[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته]
قال:" وإذ فرغنا من الكلام في أنه لم يتحل بمعجزة قدمها بين يدي دعواه/ ولا أظهرها بعد ذلك، فلا متمسك لمنازع إلا أن يقول: القرآن معجزة لفصاحته".
قال:" ولا حجة في ذلك، لأن الفصاحة هي التقرب من البغية، والتباعد من حشو الكلام.
وقيل: دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى «4» ونظامه،
وقلة «1» الألفاظ واختصارها، وإذا تأملت جميع القرآن وجدت أكثر عباراته لا توضح وجه المعنى، ولا تتأتى معانيه على نظام مناسب «2» والدليل على ذلك: أن المفسرين مع كثرة عددهم يفنون أعمارهم في الاختلاف في تأويله ويصنفون فيه التصانيف الطويلة، ويقع بينهم الشر والمخالفات، ولا ينفصلون عن معارك النزاع والتضاد في تفسيره، ويتفرقون فرقا ملقبة كالعلوية «3» والبكرية «4»،
والمعتزلة «1»، والأشعرية «2»، وغيرهم من طوائف عديدة، يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ويقبح قوم مذهب قوم ولا يقعون على تفسير يتفق أهل الملة بجملتهم عليه ولا شطرها ويكفيك في ذلك شهادة القرآن لما قلناه./ حيث يقول:" وما يعلم تأويله إلا الله «3» ". قلت: قد بينا: أن محمدا صلى الله عليه وسلم تحلى بالمعجزات.
وأما القرآن فهو معجز عظيم لفصاحته، واشتماله على الأخبار بالغيوب، وإفحامه العرب العاربة «4»: أهل الفصاحة.
وأما ما ذكره من حد الفصاحة أولا، فهو جيد، وهو موجود في القرآن فإن معانيه إلى الفهم تسبق ألفاظه إلى السمع.
وأما ما ذكره ثانيا ففاسد.
لأنه لا خلاف عند أحد من العالم أن العرب كانوا فصحاء في نثرهم ونظامهم./ مع أن في كلامهم الفصيح ما هو مجمل لا يتضح فيه وجه المعنى.
ثم إنك أنت نصراني علج، أقلف اللسان، ما لك وللفصاحة، والبلاغة «1» لها قوم تكلموا فيها.
فقالوا: الفصاحة: خلوص اللفظ من التعقيد، الموجب لقرب فهمه، ولذاذة «2» استماعه.
وذلك باشتماله على صفات ذكرت في مواضعها «3»، والبلاغة: كون الكلام الفصيح موصلا للمتكلم إلى أقصى مراده «4»، وقال أمير المؤمنين علي- عليه السلام-: البلاغة: ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة" «5». وقال في لفظ آخر: البلاغة: أن تقول فلا تبطىء، وتصيب فلا تخطئ «6» وهذا «7» كله موجود في القرآن.
وقوله:" عبارة القرآن لا توضح وجه المعنى، ولا تأتي على نظام مناسب.
سوء فهم وقصور في النظر «8»، ويكفي في بطلان قوله أن عامة الناس وخاصتهم يفهمونه إذا سمعوه «9».
وأما اختلاف المفسرين في بعضه فليس لما «1» ذكر، بل تارة للخلاف في أسبابه، وتارة لاختلاف مذاهبهم، فيطلبون تأويله عليها، وتارة لإجمال في ألفاظه/ وذلك من وجوه إعجازه حيث كان فصيحا، بالنسبة إلى كل قوم يفهمون منه ما يدعونه، وليس من شرط الفصاحة النصوصية على المراد ألا ترى إلى شعر امرئ القيس «2» ونحوه من الشعراء الجاهلين، لا خلاف في فصاحته مع كثرة احتمالاته واجمالاته «3». وأما تكفير بعض الطوائف بعضا «4» فليس سببه اشتباه القرآن، بل ذلك لمواد عقلية وفلسفية دخيلة على الإسلام، كما عرف من مذهب المعتزلة ونحوهم.
وأما قوله:" لم يتفقوا على تفسير شيء منه" فباطل.
بل قد اتفقوا على كثير منه، والخلاف فيما اختلفوا فيه منه، ليس لأمر عائد إلى لفظه ولا بدّ بل وإلى أمور خارجة.
وبالجملة فإن توقف الأمر معك على ثبوت فصاحة القرآن، استرحنا لأن الفصاحة يرجع فيها إلى أهلها.
وقد اتفقوا على فصاحته./ وقوله:" وما يعلم تأويله إلا الله" ليس في جميع القرآن.
كيف؟ وقد ادعى أن الناس صنفوا في تأويله التصانيف الكثيرة.
وهل يصنف أحد فيما لا يعلمه؟ وإنما ذلك في ما تشابه منه حيث قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ... (7) «1». يعنى تأويل المتشابه «2». اتفق العلماء على أن هذا مراده.
ثم إن ما ذكره في القرآن والمسلمين لازم عليه في الإنجيل والنصارى.
فإن في الإنجيل إجمالات كثيرة تتوجه إليها الاحتمالات،/ ولذلك اختلفت النصارى حتى كانوا يعقوبية «1»، وملكانية «2» ونسطورية «3»، وغير ذلك، يكفر بعضهم بعضا.
قال:" ووجدت أيضا ألفاظه قليلة الاختصار، كثيرة التكرار في إيراده القصص وغير ذلك كسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ1، وسورة الرَّحْمنُ فإنك تجد فيها ما يعنيك وتقمع به معاديك".
قلت: هذا كلام من لا يعلم، وهو جدير أن يتعلم ثم يتكلم «1». أما تكرار القصص فله فائدتان: إحداهما: أن القرآن كان ينزل شيئا فشيئا «2»، ويحتاج أن يحمل إلى أقطار الأرض لينتفع الناس بما فيه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، ووعظ وأخبار ونحوه وكان المهم دعاءهم إلى الإسلام، وذلك بترهيبهم مما جرى لمخالفين من الأمم قبلهم وترغيبهم فيما فاز به المؤمنون، فكررت القصص وكانت مختلفة الألفاظ ليتفرق في البلاد كذلك، فيسمعها الناس في الأقطار وتكون باختلاف ألفاظها ادعى إلى القبول، لأن النفوس مشغوفة بمعاداة المعادات، كما قد أنكرت أنت التكرار.
الفائدة الثانية: أن إعادة القصة الطويلة في مواضع مع اتحاد معناها، واختلاف لفظها طولا وقصرا، أدل على الإعجاز وقدرة المتكلم على الكلام.
وأما ما ذكر من التكرار في بقية السور، فالقول المفصل فيه قد ذكرته في" الاكسير" مستوفى «1»، وذكره الناس كثيرا، فلا يخف علي ذكره «2» هنا.
ولكن أذكر فيه قولا مجملا، وهو أن التكرار كما يستغنى عنه في بعض المواطن قد يحتاج إليه في بعضها للتأكيد والتقرير والتنبيه على الاهتمام بالأمر،/ فيكون تركه، حيث ينبغي كذكره حيث لا ينبغي.
والله أعلم.
قال:" ونجده أيضا غير خارج على نظام متناسب كقوله في سورة النساء: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ...3«3». قال:" ولا مناسبة بين العدل في اليتامى «4»، وبين نكاح النساء، ولهذا وغيره يتبين أنه كلام منثور، لا نظام له، ولا تأليف".
قلت: هذا الخصم معذور في استشكاله هذا الكلام، لأنه من/ المشكلات التي تخفى على كثير من علماء الإسلام، لكنه ملوم في إيراده طعنا على القرآن قبل أن يبحث هل له محمل على الصواب أم لا؟ ولا شك أن العلماء ذكروا لارتباط بعض هذا الكلام ببعض وجوها صحيحة مناسبة: أحدها: ما روي عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها فينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن حتى يقسطوا في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من شاءوا من النساء غيرهن" «1». الثاني: ما روي عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية/ يتزوج العشر من النساء فما زاد، فإذا أعدم مال على مال اليتيم فأنفقه، فأمروا بالاقتصار على العدد الخاص لئلا يحتاجوا إلى الميل على مال اليتيم «2». الثالث: ما روي عن سعيد بن جبير «3» أنه قال: كانوا يخافون ألا يقسطوا
في اليتامى، ويتحرجون من ذلك، فنزلت الآية ومعناها: خافوا من عدم القسط في/ النساء ما خفتم منه في اليتامى «1». قلت: هو من باب قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله «2».........
أي لا تتحرجوا من الجور على اليتامى، وتجورون على النساء، فهو كما تقول لصاحبك: إن كنت تخشى الله في ظلم زيد، فلا تظلم عمرا.
وإن تحرجت من أخذ أموال الناس، فلا تأخذ أعراضهم.
كذلك هذا.
الرابع: ما ذكره الحسن البصري، وهو أن معنى الكلام: إن تحرجتم من الميل على اليتامى فتحرجوا من الزنا بنكاح ما أحل الله لكم من امرأة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، لتقمعوا داعية الزنا الحرام بالنكاح الحلال «1». قلت: والمعنى، لا تتحرجوا عن معصية، وتواقعوا أخرى، فتكونوا كالذي تسامح في الزنا، وتحرج من العزل، أو ترك الغسل.
فهذه أربعة أوجه محتملة احتمالا ظاهرا مناسبة «2» مناسبة صحيحة معقولة فالمبادهة بإنكار ما له هذا التوجيه، قبل استيفاء النظر فيه إما جهل أو عناد، والله أعلم.
وقد استقريت الأناجيل الأربعة، وأوردت عليها من الأسئلة ما لا أظن أن على وجه الأرض نصرانيا يقدر على أن يجيب عن شيء منها بمثل هذه
الأجوبة «1» عن آية النساء، فضلا عن أوضح منها.
فإن لزم بذلك الطعن على القرآن فهو على الإنجيل ألزم.
قال:" ثم هو متناقض.
ينقض بعضه بعضا، ولكن مع وقوفك على هذا الإلماع «2» تقول:/ أي جهل أعظم من جهل من ادعى أن إعجاز هذا الكتاب في إثبات النبوة كانقلاب الجماد حيوانا «3»، والبحر يبسا «4»، والحجر الصلد عينا لموسى «5» وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص للمسيح «6». إن هذا لجاهل مائق".
قلت:/ أما دعواه التناقض في القرآن، فوهم، وقد أورد الزنادقة صورا كثيرة ظنوها تناقضا، فأجيبوا عنها.
صنف في ذلك الإمام أحمد وغيره «1»، فمن جملتها: قوله «2»:... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) «3» مع قوله: وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) «4». قالوا: هذا تناقض، وذلك جهل منهم لأنه يقال في لغة العرب: أقسط فهو مقسط إذا عدل، وقسط فهو قاسط إذا جار، وهذا يكفي في السخرية بهم «5». وأما هذا الخصم فما أورد شيئا من التناقض حتى نجيبه عليه.
وأما قوله:" إن إعجاز هذا الكتاب لا يساوي إعجاز بقية المعجزات لموسى وعيسى".
فنقول له: قد بينا لك أول الكتاب: أن المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارضة «6»، والقرآن يشارك جميع
المعجزات في هذا، لأنه كما عجز فرعون عن قلب عصا حية حتى عدل إلى تجييش الجيوش وإيقاد الحرب، كذلك العرب عجزت عن معارضة القرآن بعد أن تحداهم بمثله «1»، ثم خفف عنهم فتحداهم بعشر سور مثله «2»، ثم خفف عنهم فقال بسورة من مثله «3» وينزل معهم هذا التنزيل، فعدلت إلى الحرب، والتحام الطعن، والضرب، وزاد القرآن على ما ذكرتم/ من المعجزات بوجهين: أحدهما: أنه صفة قديمة من صفات الله تعالى «4»، وتلك المعجزات محدثة بلا خلاف ولو لم يكن إلا وقوع الخلاف في قدم القرآن وحدوثه بين المسلمين لكان له مزية على سائر المعجزات.
الثاني: أنه كلام بريء من «1» أن ينسب إلى أنه سحر، لأنا لم نعلم أن السحر كلام قط.
نعم يكون بالكلام،/ فلا يلتبس عليك، وإنما عرفنا السحر أفعالا محسوسة، فتطرق نسبة السحر إلى ما أتى به موسى وعيسى أقرب من تطرقها إلى ما أتى به محمد، ولهذا قال فرعون:" إن هذا لساحر عليم" «2» وفي موضع: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «3» وفي موضع: قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا...48«4» يعني موسى وهارون «5» وقالوا للسحرة حين اعترفوا بالغلبة: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ «6» وكان أكثر السحرة من بني إسرائيل فنسبوهم/ إلى مواطأته،
لكونه منهم، وإنما يظهر الفرق بين القرآن وغيره من المعجزات «1» من حيث أنه مسموع وهي مبصرة على حسب «2» التفاوت بين المسموعات والمبصرات، وذلك لا تأثير له في حقيقة الإعجاز «3». والسبب الموجب لهذا التفاوت: هو أن الله- سبحانه- أرسل كلا من رسله، بما كان غالبا على قومه تحقيقا لإعجازهم، فبعث موسى إلى قوم مهروا في السحر، فأعجزهم بالعصا ونحوها، والمسيح إلى قوم أهل كهانة وطب وحكمة فأعجزهم بما أيده به، وصالحا إلى قوم أهل إبل فأعجزهم بناقة خرجت من جبل «4». فكذلك لما أرسل محمدا إلى قوم أهل فصاحة يعدون الفصاحة والخطابة من أكبر مآثرهم، ويتنافسون فيها، وكانت الفصاحة بعيدة عن نسبة السحر، بعثه بالقرآن الفصيح، ويكفي الطاعن في فصاحة القرآن بعد عجز العرب عن معارضته: أن" الوليد بن المغيرة" حكيم قريش وفيلسوفها «5» لما سمعه أنصت له ثم استعاده فأعيد عليه.
ثم قال: والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، ولقد سمعنا ذلك كله وما هو بشيء منه، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر، ثم قال له الكفار: فما ترى أن تقول فيه؟ قال: قولوا: إنه ساحر.
فأنزل الله- سبحانه- «1»: ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً11إلى قوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) «2». قال:" وإن بقي التباس في هذا على مسكين ناقص الفطرة.
قلنا له: تعال نفرض أن القرآن فصيح.
لا تكرار فيه ولا تناقض، وأنه جار على نظام واحد في معانيه، ونجعل ذلك إعجازا له، أليس من شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة؟ إذ هو كلام لا يفضل جميع الكلام، وإنما يختلف بالأقل والأكثر، وتقع فيه المماثلة والمفاضلة فهو جنس واحد، وبحسب التفاضل بينه وبين كلام سائر الخطباء والبلغاء من العرب والمجيدين تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبة من الفصاحة فينال من النبوة ما تستوجبه فصاحته.
قلت: الجواب عن هذا: أما أولا: فإنه ناقض في كلامه.
لأنه طلب شرط الإعجاز على تقدير ثبوت الإعجاز، والمشروط لا يثبت إلا بعد تكامل شروطه.
فمن هذه الحيثية يلزم وجود
شرطه، ومن حيث طلب شرطه.
يلزم/ أن شرطه لم يوجد، وذلك تناقض لا محالة.
لكن لا يستبعد مثل هذا ممن يقول: إن الله هو المسيح، وأنه في السماء/ حالة كونه في الأرض.
وأما ثانيا: فقوله:" شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة" فجوابه من وجهين: أحدهما: أنا نقول: من شرط هذا الشرط؟ ومن سلمه لك؟ أنت شرطته وبحثته مع نفسك تقريرا لعنادك وهواك، وفساد دعواك.
ونحن قد بينا آنفا وفي مقدمة الكتاب، حيث ذكرت أن الذي اتفق عليه/ المحققون في المعجز: أنه الأمر الممكن الخارق للعادة المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض.
وبينا ما فيه من القيود والاحترازات وبينا أنه موجود في القرآن.
الثاني: أن الإعجاز بالمعتاد أبلغ من الإعجاز بغير المعتاد بالضرورة لأنه إذا عجز عما هو من عادته، وهو متدرب فيه عارف بأصوله وقواعده، فهو عمالا أنسة له به أعجز «1»، وذلك كما إذا قيل للنجار: اعمل مثل هذا الباب.
فلم يقدر.
فإنا نعلم بالضرورة أنه عن صناعة الزركش «1»، وخياطة الثياب الرفيعة، ونسخ الخط المحرر، إذا لم يكن ذلك من صناعته أعجز، وأعجز.
ولهذا لما تحداهم بسورة منه فعجزوا.
دل على أنهم عن معارضة سورتين فأكثر أعجز.
وأما ثالثا: فقوله:" هو كلام لا يفضل جميع الكلام فهو جنس واحد" قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: لا نسلم أنه لا يفضل جميع الكلام، بل يفضله بخصيصة الإعجاز كما بينا وذلك مدرك بالحس والاستدلال.
أما الحس فإن كل من سمعه يحس من نفسه إدراك أنه ليس بكلام «2» آدمي، وأما الاستدلال فبعجز «3» العرب عن معارضته.
الوجه الثاني: إن سلمنا أنه مع الكلام جنس واحد.
فكذلك قلب العصا، وإحياء الموتى مع جنس الفعل جنس واحد، وإنما اختصا «1» عليه بخصيصة الإعجاز كذلك القرآن.
والله أعلم.
وأما رابعا: فقوله:" تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبته من الفصاحة فينال من النبوة ما يستوجبه".
جوابه من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم إيجاد الجنس في القرآن وسائر الكلام/ لأن هذا صفة الإله القديم «2» وذاك صفة المخلوق المحدث،/ وإنما يطلق عليها كلام، وكلام.
كما يطلق على الباري- سبحانه- وما سواه «3» موجود وموجود، وحينئذ لا يلزم التماثل فلا يلزم التوزيع.
الثاني: أن المسيح عندكم إله، أو ابن الإله، وأجمعنا على أن الأنبياء شاركوه «1» في جنس الخارق فلزمكم على «2» هذا المساق أن توزعوا الإلهية أو البنوة عليه وعليهم فيحصل لكل نبي قسط من الإلهية، أو بنوة الإله في مقابلة قسط من ظهور الخارق على يديه.
الثالث: أن آدم شارك المسيح في أنه ليس من بشر ذكر، وسائر بني آدم شاركوه في أنهم من أم.
فيجب أن توزع الإلهية أو البنوة بينهم فيحصل لكل من بني آدم منها بحسب ما شاركه فيه.
الرابع: أن إعجاز القرآن ليس بمجموع مفهوم الفصاحة، ولا بالقدر المشترك منها بينه وبين سائر الكلام وإنما إعجازه بفصاحته/ الخاصة به، وهي القدر الزائد على نهاية فصاحة البشر، وذلك ليس مشتركا بينه وبين غيره حتى يتجه التوزيع في النبوة بحسبه، وهذا كما تقولون أنتم: إن خصوصية المسيح على سائر الأنبياء هو اتحاد كلمة الله به أو ظهور اللاهوت في ناسوته، وليس ذلك لأحد غيره «3».
قال:" فإن «1» قلت: إعجازه من جهة أنه لم يعارضه أحد من الناس ولم يأت بسورة من مثله.
قلنا: إن محمدا لم يقل للناس في قرآنه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ... (88) «2» وقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ... (23) «3»: إلا بعد أن تأسست رئاسته، وظهر سلطانه فمن كان يقدم على معارضته وأسيافه تقطر دما؟ ولذلك لما شرع النضر بن الحرث في معارضته أنهض إليه علي بن/ أبي طالب فقتله شر قتلة «4». وأما بعد موته فالحماية عنه بسيوف ملوك المسلمين عظيمة لا يقدم أحد معها
على ذلك، وقد عارضه أبو العلاء المعري «1»، والعنسي «2» بعد موته عارضه ومن معارضته له:" إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل كافر وساحر" ولأجل ذلك صلب على العود.
وقيل له، وهو/ في الصلب:" إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على العود، وأنا ضامن عنك أن لا تعود" «3».
قلت: الجواب عن هذا: أما قوله:" إن محمدا لم يتحد الناس بالقرآن إلا بعد تأسيس رئاسته فلم يقدم أحد على معارضته" فهو كذب وافتراء، بل هذه سورة البقرة من أوائل ما نزل من القرآن، وفي أولها «1»: وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ...23إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا... (24) «2» وتلا حم السجدة على" عتبة بن ربيعة" «3» حتى بلغ قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ (13) «4» فقال له «5»: حسبك يا ابن أخي.
نشدتك الله والرحم إلا سكت، ثم رجع إلى أصحابه، وكانوا بعثوه إليه.
ليستنزله عما يقول، فقالوا: نقسم بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي فارقكم به، وكان ذلك
انبهارا منه بالقرآن، وخشية أن تأخذه الصاعقة «1». وسمعه الوليد بن المغيرة يقرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسانِ «2» الآية فقال فيه ما قدمنا ذكره «3». وقال: وما هو قول بشر، وكلهم كانوا يعرفون عجزهم عن مثله.
وهو بينهم وحيد مستضعف، حتى إنهم أخرجوه إلى الطائف، ثم عاد فاستجار بالمطعم بن عدي «4»، حتى بلّغ القرآن، وكان يقول:" من يمنعني/ من قريش.
فإنهم قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"؟ «5».
فلو أمكنهم معارضته لما كان لهم منه مانع.
ثم سلمنا أنه لم يتحدّ به إلا بعد ظهور سلطانه فقد كانت طوائف العرب كثيرة، وأكاسرة «1» الفرس وقياصرة الروم «2» موجودين.
فقد كان لمن له قوة المعارضة أن يأوى إلى منعه منهم، ثم يعارضه فإذا أتى بمثله بطل كونه معجزا، ثم كان من تابعه يتخلى عنه، ومن خالفه يشتد عليه حتى يؤول أمره إلى الانحلال والاضمحلال كما آل أمر" مسيلمة الكذاب" و" الأسود العنسي" و" طليحة الأسدي" «3» والأنبياء الكذبة من بني إسرائيل وما رأينا الأمر كذلك.
بل لم يزل الناس يدخلون في دينه حتى طبق المشرق والمغرب.
وأما قوله:" قتل النضر بن الحرث، حيث شرع في معارضته"/ فليس بصحيح أيضا، بل إنما قتله بعد أن أسره يوم بدر في جملة الكفار «1»، ولا شك أنه كان يرد على الفرس في بلادهم فحفظ شيئا من أخبار رستم «2» "/ و" اسفنديار" «3» فكان يقول لقريش أنا أحدثكم كما يحدثكم به محمد «4»، ويحدثهم بذلك، وهو في عزة ومنعة من أهله بمكة قبل بدر بحين، ومحمد بينهم مستضعف فلو كان ما عنده مما يصلح معارضا لاستفاض واشتهر، وملأ البدو والحضر، ومع هذا فإنه أساء إلى النبي- عليه السلام- غير ذلك كثيرا «5»، ثم لما
قتله وسمع ما قالت أخته" قتيلة بنت الحرث" «1» في مرثيته واستعطاف النبي عليه.
قال:" لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته" «2». وأما حماية ملوك المسلمين عنه، فلا تمنع من معارضته المعارضين لجواز أن يعارضوه سرا، ثم يموتوا فتظهر معارضتهم كما ظهرت معارضات/ المعري والمتنبي" «3» وغيرهم من الزنادقة، بل هذا الخصم بعينه صنف هذا الكتاب في
الطعن على الإسلام مستخفيا، ثم إنه على طول الأيام ظهر ونوقض، وليس عند أحد من رؤساء الإسلام منه خبر حتى الآن.
وهذا الكلام يحققه قول المسيح في الإنجيل:" ما من مكتوم إلا سيظهر ولا خفي إلا سيعلن" «1». وأما معارضة المعري وأضرابه من الزنادقة، فهي ركيكة تشبه لحاهم.
ولو كانت مساوية للقرآن في صفاته لظهر لها عصابة من المسلمين ينصرونها ثم اختلفت كلمة الإسلام.
كما أن مناقب أبي بكر وعلي لما كانا متساويين أو متقاربين اختلفت الأمة فيهما على قولين: أيهما أفضل؟ «2» وفضائل
مروان بن الحكم «1» ومعاوية «2» وعمرو بن العاص، بل سلمان «3»، وعمار «4»،
بل غالب الصحابة.
لما لم تقارب مناقب هذين الرجلين لم تختلف الأمة فيهم «1» فكما أنه ليس كل فضيلة توجب النزاع في صاحبها وغيره.
كذلك كل معارض لا يصلح أن يكون معارضا مفرقا للناس.
وأيضا: فإن كل من عارض القرآن إنما سرق بعض ألفاظه، وتابع أسلوبه فلم يلحق به لأنه مادته، كما أن التلاميذ لما كانت مادتهم في التأبيد من جهة المسيح لم يفضلهم أحد عليه، ولم يسوهم به.
وأما" العنسي" الذي صلب على العود فلا أحقق لفظه لأنه مشتبه الصورة في الكتاب الذي نقلت منه.
فإن أراد الأسود العنسي- بعين مهملة ونون وسين مهملة- فذاك قتل غيلة «2»، ولم/ نعلم أنه صلب، وإن أراد القيسي أو غيره من الألفاظ فلا نعلم من هو إلا أن «3» يكون مسيلمة الكذاب، ولم نعلم أنه صلب أيضا، ومن قرآنه «4»:" ضفدع بنت «5» ضفدعين/.
نقي كم «6» تنقين.
أعلاك في الماء
وأسفلك في الطين" «1»." والزارعات زرعا، فالحاصدات حصدا،... فالطاحنات طحنا، فالخابزات خبزا، فالآكلات أكلا، فاللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون" «2». وهذا مع كونه منسوجا على أسلوب سورة" والمرسلات عرفا" فهو ضحكة مثل قائله. وكذا قول القائل:" إنا أعطيناك الجماهر" وقول بعضهم:" إنا أعطيناك اللقلق، فصل لربك وازعق، إن شانئك هو الأبلق" فإن هذا منسوج على منوال: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.1
ولقد عدم أهله من يضحك عليهم، فضحكوا على أنفسهم ولعمري إن قول القائل:" إنا أعطيناك العمود" إلخ خير وأفصح وأرشق من هذا كله وشعر الشعراء المجيدين كجرير «3»
والفرزدق «1» وذي الرمة «2»، ومن المحدثين أبو تمام «3» والبحتري «4» والمتنبّئ خير من هذه المعارضات/ بما لا يتناهى، وهي دون القرآن بما لا يتناهى، والله أعلم.
قال:" ومن لم يقنع بهذه الأدلة التي أوردناها، وبقي له نزاع أو جدل في شيء من دين محمد مع إيضاح فساده وبيانه وتمسك بعلاقة منازعه فهو كالحية قطع رأسها وبقي ذنبها يتحرك".
قلت: قد بينا أن ما أورده شبه صادرة عن سوء فهم، وضيق علم، وأنها كحبل سحرة فرعون، وما تكلمنا به عليها كعصا موسى تلقف ما يأفكون.
قال