[الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين]
قال:" وفي سورة الأحقاف «1»: وإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ... (29) وفي سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً1الآيات.
وذكر «2» ما ذكره ابن عطية وغيره في تفسير هذا من رمي مسترقي السمع لمبعثه صلّى الله عليه وسلّم وأنهم تفرقوا ينظرون ما السبب؟ فوجدوا النبي- عليه السلام- يقرأ فعلموا أنه سبب منعهم «3»، وذكر حديث مسلم من رواية ابن مسعود قال: فقدنا النبي صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة فقلنا: اغتيل «4»، أو
استطير «1»، فلما كان وجه الصبح إذا هو يجيء من قبل حراء، فقال: إنه" أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
قال/ الشعبي: سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال:" كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال:" فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" «2» ورواه أحمد «3». قال:" وقد تقدم العلم بأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة فكيف تصطلي بالنار وتركب الدواب، وتغتذي بنخر العظام؟ إن «4» وافقك عقلك على أن هذا حق فتزحزح عن الآدميين والحق بالبهائم".
قلت: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشياطين/ ليست مجردة عن المادة مطلقا بل إن صح أن لها تجردا عن المادة فعن الكيفية.
وحينئذ يجوز «5» أن يرد عليها هذه
الأفعال بحسب مادتها.
ودلالة الإنجيل قاطعة في نحو عشرين موضعا منه على عدم تجردها.
كما سبق.
الثاني: أن الباري- سبحانه وتعالى- إن قلتم ليس مجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة والشياطين أكمل منه.
وإن جردتموه عن المادة فقد جوزتم تأنسه بالإنس حتى يمازجهم ويظهر في مظاهرهم كظهوره في ناسوت المسيح حتى صار يأكل ويشرب ويتغوط ويقتل ويصلب ويركب «1» الحمار ويشرب الخمر ويحي العظام النخرة فيجعلها أوفر ما كانت لحما ويصلي ويتعبد، فجواز ذلك على الجن الذين هم بعض خلق الله- سبحانه- بقدرته عليهم، وتصرفه فيهم أولى، وحينئذ لا يمتنع أن الجن إذا أرادوا الطعام خلق الله لهم على ما وجدوه من العظام لحما يأكلونه «2»، وإن كنا نحن لا نرى ذلك، إذ لا حاجة بنا إليه فلا يوجد اللحم عليها حين نراها.
فإن قيل: المسيح كان يفعل ما ذكرتم من الأفعال بناسوته لا لاهوته.
قلنا: هذا باطل.
فإنكم صرحتم بأن المسيح هو مجموع اللاهوت والناسوت وأن المسيح هو الله، وأنه إنما ظهر ذلك المظهر بطريق التأنس بالإنس والانتقال من حال إلى حال.
كذا قرره" ابن الأمثل" «1» مطران «2» " حمص" «3» منكم بنحو عشرين حجة من التوراة والإنجيل.
منها أن الله- سبحانه- ظهر ليعقوب حين قدومه من عند خاله فصارعه إلى الصبح «4». وهذه من جملة الحجج عليكم.
الثالث: أن هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل/ بدركها فيجب علينا تسلمها عن الشرائع.
وإنما ينكر هذا فيلسوف لم ترض «5» نفسه في
علوم الشرائع.
على أني أراك أيها الخصم مذبذبا./ تارة فيلسوفا صلفا «1». وتارة مشرعا جلفا «2» فأراك كما قال بعضهم لامرأته:/ إني رأيتك في الهوى ذواقة لا تصبرين على طعام واحد «3» قال:" وانظر أيضا إلى قوله في سورة الرحمن يصف نساء الجنة، الحور العين:... لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (56) «4» قال ابن عطية في التفسير: " قال مجاهد «5»: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج،
" الله تعالى" «1» فنفى في هذه الآية جميع المجامعات.
قال ضمرة بن حبيب «2»: " الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف «3» " يعني النساء من الجن، فنفى في هذه الآية الافتضاض في البشريات والجنيات".
قلت: هكذا وجدت كلامه، وهو مخبط لا يظهر منه وجه الإشكال لكنا نقول: أما قول مجاهد وضمرة بن حبيب فلسنا منه في شيء ولا يرد علينا لو عارض غيره، وأما معنى الآية فهو: أن لمن خاف مقام ربه في الجنة نساء أبكارا لم يفضضهن قبلهم أحد، إنسي ولا جني ثم تلك النساء يجوز أن يكن نساءهم في الدنيا، يعدن أبكارا كما قال تعالى:... كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ... (104) «4» ويجوز أن يكن منشآت من الجنة.
وذكر حديث: «إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» الحديث «1». وحديث: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب «2» فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله «3» ". قال:" هذا كله تصريح باغتذاء/ الشياطين وجماعها".
قلت: هذا كله إشكال يورده بناء على ما قرره من أن الشياطين بسائط مجردة عن المادة، لا يتأتى منها ذلك.
قلت: وكأنه يورد تناقضا آخر بين قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (56) «1» وبين قول مجاهد:" الجن تجامع نساء البشر" وقول ضمرة بن حبيب" الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف".
قلت: وجوابه من وجهين: أحدهما: منع التناقض بما بيناه من أن المراد بالآية أن كلا من أهل الجنة له زوجات أبكار لم يطمثهن قبله غيره.
وهذا لا ينفي أن الجن يجامعون نساءهم أو نساء غيرهم في الدنيا أو في الآخرة.
الثاني: أن التناقض بين قول الله سبحانه وأقوال المفسرين لا يلزمنا.
لأن الخلاف بينهم كثير.
فإن التزمنا ذلك طال علينا.
ولأنهم ليسوا معصومين فيجوز أن يخطئوا.
قال:" وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «2» قال:" إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثا.
فإن الشيطان يبيت على خيشومه" «3» وفيه:" لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، فإنها
تطلع/ بين قرني شيطان" «1». قلت: وجه سؤاله من هذا ما قدمه من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فكيف يبيت على خيشوم الآدمي؟ وذلك يستدعي أن يكون جسما.
وكيف يكون له قرنان؟ وأيضا: الشمس مثل الأرض مرارا كثيرة فكيف تطلع بين قرني شيطان؟.
والجواب: قد تكلمنا قبل على بساطة الشيطان وتجرده عن المادة ومنعناه مطلقا.
بل هو تجرد مقيد- كما سبق-.
وحينئذ يقع «2» منه المبيت على خيشوم الآدمي وأم رأسه/، ليزين له النوم «3» ويثقله فيه، كي لا يستيقظ بالليل فيصلي.
كما ذكر في حديث آخر: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد، فكلما أراد أن يستيقظ قال له: نم «4». عليك ليل طويل،.
فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة.
وإن توضأ/
انحلت عقدة، وإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا.
وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" «1». وهذا من الأسرار الإلهية التي اعترف الخصم في أول كتابه: أن العقول لا تستقل بدركها.
وقد ذكر في الإنجيل: أن المسيح بعد قيامه من الأموات صار روحا مجردا يظهر لمن شاء، ويختفي عمن شاء «2». فكذلك الملائكة والشياطين في ظهورها واستخفائها.
وأما قوله:" تطلع بين قرني شيطان" «3» فقال بعض أهل العلم بغريب الحديث: أي ناحيتي رأسه وجانبيه «4». قلت: وهذا لا ينافي عظمها في نفسها كما تقول خرجت بين الجبلين والجدارين «5»، كما سبق في قوله: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ... (86) «6» ومعناه: أن
الشيطان يقارنها على جهة المسامتة «1» لا الملاصق كما تقارن بعض الكواكب السبعة بعضا، وإن كانت في أفلاكها متباعدة المراكز والذوات ليزيّن للكفار «2» السجود لها.
وقال بعضهم: القرن: القوة.
أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها، وقيل: بين قرنيه أي أمتيه الأولين والآخرين من الساجدين لها، المطيعين له في ذلك «3»، أي أن عادة الكفار مستمرة في عبادة الشمس عند طلوعها وغروبها «4»، فلا تصلوا «5» حينئذ لئلا يصير فيكم/ شبه منهم.
وهو- عليه السلام- من شرعه: بغّض الكفار والتشبه بهم جدا حتى أنه يحسم مواد ذلك بكل ممكن، كما كرّه في شرعه الصلاة إلى محراب فيه نار تتقد لئلا يشبه
فعل المجوس «1». وأن لا يشد وسطه في الصلاة بما يشبه شد الزنار لئلا يشبه فعل النصارى «2»، ولا يتعمم غير مذوب «3» لئلا يشبه/ عمامة اليهود «4». وأشباه ذلك كثير.
قال بعضهم: وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها، فكأن الشيطان مقترن بها، يسول له ذلك.
قلت: ومثل هذه الإشارات كثيرة في كلام العرب خصوصا في كلام هذا النبي، فإنه كان أفصح العرب وأبلغها، فليس ينبغي لعلوج النصارى وأعاجمهم أن يناقشوه في ظواهر العبارات «1»، حتى يعلموا لغته فيكونوا مثله فيها «2». والله أعلم.
قال:" وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم «3»: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن.
قالوا: وإياك يا رسول الله «4». قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" «5» وقال:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" «6».
قلت: ومن سبب هذا الحديث ما رواه الترمذي من حديث مجالد «1» عن الشعبي «2» عن جابر «3» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم.
قالوا: ومنك؟ قال: ومني.
ولكن الله أعانني عليه فأسلم» «4».
والمغيبات: اللاتي غاب عنهن أزواجهن.
وفي لفظ لمسلم «1»: «لا يبيتن أحد عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم» «2». قلت: ومستنده «3» في إنكار هذا ما قدمه/ من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فلا يوصف بأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم «4». لأن ذلك يوجب جسميته ونحن قد منعنا ذلك عليه في موضعه.
وبينا قواطع الإنجيل في جسمية الشياطين لكنها أجسام لطيفة للطافة مادتها وبذلك يصح عليها أن تجري من ابن آدم مجرى الدم وغيره، كالأرواح، والرياح،/ فإنه قد قال بعض أهل العلم:" إن الروح جسم لطيف سار في هذا الهيكل الكثيف على شكله «5» والهوى يتخرق نواحي البدن، حتى قال بعضهم: الروح هو الهواء المتردد في مخاريق البدن «6»، على أنه يجوز أن يكون أراد بالشيطان هنا: النفس الأمارة، أو الهوى، لأن هذين يوافقان الشيطان على ما يريده وإذا اتجه ما قلناه، واحتمل ما عليه «7» حملناه، لم يبق للاعتراض به وجه.
وروى عبد الرزاق في تفسيره قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: «قال قرينه ربنا ما أطغيته» «8» قال:" قرينه الشيطان" «9».