن الحسن البصري وأهل البصرة وسفيان الثوري، وأبو ثور، وأحمد
وذهب ابن جرير الطبري إلى أن الغسل يجوز، ومسح جميع القدمين يجوز، الإنسان مخيَّر بين الغسل والمسح على هذه الصفة.
وذهب الشيعة إلى أن الفرض هو المسح، ولا يجوز الغسل، وإن مسح البعض أجزأه.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فنصب الرجلين، وحدّهما إلى الكعبين، كما نصب اليدين وحدّهما إلى المرفقين.
فإن قيل: فقد قرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالخفض، فنسق على المسح بالرأس فينبغي أن يكونا ممسوحين كالرأس، ويكون العطف على ما يليه من الرأس أولى من عطفه على اليدين.
قيل: قد حصلت القراءتان جميعاً حجة لنا، فالنصبُ والتحديدُ إلى الكعبين ظاهرٌ في العطف على اليدين، ومن قرأ بالجرِّ خفض بالمجاورة لأن من شأن العرب أن تتبع اللفظ اللفظ على المجاورة، كقوله: هذا جُحرُ ضبٍّ خرب، ومعناه: خربٌ لأنَّه صفة للجحر،
وكقول الشاعر:
لقد كان في حولٍ ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم
فخفض الثواء على مجاورته الحول.
فإن قيل: حن نعارضك بمثل هذا فنقول: من قرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالنصب، إنما عطفه على موضع الرأس؛ لأنَّ موضع المجرور منصوب ألا ترى قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
فنصب الحديد نسقاً على موضع الجبال؛ لأن موضع المجرور منصوب.
قيل: إنما تعمل العرب هذا ضرورة، ولولا أن الشاعر عمله ههنا لتقطعت قافيته، وإنما اراد اتباع القافية.
ثم لو سلمنا المساواة والمعارضة في القراءتين لكان استعمالنا في الغسل أولى من وجوه:
أحدهما: أن في الآية صريحاً يدل على أن المراد الغسل، وهو أنه قيد الرجلين بالكعبين، كما قيده في اليدين إلى المرفقين، وتقييده إلى الكعبين يقتضي استيعاب الرجلين إلى الكعبين، وهذا يكون في الغسل؛ لأنَّ من يعتبر المسح يقول: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه دون الباطن.
ووجه آخر: وهو أننا نستعمل القراءتين، فنحمل المنصوبة على غسل الرجلين، والمخفوضة على المسح على الخفين.
وأيضاً فجعلها على الغسل أولى؛ لأن فيه المسح وزيادة عليه.
ووجه آخر: وهو أن معنا من الأخبار ما لا يحمل غير ما نقول؛ وذلك أنه روي النبي عليه السلام قال للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، واغسل وجهك ويديك وامسح برأسك، واغسل رجلك»، وهذا موضع تعليم، فذكر فيه أن الذي أمره الله به هو الغسل دون غيره.
وأيضاً قوله عليه السلام في الخبر الآخر: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه»، فقوله: «لن يجزئ»، نفي للإجزاء إلا بما ذكره من الغسل، وهذان خبران يصلح الاستدلال بهما في أصل المسالة، ويصلحان لبيان موضع المراد من الآية.
ووجه آخر: هو أن الوجه إنما أُمرنا بغسله؛ لكثرة مباشرته
الأشياء من الشموس والغبار والرياح وغير ذلك، وأُمرنا بغسل اليدين؛ لكثرة العمل بهما ومباشرة الأشياء، والرأسُ في أكثر أحواله مغطى، لا يكاد أن يُعمل به شيء ولا يباشر به، فأُمرنا بمسحه تخفيفاً، والرجلان فالسعي بهما وظهورهما أكثر من اليدين وإن كانتا للعمل فلعل عظم الناس تكون أيديهم مغطاة مخبأة، والرجلان أظهر منهما، فلما أمرنا بغسل اليدين كانت الرجلان أولى بأن تكونا مرادتين بالغسل.
فإن قال قائل من أصحاب ابن جرير: إن ما ذكرتموه من تقييد الرجلين بالكعبين، وأنه يوجب الاستيعاب فإننا نقول: إن الاستيعاب واجب في المسح كما هو واجب في الغسل.
قيل: التخيير إحداث قول ثالث؛ لأنَّ أحداً من الصحابة والمتقدمين لم يحمل الآيتين على التخيير.
فإن قيل: معنا أخبار بإزاء أخباركم، وذلك أنَّه روي أن أنس بن
مالك سمع الحجاج يخطب، ويقول: أمر الله -تعالى - بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج.
إنما أمر الله -تعالى - بمسح الرجلين فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالخفض، فدل على أن القراءة بالخفض.
وأيضاً فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: «غسلتان ومسحتان»،
وروي عنه أنه قال: كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل، فدل على أن الآية توجب المسح.
وروي عن ابن عباس عن علي - رضوان الله عليهما - أنه وصف وضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وأخذ حفنة فصكها على قدميه في نعليه، وبصك الماء على القدم لا يحصل
الغسل فعلم أنه حكي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه مسح.
وأيضاً فقد روى حذيفة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى سباطة قوم فبال قائماً ومسح على نعليه.
وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمسح على رجليه، فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما خبر أنس وقوله للحجاج ما قال: فإنما أنكر على الحجاج قوله: أمر الله بغسل الرجلين، فقال: لم يأمر به، وإنما أمر بالمسح، أي أن الكتاب يقتضي المسح ولكن الفرض فيهما الغسل؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيَّن أن الفرض الغسل.
وأما حديث ابن عباس: فقد روي عنه أنه قرأ الآية بالنصب فيكون لما قاله تأويلان.
أحدهما: انَّه كان يذهب إليه قديماً ثم رجع عنه فقال: الفرض فيهما الغسل.
أو يكون قاله على حسب ما قاله أنس؛ لأنَّ الآية تقتضي المسح، ولكن بين رسول الله أن المراد به الغسل، فالفرض فيهما الغسل.
وما ذكروه من حديث على أنَّه أخذ حفنة فصك بها قدميه في
نعليه، فإننا نقول: إن هذا ليس بمسح؛ لأنَّ هذا صب ماء، والمسح هو أن يبل يديه ويمسح بهما على قدميه.
وحديث حذيفة ففيه أنه مسح على نعليه، وهم لا يجيزون المسح على النعلين.
وحديث ابن عباس: أنه عليه السلام مسح على رجليه معناه أنَّه مسح على خفيه؛ بدليل قراءة ابن عباس بالنصب، وبالدلائل التي ذكرناها.
على أن هذا كله حكاية أفعال، والأفعال لا تقع إلا على وجه واحد، فيجوز أن يفعل الشيء في وقت لعذر، وما كان فيها من الأقوال فهي محتملة، وقد روينا بإزاء هذه الأخبار ما هو أقوى منها، وذلك انَّه روي عن عبد الله بن زياد، قال: مر بنا أبو هريرة ونحن نتوضأ، فقال: أحسنوا الوضوء، قال أبو القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ويل للأعقاب من النار».
وروت عائشة أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ويل للأعقاب من النار».
فتواعد على ترك غسل العقب، فلو كان يجوز له تركه لم يكن متواعدً عليه؛ لأن الشيعة تقول: إذا مسح ظاهر القدم ولم يمسح على عقبيه جاز.
وروى عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قلت يا رسول الله: