[العزل وإباحته في غير معارضة القدر]
قال:" وهو أن يجامع الرجل ثم يعزل ذكره عن فرجها، فيلقى المني خارجا"، قال:" وهو قبيح/ رذل عار على فاعله".
قلت: المأخذ في مشروعية النكاح في دين الإسلام هو تحصين الدين والفرج والعفاف عن الزنا، وذلك حاصل مع العزل وعدمه، «3» وعندهم مأخذه تحصيل الذرية، فلعلهم لذلك قبحوه، ولا شك أن هذه المسألة من فروع الشريعة وفيها خلاف: فقيل: يجوز مطلقا «4»، وقيل: لا يجوز مطلقا «5». وقيل: يجوز بإذن
الزوجة وإذن سيد الأمة «1»، ومسئلة فيها هذا الخلاف في الحكم والدليل، لا ترد هادمة لشريعة.
ثم إذا حاققناهم: فإما أن نمنع قبح العزل وتحريمه ونطالبهم بالدليل على ذلك فلا يستطيعونه،/ وليس فيه إلا وهم الاحتشام الطبيعي.
ولو كان ذلك موجبا للعار لوجب أن يكون نفس الجماع عارا، وقد بينا بطلانه «2» وإما أن نسلم تحريمه ونحتج عليه بما روى أبو سعيد قال:" ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لم يفعل أحدكم؟ فإنها ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها» أخرجاه في الصحيحين «3»، ورواه أبو داود «4» والنسائي «5» والترمذي وصححه «6».
فقوله:" لم يفعل؟ " استفهام انكار، وذلك يوجب المنع «1»، ولأن فيه فرارا من القدر وهو حرام «2»، ونوع عبث إذ لا فائدة له إذا كان لا مانع لما أراد الله خلقه، ثم نجعل هذا ناسخا لأحاديث إباحته «3»، فلا يمكنهم النزاع في ذلك «4». والله أعلم.
[حد الزنا... وحرص الإسلام على الستر والإغضاء] قال:" وفي سورة النساء: واللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ... (15) إلى قوله: والَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما... (16) «1» وذكر ما قاله «2» المفسرون في الأذى: أنه التعيير «3» والتوبيخ، أو السب والجفاء أو النيل «4» باللسان واليد، والضرب بالنعال، ونحوه «5». قال:" وفي هذا تكثير للزنا لطمع الزانيين بتعذر اجتماع أربعة شهود غالبا، حتى يقضيا وطرهما، ولضعف هذه العقوبة إذ لا يزجر «6» مثلها عن هذا الفعل وشرعية الزنا وقوعه في الخلق أمر مغضب للرب، وموجب حلول نقمته وسخطه فينبغي أن يحسم تشديد العقاب، حتى لا يقع «7» إلا نادرا".
قلت: قد تبين بهذا السؤال أن هذا الشخص قد كان يأخذ ما يورده على الشريعة من كتب التفسير والحديث من غير أن ينظر في كتب/ الفقهاء، إذ لو نظر فيها لعرف أحكام/ الشرع، ولم «8» يورد هذا الزور والمحال، ولعمري أن الكتاب
والسنة، وإن كانا أصل الشريعة ومادتها لكن اقتناص الأحكام منها يحتاج إلى تصرف في التركيب، كما أن مفردات الدواء مادته، ولا بدّ في الانتفاع بها من تصرف في التركيب، وكذلك مقدمات الدليل مادته ولا ينتفع بها في إثبات الحكم إلا بمعرفة تركيب الدليل منها، وكذا الكلام في مفردات كل مركب.
وإذا عرفت هذا فحكم دين الإسلام في الزاني إن كان محصنا الرجم حتى يموت، وهل يجلد قبله مائة جلدة؟ على قولين «1». وإن كان بكرا
جلد مائة وتغريب عام «1» إلى مسافة القصر «2» لأن قوله تعالى: فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) «3» السبيل
هاهنا: مجمل تبينه السنة فيما روى عبادة بن الصامت «1» قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني.
قد «2» جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم،/ والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة» رواه مسلم «3» وأبو داود «4» والنسائي «5» وابن ماجه «6» والترمذي، وقال: حسن صحيح «7». وفيه أحاديث غير هذا.
وبهذا يتبين: أن ما ذكر في تفسير الأذى ضعيف لا يثبت، أو منسوخ بهذا الحديث «8»، أو محمول على البكر، أو على أنه يفعل بالزانيين ولا يقتصر لهما عليه، بل يقام عليهما من الحد ما أتت به السنة في بيان السبيل.
وأما قوله: في اعتبار الأربعة تكثير الزنا للطمع في تعذرهم.
فجوابه: أنا قد بينا أن بناء شرعنا على مراعاة المصالح والمفاسد،/ وترجيح بعضها على بعض، ولا شك أن اعتبار الأربعة في الزنا، وإن كان مفضيا إلى تكثيره بما ذكرت لكن الزنا يتبعه مفاسد عظيمة: منها: ضياع النسب.
ومنها: لحوق العار بالزانيين وأهلهما «1». ومنها: وجوب القتل عليهما أو الجلد الذي يفضي إلى القتل.
ومنها: سلب العدالة فيترتب عليه رد الشهادة وسلب أهلية الولايات الدينية والدنيوية.
وهذه المفاسد كلها راجعة إلى حقوق الآدميين، فكان في تقليل ثبوت الزنا بتكثير الشهود، تقليل لهذه المفاسد في الحكم.
وأما معصية الزنا الواقع في نفس الأمر، فالعقوبة عليها/ حق الله، والدنيا ليست دار جزاء، إنما هي دار تكليف، فيتأخر حق الله إلى حين المصير إليه، فيعاقب أو يعفو.
ولهذا غالب المعاصي لم يشرع فيها عقوبة في الدنيا إلا فيما كان فيه إفساد لنظام العالم فشرع فيه العقوبة لذلك، وأخر حقوقه في سائر المعاصي إلى الدار الآخرة، دار الجزاء، ولهذا لا يوجد في كلام المسيح ترتيب عقوبة دنيوية على شيء من المعاصي، بل إنما يتوعد بجهنم وبالظلمة وصرير الأسنان على ما تضمنه الإنجيل.
وما تضمنه دين النصارى من العقوبات «1» الدنيوية فهو إما متناول من التوراة أو من جهة علمائهم على جهة السياسة، بناء على قول المسيح: " ما حللتموه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطتموه في الأرض فهو مربوط في السماء «2» ". مع أن دين الإسلام مبني على إيثار الستر والإغضاء «3» ومكارم الأخلاق، لطفا من الله بخلقه، ولولا ما في المعاصي ذوات الحدود من المفاسد الدنيوية لما شرع فيها حد «4»./ والجواب عن هذا السؤال ذكرته مبسوطا في القواعد الدمشقية وإنما أشرت إليه هنا إشارة.