أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الرد على زعم النصراني بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا بدّ أن يعلم الغيب]

وذكر النصوص التي تضمنت أنه لا يعلم الغيب كقوله «7»: وما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ...9«8» وقوله:... ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ... (188) «9».

قال:" فأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لاجتلب الخير، واجتنب الشر، واستعد لكل أمر بما ينبغي له.
وكقوله «1»:... لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرًّا... (188) «2» وقوله: ولا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ... (31) «3» وقوله: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَداً (21) «4» وقول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون فقد أعظم الفرية على الله «5». والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ... (65) «6». قلت: هذا غير وارد بحمد الله- تعالى- فإن محمدا لم يدع أنه يعلم الغيب كله ولا أنه يعلم ما علم منه بنفسه، بل بإخبار الله له بذلك، كما قال الله سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) «7».

وأما قول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون" فلا أعرف هذا اللفظ إنما المشهور من رواية الترمذي وغيره أنها قالت:" ومن زعم أن محمدا يعلم ما في غد «1» " والمعنى متقارب، وكلامها محمول على ما ذكرناه من التقييد، أي لا يعلم ما في غد ولا يخبر بما يكون من عند نفسه بل بإخبار الله له وهل كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إلا عبدا مأمورا «2»؟.
ولم يكن إلها معبودا كما اعتقدتم في المسيح، ثم خفي عنكم ما تضمنه اعتقادكم الفاسد، من جهلكم المتزايد، فإن المسيح إن كان يعلم الغيب فكيف لم «3» يعلم أنه يؤخذ فيقتل،/ فيختفي عنهم، لئلا يقع في الصلب والقتل؟.
فإن قلتم: كان يعلم ذلك لكن هو سلم نفسه ليفتدي الخلق من العذاب بنفسه.
قلنا: نتابعكم على جهلكم في هذا، ونسلمه لكم، لكنه لما بات ليلة في الجبل ساهرا يصلي ويدعو أباه من الموت، ويعبر عنه كأسه.

يرد عليكم إذ من يجود بنفسه هذا الجود، كيف يجزع هذا الجزع ويشح بنفسه هذا الشح، ويستسعد بالتلاميذ أن يساهروه، ويسألوا معه تعبير «1» كأس الموت عنه؟.
سامحناكم في هذه، لكنه لو كان يعلم الغيب- كما زعمتم- فلا يخلو في سؤاله تعبير كأس الموت عنه، إما أن يكون علم أنه يجاب في سؤاله أو لا يجاب/ والأول باطل لوقوع الأمر بخلافه، فما علم الغيب في هذه القضية «2». والثاني: يوجب أن سؤاله كان عبثا لا يليق برعاع الناس فضلا عن الأنبياء على رأينا فيه.
فضلا عن ابن الله أو الله، خالق السموات والأرض على رأيكم الفاسد فيه.
ثم نقول لكم: من «3» من الأنبياء/ علم الغيب لذاته؟ آدم لما أخرج من الجنة؟ أو إبراهيم لما امتحن بذبح ولده؟ أو إسحاق لما أوهمه ابنه يعقوب أنه ابنه العيص، فأخذ بكوريته وجعل يخبر «4» في أمره، ويقول:" الصوت صوت يعقوب واللمس لمس العيص" «5»؟ أو يعقوب لما جرى ليوسف ما جرى وهو يظنه ميتا؟ أو موسى لما

أرسل فرعون الذّبّاحين خلفه «1» ليقتلوه؟ فلو لم يبادر رجل مؤمن فأنذره حتى هرب لفات فيه الفائت.
ما أقل عقل هؤلاء القوم الضلال، بل ما أقل من يتعجب من قلة عقولهم بعد ما يعلم منهم ما هم عليه.
إنما الأنبياء عبيد الله يعلمهم ما لا يعلمون وما لا يعلمهموه لا يعلموه.
قال:" وينضم إلى ذلك وعده للمسلمين يوم أحد بالنصر على عدوهم، فكان بخلاف ما أخبرهم.
فقتلوا وهزموا وجرح هو وانكسرت رباعيته، ودخل حلق المغفر «2» في وجهه ثم لما تبين كذبه اعتذر إليهم بقوله: وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا... (146) «3» الآية.
قال:" واعتذاره أقبح من خلف وعده، لأنه باطل.
فإن الأنبياء المتقدمين على نوعين: أحدهما: جاءوا باللين والملاطفة والخشوع مثل حزقيال وارمياء وأشعياء ونحوهم لم يحاربوا أحدا، ولا خاصموه، بل أعداؤهم الكفار استضعفوهم فعذبوهم وقتلوهم ولم يقتل/ أحد منهم في حرب ولا قتل معه حبر.

الثاني: جاءوا بالتأييد من عند الله، والظهور على الأعداء والقهر لهم فقمعوا المشركين، ولم يقتل أحد منهم في حرب ولا هزم يوما واحدا، ولا قتل معه ربي «1» ولا حبر مثل موسى وداود وسليمان".
قال:" وأنت إذا تأملت أحوال/ محمد، علمت أنه ليس من أحد هذين النوعين، لأنه لم يأت بخشوع ولا خضوع فيكون من النوع الأول ولا أيد بمعجزة يقهر بها أعداءه فيكون من النوع الثاني.
نعم.
هو من النوع الذي حذر عنه سيدنا/ المسيح حيث قال في إنجيله الطاهر:" تحذروا عن الأنبياء الكذابين، الذين يأتونكم في لباس الضأن وهم في الباطن ذئاب خاطفة، ومن ثمراتهم تعرفونهم" «2». قلت: أما خروج النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى أحد فلم يكن منشرحا له، ولا اختاره بادئ الرأي.
وإنما كان رأيه: أن يتحصن في المدينة فإن دخل العدو عليه قاتله بالسلاح والحجارة وإن بقي خارج المدينة بقي بشر، ولم يلق كيدا.

لكن رجالا من المسلمين ممن لم يشهدوا بدرا تأسفوا على فوات حضورها فأشاروا بالخروج إلى أحد وألحوا على ذلك لما أراد الله لهم من الإكرام بالشهادة وتصديقا لرؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث رأى في منامه كأنه في درع حصينة، وكأن في سيفه فلولا، وكأن بقرا تذبح.
فأول الدرع الحصينة بالمدينة، والفلول في سيفه بأنه يصاب أصحابه، والبقر بمن قتل من الكفار يومئذ «1». وأما وعده إياهم بالنصر فصحيح.
وقد نصروا في أول الحرب وهزم الله الكفار، لكن لما خالف الرماة ما أمرهم به، وتركوا مراكزهم التي «2» وكلوا

بحفظها وطلبوا «1» الغنيمة من أموال المشركين، عاقبهم الله بالمخالفة فخرج عليهم الكمين فنال منهم ما نال «2». وقد شرح الله هذه القصة في القرآن حيث يقول: ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ - أي تقتلونهم «3» - بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ152إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ الآيات «4». فقد صدقهم في/ الوعد لكنهم خالفوا فعوقبوا بذنبهم.
ثم يقال: إنما وعدهم بالنصر الكلي ذلك اليوم بشرط أن يسمعوا له ويطيعوا لكنهم خالفوا فانتفى المشروط لانتفاء شرطه.
وأما ما أصابه من ذلك في نفسه: فهو كالذي أصاب الأنبياء قبله من القتل والضرب، بل من النشر بالمناشير، كما جرى لجرجيس النبي- عليه السلام «5» -.

وأما قوله: وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ «1» مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ... (146) فهو إخبار صحيح لكن قوله قاتَلَ مَعَهُ/ رِبِّيُّونَ فيه تقديران مناسبان لسياق القصة.
أحدهما: أن الكلام تم على قوله: «قتل» وفيه ضمير النبي، أي كائن.
أي كم من نبي قتل، وهو صحيح، فإن الخصم قد اعترف بأن كثيرا من الأنبياء قتلوا كيحيى وزكريا والمسيح- على زعمه- وغيرهم كثير.
وقوله: مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ جملة حالية، أي قتل حال كونه ذا أصحاب كثيرين فما أوجب قتله لهم أن تزلزلوا في دينه، بل ثبتوا عليه بعده «2». ووجه مناسبة هذا التقدير: أن الشيطان صاح يوم أحد:" قتل محمد" فاضطربت قلوب أصحابه.
وقالوا: عمن عدنا نقاتل؟ ولمن نتبع؟ فعاتبهم الله على هذا «3» بقوله: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ144إلى قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ... (146) «4» أي ما ضعف أحد بعد نبيه ورجع عن دينه، كما هممتم أنتم أن/ تفعلوا.

التقدير الثاني: أن" قتل" مسند إلى" ربيون" وهم جمع" ربي" والربي منسوب إلى الربة وهي الجماعة كأنه قال: قتل معه قوم رؤساء ذوو جماعات كالقواد والأمراء «1». وقيل الربيون: الأتقياء العلماء «2»، وهذا مناسب لقوله قبل ذلك: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ142ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) «3». ولكونهم وجدوا لما أصابهم يوم أحد من قتل الإخوان والأقارب فكأنه يسليهم بذلك ويأسيهم بمن سبق منهم.
ولا شك أن من الأنبياء المتقدمين من كان ذا حروب ومغازى كداود وسليمان وموسى ويوشع بن نون، ولم يزل بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام «4» يكون لهم ملك للحرب، ونبي يعرّفه بأمر الله بالوحي.
والجهاد فيهم دائم، وكانوا/ يقدمون التابوت بين أيديهم، وكان من حمله لا يرجع به حتى يفتح عليه أو يقتل «5». وقد غزا يوشع بن نون مدينة الجبارين

ليلة السبت، ثم سأل الله.
أن يحبس عليه الشمس حتى يفرغ منهم قبل أن يدخل السبت ففعل «1». وكان غزاة بني إسرائيل أكثرهم أو كثير منهم علماء أتقياء بررة أخيار أحبار لأنهم أوتوا الكتاب والحكم والنبوة وفضلوا على العالمين، كما نص عليه القرآن «2». ومن المحال عادة أن يكون فيهم هذا الجهاد ولا يقتل منهم أحد ومتى ثبت أنه قتل منهم ثلاثة فصاعدا ثبت صحة ما أخبر به محمد- عليه السلام- كيف؟ وقد ثبت أنه قتل منهم في الحروب والمغازي ما لا يحصى كثرة على ما دلت عليه الكتب والتواريخ والسير، وحينئذ انكار هذا الخصم أن يكون قتل مع الأنبياء المحاربين منهم أحد لا/ يسمع.
وقد بينا أن الربيين لا يختصون بالأخبار/ والعلماء على القول المذكور أولا، بل عام في غيرهم من المقاتلة.
فنقول: إنك ذكرت للأنبياء نوعين، ونحن ذكرنا للآية تقديرين.
فتقديرنا الأول «3» يصح في نوع الأنبياء الأول، وتقديرنا الثاني يصح في نوعهم الثانى، وأيضا صح

[عندكم «1»] في التوراة: أن إبراهيم قاتل الذين أغاروا على أموال لوط، فاستاقوها فتبعهم إبراهيم بعبيده وغلمانه حتى قتلهم واسترد ما أخذوه «2»، على أن الآية قرئت على وجهين: «قتل معه» و «قاتل معه «3»».
لكن يقال- لنا «4»: إن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف فيلزمكم الجواب عن القراءتين.
فنقول: قد دلت القراءتان على أن جمعا كثيرا من الأنبياء قتلوا، وعلى أن جمعا كثيرا منهم قاتل معه أصحابه، وقتل معه أصحابه، وقد بينا صحة ذلك إذ العادة في الغزوات والحروب: أن الناس يقاتلون ويقتلون «5». قوله:" ليس من أحد النوعين.
إنما هو رجل هزم وهزم، وأصيب وأصاب".
قلنا: قد بينا بما ذكرنا من معجزاته قبل هذا، أنه من الأنبياء.
وأنه بما «6» علم من حسن سيرته وآدابه ولينه وتواضعه وخشوعه وتحديه وشجاعته وفصاحته وغير ذلك من أخلاقه الكاملة، وصفاته الجميلة متخلق بأخلاق النوعين من الأنبياء، وأنه اجتمع فيه ما لم يجتمع في واحد منهم.

وأنت لو نظرت حق النظر في سيرته لعلمت ذلك لكنك عدو أخذت/ الشبه التي زعمت أن لك فيها متعلقا، وتركت ما عليك فيه المتعلق على عادة الأعداء «1» في إظهار القبيح، وإخفاء المليح.
على أنه لا قبيح في سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم-.
وأما قولك:" هزم وهزم،/ وأصاب وأصيب «2» ": فالنوع الثاني من الأنبياء الذين ذكرتهم.
هكذا كانوا.
وقد هزمت «3» بنو إسرائيل وأخذ منهم التابوت إلى أرض أعدائهم، حتى رد عليهم في زمن طالوت الملك «4». وأما النوع الأول منهم فكانوا تارة يثبتون، وتارة يهربون، كما كان المسيح يفر من اليهود من مكان إلى مكان «5» لخوفه منهم، حتى كان منه ومنهم ما كان.
وقد أخبر الله تعالى بذلك في القرآن حيث يقول: وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ... (140) «6» والله أعلم.

ثم يقال له: هل رأيت ملكا يهزم ويهزم ويصيب ويصاب يبقى ناموسه بعده قريب ألف سنة، وهو كلما «1» جاء في رسوخ/ وثبوت؟ هذا عقل فاسد «2». وأما ما حكاه عن سيده المسيح في إنجيله الطاهر: فقد بينا في أول الكتاب: أنه لا حجة فيه، ولعمري أن في الإنجيل الذي يعتمد عليه من التناقض والمحال ما يمنعه أن يتصف بصفة الطهارة وذكر حديث عائشة: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- سحر، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله «3». قلت: هذا صحيح، وقد بينا عند قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ... (52) «4» أن السحر ونحوه جائز على الأنبياء وأنهم معصومون فيما يوحى إليهم، بمعنى أنهم لا يقرون فيه على خطأ «5». وذكر حديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت:" فلولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ قبره مسجدا «6» ".

قلت: وهذا صحيح مشهور عنهم.
فإنهم لغلوهم في أنبيائهم كما غلوتم في المسيح فجعلتموه إلها، كانوا يتعبدون عند قبور أنبيائهم/، ذلك منهي عنه في دين الإسلام لئلا يصير النبي بالصلاة عنده شبيه المعبود، وإن كانت النية تميز العبادة لمن «1»؟.
لكن لمجرد الشبه تكره، وأيضا فإن الأنبياء معظمون، فإذا عبد الله عندهم «2» لم يؤمن أن يجيء من بعد ذلك العصر فتظن العبادة لهم لتعظيمهم «3» في النفوس كما يقال: إن إدريس لما رفع إلى السماء «4» جاء إبليس إلى أخ له فقال له: أصنع لك تمثالا على صورة إدريس تتسلى بها؟ قال: نعم./ فصنع له تمثالا كان يدخل عليه كل يوم يبكي عنده، ويتذكر إدريس به فيحصل «5» له بعض السلوة، وكان التمثال في خزانة لا يدخلها غيره، فلما مات أخو إدريس- أو أنه

كان صاحبه وخليله- جاء من بعده فوجدوا التمثال في الخزانة، فجاءهم إبليس، فقال: أتعرفون هذا التمثال؟ هذا إله إدريس وأخيه فاعبدوه فعبدوه، فكان ذلك أصل الجاهلية الأولى «1». وأما الجاهلية الثانية: فإن البيت الحرام كان عظيما عند أهل مكة، فكانوا إذا سافروا حملوا من حجارة الحرم معهم في أسفارهم يحتمون ويتبركون بها، ثم تدرجوا إلى أن عادوا يضعونها، ويطوفون بها حيث/ حلوا من الأرض، كما يطوفون

بالبيت، ثم تدرجوا من عصر إلى عصر، حتى عبدوها، ونشأت عبادة الأصنام بهذا السبب، فكان ذلك أصل الجاهلية الأخرى التي أزالها الله بمحمد- صلى الله عليه وسلم- «1». وذكر قوله- عليه السلام- في مرضه:" ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر.
فهذا أوان قطع أبهري «2» ". قلت: قد بينا أن الأنبياء بشر، تجوز عليهم الآفات والموت وأسبابه، وليسوا/ كما يعتقدون في المسيح أنه إله ثم هو مع ذلك قتل وصلب ودفن ولم تنفعه الإلهية.
والأبهر: عرق ينزل من الدماغ، فهو في العنق الوريد، وفي الصلب الأبهر، وفي القلب الوتين.
ومن أي مواضعه انقطع هلك صاحبه والوريد والوتين مذكوران في القرآن «3».

فصول الكتاب · 100 فصل · 959 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية · 959 صفحة
[الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية]ـأولا: المقدمةالمقدمةثانيا: قسم الدراسةالفصل الأول: ما له أثر في حياة الطوفي
الفصل الثاني: حياة الطوفي
ثالثا: التحقيقالخطبةالمقدمات ثلاث[المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب][المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع][المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول][المتنبئون الكذبة والتحذير منهم][حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها][فوائد النبوات ومنفعتها][النبي وشروطه][موقف النصارى من النكاح][فوائد النكاح وفضيلته][الأنبياء والنكاح][ظهور المعجز على يد النبي][موافقة ما يأتي به النبي للفطرة][موقف عتاة النصارى من نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم][امتحان شرط الصدق في نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم][المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم][المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم][الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد صلى الله عليه وسلم][رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "][رد شبهة النصارى في سكوت زكريا عليه السلام][رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له][رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج][تناقض كتب النصارى التي بأيديهم][ابطال دعوى صلب المسيح عليه السلام][أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك][البشارة بمحمد- صلى الله عليه وسلم- في التوراة والإنجيل][أصل خلق الإنسان واعتراض النصراني على الآيات المخبرة بذلك][قصة الغرانيق، وتعرض الشياطين للأنبياء][تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك][بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان عليه السلام][الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين][تجسم الملائكة والرد على النصراني في إنكار ذلك][الرد على النصارى في إنكار صفات الباري سبحانه][القضاء والقدر وأفعال العباد وضلال النصارى في ذلك][كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك][عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه][الحشر والحساب يوم القيامة والرد على النصراني في إنكاره][الإسراء والمعراج][الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه][رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة][البعث والمعاد والرد على المنكر لذلك][الرد على اعتراض النصراني على خلق السموات والأرض في ستة أيام][مكان دفن الأنبياء]علامات الساعة وموقف النصارى منها[منافع الحبة السوداء][طهارة محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلو همته][معجزات محمد- صلى الله عليه وسلم- وموقف النصراني منها]
:" الشرط الثالث" الإعجاز
[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته]:" الشرط الرابع: حسن الشريعة[نسخ شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم- لشرائع الأنبياء قبله][تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية][الرد على النصراني في ادعائه أن الإسلام أجاز إتيان المرأة في دبرها][كراهة الطلاق وإباحته لمصلحة الزوجين][نكاح المتعة وموقف الإسلام منه][العزل وإباحته في غير معارضة القدر][الاستمتاع بالحائض في زمن الحيض][حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين][متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه][حسن العطاس وكراهة التثاؤب][آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها][حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك][التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب][جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك][النهي عن مشابهة النصارى غيرهم في أوقات الصلوات][إثبات نصوص الصفات على ما يليق بالله سبحانه][حث محمد- صلى الله عليه وسلم- لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده][زيارة النبي- صلى الله عليه وسلم- لقبر أمه. وأنه لا محذور في ذلك][الرد على زعم النصراني بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا بدّ أن يعلم الغيب][نفي الضلال عن أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- وشدة الموت عليه والرد على شبهة النصراني في ذلك][مكان قبض النبي صلى الله عليه وسلم وشدة الموت عليه، والرد على شبهة النصراني في ذلك]الحجة الأولىالحجة الثانيةالحجة الثالثةالحجة الرابعةالحجة الخامسةالحجة السادسةالحجة السابعةالحجة الثامنةالحجة التاسعةالحجة العاشرةالفهارسأولا: فهرس الآيات القرآنيةثانيا: فهرس الأحاديث والآثارثالثا: فهرس الأشعاررابعا: الأمثالخامسا: فهرس الألفاظ والمصطلحات المشروحة
سادسا: فهرس الأعلام
سابعا: فهرس الأماكن والمواقع والبقاعثامنا: فهرس الفرق والأمم
تاسعا: فهرس المراجع والمصادر
عاشرا: فهرس الموضوعات
جارٍ التحميل