الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية[الأنبياء والنكاح]

وأما قوله:" ولذلك فضح الله بها كل مدع" فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكاذبة ولو كانت حاسة النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل، وداود، وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء والسراري «2»، وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة السبب.

وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا.
فقد ألحق العار بسائر الأنبياء والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين.
وإن عارا يتلبس «1» به هؤلاء كلهم ليس بعار:/ وعيروني بذلي في محبتها... وبالذي عيروني تم لي الشرف «2» [وإذ لولا هذه الحاسة لما وجد الأنبياء وشرائعهم، وإنما هي عار على معتقدها عارا، إذ لولا هذا العار لما صار إلى النار] «3». وأما ما ذكر من قصة الرجلين الذين أحرقهما ملك «4» بابل، فلم أجده في الباب المذكور من كتاب ارمياء النبي، فإن كان المشار إليه برميا «5» النبي، وأنه غير ارمياء، وإلا فلا أعلم صحة هذا النقل، على أنه بتقدير الصحة إنما افتضح هذان الرجلان بدعواهما الكاذبة وزناهما،/ لا بتعاطي شهوة النكاح.
على أني أحسب أن النقل اشتبه عليه، وأن المراد بالرجلين هاروت وماروت «6». ولهما قصة عجيبة وردت بها السنة وذكرها أهل السير.

منهم:" وثيمة بن موسى بن الفرات «1» في" قصص الأنبياء": وكان افتضاحهما بتقدير الله، وسببه طعن الملائكة على بني آدم، واستقلالهم أعمالهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم.
فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما جرى «2»،

وقد ذكرت بعض قصتهما في" الفوائد" «1». قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمدا- عليه السلام- شديد الداعي إلى ذلك.
كما نقل عنه حديث يقول: «حبب إليّ من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة/ عيني في الصلاة» «2» وأنه تزوج كثيرا وتسرى، فأراد العلج أن يجعل هذا مطعنا عليه.
ولقد تاه عن الصواب.
فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين.
ولهذا كان محمد صلّى الله عليه وسلم إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه فقضى حاجته منها، ثم خرج.
وفعل ذلك يوما ثم

خرج على أصحابه، فقال: «إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها/ شيطان يزينها فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» «1». وقال: «إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور" «2». كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان والهوى.

كما حكي في التوراة «1»: أن" يهوذا بن يعقوب" تعرضت له كنّته «2» - زوجة ابنه- في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه عمامته وقضيبا كان بيده".
وأن" روبيل «3» " وطئ" «4» سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه، ونحن لا نقول بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك «5» وتلخيصه: أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة والرئاسة، بل هي أشد الشهوات.
ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها وأمن غائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في العقل من التعرض بتركها «6» لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان.
وقول محمد- عليه السلام-: «حبب إليّ من دنياكم النساء» ليس ذلك لغلبة شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته.
لمن تأملها، وثباته: ثباته.
بل إنما

المقصود بذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة «1»، والقيام بأعبائها- كما يتفرغ الجائع بالأكل- لأداء العبادات.
وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون.
أنه لما توجه إلى بعض مغازيه- أحسبها: غزاة أريحا «2»، مدينة الجبارين- قال لقومه: " لا يتبعني «3» رجل قد/ ملك بضع امرأة، يريد أن يبني بها ولما يبن.
ولا آخر قد بنى بيوتا، ولم يرفع سقفها «4». ولا آخر قد اشترى غنما، أو خلفات «5»، وهو

ينتظر أولادها"... الحديث رواه أحمد «1»، وأخرجاه في الصحيحين «2». كل ذلك مراعاة لاجتماع «3» / الخواطر في طاعة الله، وحذرا من تفرق الهمم فيها «4»، ونظائر هذا في شريعتنا مطلوب كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين «5» وكذلك الشبق «6»، وكل ما يلهي.
وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه

السلام-: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» «1» لأن القضاء عبادة، والغضب يشغل عنه.
وكذلك كلما في معنى الغضب من مرض أو حر أو برد أو شبق ونحو ذلك.
ولهذا كان- عليه السلام- يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه «2»، بل إكراما للملائكة الذين معه خصوصا جبريل صاحب الوحي.
ولهذا كان يبغض الثوم والبصل، وكل ذي ريح كريهة، وقال لأصحابه: «إني أناجي من لا تناجون» «3».

«وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» «1». وأما المسيح فلعله في ترك النكاح كان عنينا «2»، أو لكونه لا من ذكر، أو لكونه كان ملكا ظهر في صورة آدمي، فغلبت عليه صفة الملائكة «3». كما قال الله- سبحانه-: ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا... (9) «4» الآية.

أو لكونه كان هو الله أو ابنه على رأي النصارى الساقط- تعالى الله عما يقولون- ونحن نقول: إن المسيح لو تأسى بسائر الأنبياء في النكاح والنسل، وتكثير العباد والعبّاد لكان ذلك أكمل له «1». فالذي يحتج علينا في [حاسة] «2» النكاح بترك المسيح له، نحتج عليه في فضيلته بفعل جميع الأنبياء له.
وليس المسيح- عليه السلام- بخير من جميع الأنبياء، إلا على هذيان النصارى في أنه: الله، أو ابن الله.
وذلك ممنوع عند كل عاقل، بل هو عبد الله ورسوله.
وسيأتي تمام الكلام على هذا الشرط عند ذكر تفاصيله.

جارٍ التحميل