[مكان قبض النبي صلى الله عليه وسلم وشدة الموت عليه، والرد على شبهة النصراني في ذلك]
وذكر حديث عائشة «1»: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: (أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه «2» يكون حيث شاء فكان في بيتي حتى مات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه، فقبضه الله، وإن رأسه لبين سحري «3» ونحري، وخالط ريقي ريقه في آخر أيامه من الدنيا «4» " ولقد اشتد عليه الموت حتى لا أكره شدة الموت لأحد بعده «5» ".
قلت: ووجه السؤال فيه من وجهين: أحدهما: أنه لم يغفل عن لذة النكاح التي هي عار عند الخصم حتى في مرض الموت./ الثاني: أن شدة الموت عليه عقوبة، فدل «1» أنه كان يستحقها.
قلت: والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن النكاح قد بينا أنه عبادة وهو من سنن المرسلين، والقول بأنه عار سفه.
الثاني: أنه كان يحب عائشة ويألفها أكثر من غيرها، ولهذا كان يقول: (هذا قسمي فيما أملك فهب لي ما لا أملك «2»)، ولا يلزم من ألف الشخص صاحبه أن يكون يستمتع به من جهة اللذة المشهورة، بل يصير الميل إليه خلقا للنفس حتى مع الغفلة عن اللذة.
والجواب عن الثاني: أن لحوق المشاق في الدنيا من أسباب النعم الأخروية، خصوصا شدة الموت فإنه آخر ما يكفر به عن العبد المؤمن ذنوبه إن كان له ذنوب، وإلا رفع به درجات في الجنة، ولهذا يرى غالب المؤمنين أهل بلاء في الدنيا، وغالب/ الكفار أهل عافية.
وفي الحديث النبوي الصحيح: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر «1»» وفي المثل العامي:" المؤمن ملقى، والفاجر موقى «2» " ثم لو كان لحوق المشقة في الدنيا عقوبة لوجب أن يكون إلقاء إبراهيم في النار، وعمى إسحاق ويعقوب، وما جرى ليوسف، وحزن أبيه عليه، وبلاء أيوب، وما قاساه موسى وهارون من بني إسرائيل وقوم فرعون، وقتل يحيى وزكريا وغيرهم من الأنبياء، وإهانة اليهود للمسيح، ثم قتله وصلبه «3»، وما جرى لتلاميذه بعده وقتل" جرجيس «4» " أربع مرات ثم يعيش، وحبس يونس في جوف الحوت ونحو ذلك عقوبات في حقهم، واحد لا يقول بذلك.
وأما قول عائشة:" خالط/ ريقي ريقه" فليس ذلك بمباشرة استمتاعية، بل لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان مستندا/ إلى صدرها فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة ومعه سواك يستاك به فأتبعه النبي- صلى الله عليه وسلم- بصره، فقالت له عائشة: آخذه لك يا رسول الله، فأومأ برأسه، أي نعم- وكان يحب السواك لأنه كما قال- عليه السلام-: (مطهرة للفم، مرضاة للرب «1») - فأخذته من أخيها فمضغته بفمها حتى لان، ثم أعطته النبي «2» صلى الله عليه وسلم فاستاك به «3». فذلك هو المراد باجتماع ريقهما.
وهذا آخر ما وجدناه من هذا الكتاب على مصنفه من الله ما يستحقه.
واعلم أن كل متناظرين لا تثبت دعوى أحدهما إلا بمقدمات مشتركة بينهما يتفقون عليها تكون بينهما كالحكم.
فلمن وافقت تلك المقدمات تثبت دعواه.
وإذا عرفت هذا فنحن ليس بيننا وبين النصارى واليهود مقدمات مشتركة إلا العقليات وما تركب منها ومن غيرها.
لأن كل واحد من أهل الكتاب والمسلمين يقدح في كتاب الآخر الذي بيده فلا تقوم عليه الحجة به.
فلنختم هذا الكتاب بذكر