[رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "]
قال: القسم الثاني من قوله- يعني مما زعم أنه كذب من أخبار محمد- عليه السلام- فمن ذلك قوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً... إلى قوله: وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ «3» وقوله في التحريم «4»: ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها «5» وقوله في سورة مريم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ «6».
قال:" فثبت بهذا كله: أن مريم أم المسيح هي بنت عمران أخت موسى وهارون".
قال:" واسم أبي مريم أم المسيح: يعقيم.
وأمها: حنة.
وبين مريم هذه وعمران أبي موسى ألف وخمسمائة سنة" «1». قال: وعذرا له في هذه الغلطة، فإن الناقل، إما جاهل وإما قاصد إيقاعه في الغلط".
«2» قلت: يشير هذا الخصم إلى أن محمدا- عليه السلام- كان يلقن أساطير الأولين ثم ينظمها بعبارته، والملقن له إما جاهل بالنقل أو قاصد «3» تغليطه «4». قلت: وللعدو أن يقول ما شاء، وإنما يثبت ما قامت عليه الحجة.
وهذا سؤال قد كفانا/ جوابه صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم فروى المغيرة بن شعبة «1» قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران.
فقالوا ألستم تقرءون: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين عيسى وموسى ما كان؟ فلم أدر ما أجيبهم/ فرجعت «2» إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» فأخبرته.
فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» رواه مسلم والترمذي «4» وقال حديث حسن صحيح".
قلت: ومعنى هذا الحديث ما ذكره عبد الرزاق في تفسيره «1». قال: أخبرنا «2» معمر عن قتادة في قوله يا أُخْتَ هارُونَ قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل يسمى هارون فشبهوها به.
فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح «3». فتحقيق معنى الحديث:/ أن هارون هذا سمي باسم هارون أخي موسى تبركا.
وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو التوراة.
وأما قوله: إن اسم أبي مريم:" يعقيم" فجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا لم أعلمه ولا رأيت أحدا ذكره ممن أثق به من علماء المسلمين.
وعلماء اليهود والنصارى غير مأمونين عندنا، ولا وثوق لنا بما عندهم على ما سبق في مقدمات الكتاب.
ومعنا شيء نحن معتقدون فيه واثقون به، وهو القرآن المتضمن أن اسم أبيها عمران.
ويكون ذلك من أسماء الأعلام المشتركة مثل هارون، وهارون، وفرعون، وفرعون، وزيد وزيد، وعمرو، وعمرو، فلا نعدل عنه إلى غيره ولا سبيل لهم إلى إقامة الحجة القاطعة التي نضطر إلى تسليمها علينا، وإن أمكنهم ذلك وفعلوه قبلناه منهم، فإنه لا غرض لنا في العناد بل الحق حيث كان متبع.
الوجه الثاني: أن هذا اختلاف في الأسماء، لا في المسميات فجاز أن يكون عمران تعريب يعقيم، فإن العربية تصرفت في الألفاظ الأعجمية فعربتها كما سمت العرب/ المسيح: عيسى، واسمه في الإنجيل: يسوع.
فعكسوه من آخره، وقلبوا الواو ياء.
وكان أصل موسى: موشا، بالشين المعجمة، يعني الماء والشجر، لأن آل فرعون التقطوه من بين ماء وشجر حين ألقته أمه في اليم، ومو: هو الماء.
وشا: الشجر «1».
وكما سموا" حران «1» " هذه المدينة التي بين الشام «2» وبلاد الجزيرة «3» باسم هاران أخي إبراهيم، وهو أبو لوط، لأنه نزلها.
فعربوها، فقالوا: حران.
أو لعل عمران اسم ويعقيم لقب، فكل هذا محتمل، فلا يقدح مثله في صاحب ناموس عظيم غلب ناموسه على ناموس المسيح والكليم «4».