الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية[أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك]

[أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك]

قال:" وفي سورة الكهف عند ذكر ذي القرنين «1». قال: حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ... (86) «2» قال ابن عطية: على وزن

فعلة أي ذات حمأة، وقرأ أبو بكر عاصم «1» والباقون: في عين حامية وذكر حديث/ أبي ذر «2» نصا في ذلك.
قال:" فدل على أن العين هناك حارة" «3» /. قال:" وفي سورة يس مثل هذا حيث يقول: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها... «4» الآية.
وذكر حديث البخاري عن أبي ذر حيث قال له النبي- صلى

الله عليه وسلم «1» -[حين غربت الشمس] «2» أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها» «3». قال:" وهذا كله بين البطلان لكل من له أدنى معرفة «4» في الهيئة لأن الشمس تدور أبدا في فلكها، وهو الفلك الرابع، ولا تغرب في عين حامية ولا تجري لمستقر لها «5»، لأنها ليس لها قرار".
قلت: الجواب عن هذا السؤال:

أما القراءتان:" حمئة"، من الحماة و" حامية" من الحرارة فهما قراءتان صحيحتان «1»، والأولى «2» قراءة نافع «3» وابن كثير «4» وأبي عمرو «5»، والثانية

قراءة الباقين «1». والخبط في نقل «2» مذهب القراء فيها لا أدري هل هو من هذا الخصم أو من غيره" وقد روى ابن عباس «3» عن أبي بن كعب «4»: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ رواه أبو داود «5» والترمذي «6». وقال: حديث غريب.

قال والصحيح: أنها قراءة ابن عباس لأنه اختلف هو وعمرو بن العاص «1» فيها وترافعا إلى كعب الأحبار «2»، ولو كان عنده فيها رواية لاكتفى بها.
ووجه الجمع بين القراءتين: أن تلك العين حارة، وهي ذات حماة، فإن اجتماع الأمرين جائز غير ممتنع.
وأما حديث أبي ذر فلفظه على ما رواه الترمذي وغيره قال:" دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبي- صلى الله عليه وسلم- «3» جالس.
فقال [النبي- صلى الله عليه وسلم- «4»] «أتدري يا أبا ذر

أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم.
قال/: فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت.
فتطلع من مغربها" قال: ثم قرأ (ذلك مستقر لها) «1» قال: وذلك قراءة عبد الله «2»، قال الترمذي: هو حسن صحيح «3». وأخرجاه في الصحيحين، ورواه أبو داود والنسائي «4». ووصف الشمس بالسجود وخطا بها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، فيجب تلقيها عن أصحاب الشرائع بالقبول، كما سبق تقريره في المقدمة الثانية في صدر الكتاب.

وأما معنى غروبها في عين حامية، [ففيه تأويلات: أحدها: أنها تغرب فيها في رأي العين «1»، لا الحقيقة كما يرى كأنها تغرب في البحر أو من وراء الجبل،/ بل من وراء جدار صغير، بحسب اختلاف مناظرها وأوضاع الناظرين إليها.
الثاني: أن" في" بمعنى على: أي تغرب على عين حامية،] «2» أي تكون مقابلة لها، وحروف الصفات يقع بعضها موقع بعض كما قال تعالى: ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ... «3» أي عليها «4»، وقال عنترة «5»: بطل كأن ثيابه في سرحة......... «6» أي عليها.
وعلى بمعنى" في"، كقول «7» أبي كبير الهذلي «8»

ولقد سريت على الظلام بمغشم......... «1» أي في الظلام.
الثالث: أنها بمعنى عند «2». أي تغرب عند عين حامية.
وقد ترد بمعنى عند، ومع في العربية.
فكلام يحتمل هذه «3» التأويلات السابقة في اللغة التي ورد بها، لا ينبغي أن يتهجم على القدح فيه.
وقد نقل بعض المفسرين عن كعب أنه قال:" في التوراة إنها تغرب في ماء وطين" «4». وأصحاب الهيئة يعترضون على هذا بناء على ما قرروه من أن الشمس مثل كرة الأرض مائة وإحدى «5» وستين مرة ونصف/ وربع «6» فكيف تسعها عين من عيون الأرض؟ والجواب بما سبق.
وأما قوله:" إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى معرفة بالهيئة" فجوابه: أن علم الهيئة مبني على مقدمتين:

إحداهما: أن حركة «1» الأفلاك متصلة متشابهة يستحيل أن يعرض لها البطء أو السرعة «2» أو الرجوع أو الانقطاع «3». والثانية: اعتبار الرصد «4». وقد قدح المحققون فيهما بما لا يسع هذا المكان ذكره «5». ومنه: أن حاصل الرصد: الاعتماد على أبصار الآحاد، [والبصر لا يفيد اليقين لكثرة ما يعرض للبصر من الغلط، خصوصا مع البعد المفرط، وخبر الآحاد] «6» إنما يفيد ظنا

ضعيفا «1»، ودعوى أهل الهيئة: أن علمهم ثابت بالبراهين الهندسية كذب وزور وبهتان.
إذ لو كان كذلك لما وقع الخلاف العظيم بينهم في تفاصيل علمهم وجمله.
وإذا اتجه القدح في مقدمات الهيئة لم يبق بها وثوق، وصار خبر الشرع أوثق منها، على ما قدمت أنت أيها الخصم في بيان ضرورة النبوة من كلام" أرسطو" وغيره.
ثم نقول: إن علم الهيئة على تقدير صحته وثبوته لا ينفي ما فسرناه به كيفية غروب الشمس في العين الحامية.
وأما قوله:" إن الشمس تدور أبدا في فلكها،/ وهو الرابع، ولا تجري لمستقر لها" لأنه ليس لها قرار.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال له: أنت إما أن تكون فيلسوفا محضا، أو مشرعا تقول

بصحة الشرائع، وما جاءت به النبوات./ فإن كنت فيلسوفا ورد عليك كثير مما تقول به من أحكام التوراة والإنجيل مما تعتقد الفلاسفة فسادها.
منها: دعواك في المسيح/ أن لاهوت الله اتحد بنا سوته فصارا حقيقة واحدة، أو أن الله- سبحانه- واحد بالذات، متعدد بالأقانيم «1» التي هي الله «2» والابن وروح القدس «3». وإن كنت مشرعا فيلزمك تجويز أن الشمس يمكن أنها تستقر وتقف، فإنه قد ثبت باتفاقنا: أن يوشع بن نون وقفت له الشمس عن سيرها ليلة السبت، حتى فرغ من قتال الجبارين.
وقد ذكرته أنت في كتابك هذا عند بيان وجود النبوة «4». وثبت أيضا في الأصحاح الثامن عشر «5» من مصحف أشعياء أن الله سبحانه

رد الشمس إلى خلفها عشر درجات علامة لحزقيا «1» ملك بني إسرائيل على أنه ينفس له في عمره خمس عشرة سنة بعد أن حضره الموت والقصة «2» مشهورة «3». ومثل هذا لا يصح في علم الهيئة بناء على المقدمة المذكورة، وأن حركة الأفلاك متصلة.
ويقال: إن من حين وقوف الشمس لهذين النبيين «4» تخبط حساب المنجمين، واختلط رأيهم فالله أعلم.
وأما أنك تكون تارة فيلسوفا وتارة مشرعا.
فهذا مما لا يمكن لأن الفلسفة والتشريع لا يجتمعان.
وقد حاول قوم منهم أبو الوليد بن رشد الجمع بينهما فلم يحصل إلا على الحيرة «5»، وظهر أمره فكاد أهل المغرب يقتلونه وأحسبه مات في حبس الشرع «6»، وأنا أحسبك أيها الخصم حائرا مترددا، لا نصرانيا ولا مسلما

ولا فيلسوفا.
الوجه الثاني: أن قوله" لمستقر لها" له أربع «1» محامل صحيحة: أحدها: أن" اللام" بمعنى في: أي تجري في مستقر لها «2»، وهو فلكها تجري فيه ما بين/ طرفي مشارقها ومغاربها من ناحية الشمال والجنوب لا تجاوز ذلك.
الثاني: أن تكون بمعنى إلى أي تجري إلى مستقر لها «3»، وهو حين تستقر بزوال «4» حركتها عند قبض الله السموات والأرض وتكوير الشمس والقمر.
وانكدار النجوم عند خراب العالم على ما جاء به شرع الإسلام وأخبر به النبي الصادق- عليه السلام- وأشار إليه المسيح في الإنجيل حيث يقول:" إذا جاء ابن الإنسان في مجده علا الغمام «5» والملائكة حوله هنالك من عرفني اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته" «6». معنى هذا الكلام.

ويكون هذا معنى قوله- سبحانه وتعالى/- وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى... «1». الثالث: أن بعض أئمة السلف قرأ هذه الآية: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي: لا تقف ولا تفتر «2»، وهو معنى قوله تعالى: وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دائِبَيْنِ... (33) «3» أي لا يفتران من الدأب «4»، وهو السعي الشديد وتكون هذه القراءة مفسرة للمراد من الأخرى.
وكل هذا محتمل لا يقدح بمثله في فروع شريعة فضلا عن أصولها.
الرابع: أن يكون مستقرها موضع سجودها.
كما جاء في الحديث وقد بينا جواز وقوفها عن السير، بقصة يوشع وحزقيا «5». وأن هذا مما يجب أن يتسلم عن النبوات ويتلقى بالقبول،/ ولا يقابل بشبه العقول القاصرة عن إدراك الحقائق الإلهية.
والله أعلم.

جارٍ التحميل