[مكان دفن الأنبياء]
ومنها: ما رواه مالك «1» في" موطئه" بسنده إلى أبي بكر «2» في كتاب" الجنائز" قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه» فحفر له فيه «3». قال:" وهذا افتراء وقول باطل.
فإن" يعقوب" توفي بمصر، وحمل إلى «4» مقبرة أبيه إبراهيم" فدفن فيها «5»، وكذلك" إبراهيم" و" إسحاق" دفنا هناك ولم يدفنا في مكانيهما من داريهما، وكذلك" داود" و" سليمان"/ إلى غيرهما من الأنبياء ماتوا بأماكنهم، ودفنوا في غيرها.
وبالجملة: ما دفن نبي من الأنبياء في مكانه الذي توفي فيه، فضلا أن يكونوا أجمعون دفنوا حيث ماتوا".
قلت: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن ما ذكره من دفن يعقوب في غير/ موضع موته، مأثور عن التوراة، والتوراة فيها من التحريف والتهافت والتناقض ما يمنع الوثوق بها- كما سبق-.
الثاني: أنه «1» ذكر في التوراة أن يعقوب بقي بمصر يبكي عليه سبعين يوما «2». ولو بقي ذلك القدر غير مدفون لأنتن وأراح «3» إذ هو بشر على كل حال وذلك إهانة للميت.
ولهذا جاء في شرعنا: أن من إكرام الميت أن يبادر بدفنه، فدل على أنهم دفنوه حتى انقضت مناحتهم «4»، ثم استخرجوه فنقلوه إلى آبائه.
وحينئذ لا يكون نقله منافيا لدفنه حيث مات.
فإن قيل: لعلهم صبروه «5» حتى مكث تلك المدة ولم يحتج إلى دفن.
قلنا: هذا لم ينقل في صورة التوراة ولا غيرها ومجرد احتماله لا يكفي في التصديق به.
وما ذكر فيها من تحنيطه لا يدل على تصبيره، إذ كل الموتى يحنطون عند الإمكان «6».
الثالث: أنك ناف ونحن مثبتون، والإثبات مقدم على النفي، إذا استوى المخبران، فكيف والمخبر بالإثبات ذو ناموس عظيم.
وأنت فيلسوف علج.
الرابع:- وهو المختار عندي في الجواب- منع صحة الحديث «1»، فإني كشفت عنه في كتاب" الجنائز" من الموطأ فلم أجده «2»، ولم أعلم أحدا رواه إلا أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق «3» قال: أنا «4» ابن جريج «5»، قال: أخبرني أبي «6»:
أن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يدروا أين يقبروه؟ «1» حتى قال أبو بكر سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لم يقبر نبي إلا حيث يموت» «2» فأخروا فراشه «3» وحفروا له تحته» «4». قلت: وفي هذا الحديث جهالة وإرسال، لأن أبا ابن جريج لا يعلم حاله في الرواية، وقد أرسله عن الصحابة، فلا نعلم هل سمعه منهم أو من غيرهم عنهم؟.
وهاتان/ علتان لا يبنى «5» على ما كانتا فيه من الحديث فرع فضلا عن أن نلتزم تسليمه، والجواب عنه فيما يقدح في أصل الشريعة.
ورواه ابن هشام «6» في السيرة من وجه لا يسكن إليه أيضا.
وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اختلفوا في دفنه.
فقال أبو بكر سمعت من «7» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئا ما نسيته قال:" ما قبض الله نبيا إلا في
الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه/ في موضع فراشه «1»، وهو حديث غريب.
وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي «2» وهو يضعف «3». كيف وقد روى ابن مكة «4» في" أماليه" والسهيلي «5» في" الروض": أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما مات قالوا له: كيف نصلي عليك؟ قال: «إذا وضعتموني على شفير قبري في بيتي فاخرجوا عني، فإن الملائكة تصلي عليّ أولا» «6». وساق الحديث.
فمع هذا النص كيف يكون الخلاف في موضع دفنه؟ فهذا مما يدل على ضعف ذلك الحديث.
[الجزء الثاني] [