[حث محمد- صلى الله عليه وسلم- لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده]
قال: وفى حديث أبي هريرة:" من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا «5» غفر له ما تقدم من ذنبه «6» " وذكر حديث:" من صام رمضان إيمانا واحتسابا «7» غفر له
ما تقدم من ذنبه «1» "، وقوله:" إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فمن وافق تأمينه تامين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه «2» " وحديث سلمان:" من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر" الحديث إلى قوله:" غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى «3» " وقوله:" حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده «4» " وحديث أبي عبس: «5» " سمعت النبي يقول:" من
اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه/ الله على النار «1» ". وقوله:" من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه «2» " وحديث أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرني جبريل بالحرة، قال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.
قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: نعم».
كررها ثلاثا «3»، حتى قال في الثالثة: (وإن شرب الخمر «4»).
وذكر النصراني: في لفظ آخر للحديث" قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «1» يدخل النار «2» " وقوله:" لكل نبي دعوة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة «3» ". وقوله:" لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا،/ لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة «4» " وقوله:" من صلى البردين دخل الجنة «5» " وقوله:" من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" الحديث إلى قوله:" كفرت عنه خطاياه «6» وإن كانت
مثل زبد البحر «1» " وقوله:" قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله.
يبتغي بذلك وجه الله «2» ". ثم قال النصراني:" فقد ظهر أنه لم يوجد فيه شيء من الشروط الأربعة «3» التي ينبغي- ولا بد- أن توجد في النبي".
قلت: سرد هذا «4» الخصم هذه الأحاديث، ولم يبين وجه سؤاله منها والذي فهمته من ذلك أنه أوردها إشكالا على وعد النبي أمته على الطاعات المذكورة مغفرة الذنب، ودخول الجنة، والتحريم على النار.
إما استبعادا من هذا الخصم لذلك بناء على اعتقاده في المسلمين أنهم عنده كفار، أو على ما صح في السنة من دخول عصاة الأمة النار وإخراجهم بالرحمة والشفاعة، فيكون ذلك تناقضا في الأخبار «5».
والجواب: أن هذه الأحاديث صحيحة وأحكامها ثابتة عندنا ولا/ مطعن فيها لطاعن.
أما استبعاده لما وعدت به هذه الأمة بناء على سوء اعتقاده فيهم، فلا وجه له «1» إذ لا اعتبار به.
إنما الاعتبار بالحجة.
ثم هو معارض باستبعاد المسلمين ما يزعم النصارى: أن المسيح وعدهم به في قوله:" من عرفني وآمن بي كان معي عند أبي الذي في السموات «2» " ونحوه.
فإن من آمن بالمسيح كإيمان النصارى/ به في أنه: الله، أو ابن الله فهو كافر عند المسلمين، خالد في النار، قد حرم الله عليه الجنة «3». فلم كان اعتبار أحد الاعتقادين أولى من الآخر؟.
وأما دعواه التناقض فمردودة بأن هذه ظواهر وعمومات كانت في أول الإسلام وآخره قبل أن يكمل الإسلام وتتم أركانه وشروطه ومتقوماته.
ثم لما كمل الإسلام صار غفران الذنوب ودخول الجنة والتحريم على النار متوقفا على كماله وتمامه، فمن أخل بجميع حقيقته كان كافرا، ومن أخل بشيء منه جوزي بحسبه، كما قال الزهري في قوله عليه السّلام «4»:" من قال لا إله إلا الله
حرمه الله على النار) «1»:" كان ذلك فى أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي «2» ". قلت: وقد قال بعض أهل العلم:" إن المراد تحريم الخلود لا تحريم الدخول «3» " جمعا بين الأحاديث.
فأما اللفظ الذي ذكره وهو قوله:" من مات
لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «1» يدخل النار" فهذه الزيادة لا نعرفها في شيء من دواوين «2» السنة، بل الذي صح في السنة: إثبات دخول الجنة لا نفي دخول النار «3»، ولا تنافي/ بينهما لجواز أن يدخل النار بمعصيته «4»، ثم يخرج منها فيدخل الجنة بطاعته «5»، كما تواترت به أحاديث الشفاعة تحقيقا لقول «6» الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ7ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) «7». على أن هذا اللفظ إن صح وجب تأويله على أنه لم يدخل النار دخول خلود بخلاف المشركين فإنهم يدخلونها دخول خلود، وحينئذ رد الله كيد هذا الخصم، وتبين أن شروط النبوة الأربعة موجودة في محمد- صلى الله عليه وسلم-.