الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانيةصفحات 86-125

الفصل الثاني: حياة الطوفي

صفحات 86-125

الأولى: الطوفي وموقفه من الرفض.
الثانية: مذهب الطوفي في الأسماء والصفات وبعض مسائل العقيدة.
الثالثة: مذهب الطوفي في المصلحة المرسلة.
الرابعة: قول الطوفي في حديث الآحاد.
وخصصت هذه المسائل بالبحث لأن الطوفي متهم بالرفض حتى من الذين أثنوا على تدينه وعلمه وفضله وصلاحه.
كما اتهم أيضا بأنه أشعري العقيدة.
وله رأي خاص به في المصلحة المرسلة، وإن لم يذكره العلماء السابقون أو المؤرخون للطوفي وإنما اشتهر في هذا العصر بعد الاطلاع على ما كتبه في هذا الموضوع في كتابه شرح الأربعين النووية عند شرحه لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» «1». أما رأيه في خبر الآحاد فقد تبين لي من كلامه في هذا الكتاب" الانتصارات... " ومن اطلاعي على بعض كتبه الأخرى، ويشاركه في ذلك كثير من الأصوليين.

الطوفي وموقفه من عقيدة الرافضة: قبل أن نعرض لآراء الطوفي- رحمه الله- لا بد أن نعرف معنى: الرافضة والشيعة وهل مدلولهما واحد، أم أن كل لفظ يطلق على موصوف غير الموصوف الذي يوصف به اللفظ الآخر: معنى الرفض والتشييع: 1 - الرفض في اللغة مصدر رفض يرفض إذا ترك.
قال ابن منظور «1»: " الرفض: تركك الشيء، وهو من باب ضرب أو ترك.
والروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا فكل طائفة منهم رافضة، والنسبة إليهم: رافضي «2». وقد سمي قوم من الشيعة: رافضة لأنهم تركوا زيد بن علي «3». فإنهم لما

سئل- رضي الله عنه- عن أبي بكر «1» وعمر «2» - رضي الله عنهما- فترحم عليهما رفضه قوم من الذين بايعوه وقالوا له: أبرئ من الشيخين نقاتل معك، فأبى وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما «3». قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-" فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديا لانتسابهم إليه «4». ولم يعرف لفظ الرافضة قبل ذلك «5»، ولكنه استعمل في كل من غلا في هذا المذهب وأجاز الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم «6».

2 - والشيعة القوم الذين اجتمعوا على الأمر، ويتبع بعضهم رأي بعض وليس كلهم متفقين على رأي.
كما قال الله تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) «1» فكل فرقة تكفر الفرقة المخالفة لها.
والشيعة أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيع وأشياع وفي الحديث: " القدرية شيعة الدجال" أي أولياؤه، وأنصاره، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى عليا «2» وأهل بيته، رضوان الله عليهم «3». وبعد هذا التعريف الموجز فقد تتبعت ما استطعت الوصول إليه من مؤلفات الطوفي ووجدته يتحدث كثيرا عن الرافضة والشيعة وعن مذهبهم ويهاجمهم ويلعنهم، وهذه نماذج مما وجدته في هذا الموضوع: يقول في كتابه:" الصعقة الغضبية على منكري العربية" الورقة (24) من النسخة الخطية بدار الكتب المصرية:

" من الأصول العظيمة التي نشأ النزاع فيها من جهة العربية اختلاف الشيعة والسنة فيما يتعلق بأبي بكر الصديق- رضي الله عنه-، ومنعه فاطمة «1» - رضي الله عنها- فدكا «2» والعوالي «3»، فإنها لما جاءت تطلب إرثها عن أبيها قال: " سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:" ما تركناه صدقة «4»، ولم يعطها شيئا فخاضت الرافضة في أبي بكر وقالوا: منع فاطمة إرثها.
وقال أهل السنة: إنما عمل بما سمع، ولم يمنعها حقا.
ومنشأ الخلاف بينهم من حيث أن" ما" وردت في اللغة على وجهين: اسمية وحرفية، ولكل واحد منهما خمسة أقسام... إذا عرفت

ذلك فالرافضة حملوا" ما" في قوله- عليه السلام-: «ما تركنا صدقة» «1» على أنها نافية، أي: لم نترك صدقة، وإنما تركنا ما تركناه إرثا لغيرنا، وحملها أهل السنة على أنها موصولة، بمعنى الذي، تقديره: الذي تركناه صدقة، بالرفع على الخبر، وحذف الهاء من تركناه لأنها ضمير منصوب وهو سائغ الحذف فى الصلة، كقوله تعالى: وما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ... (35) «2» قرئ بحذف الهاء وإثباتها «3». وهذا هو الحق- إن شاء الله تعالى- وما ذهب إليه الرافضة خطأ صريح محض" «4». ثم رد على الرافضة في نفس الموضع على تضعيفهم الحديث المذكور فقال:"... لا سبيل إلى منع صحته، إذ قد رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث عائشة «5»، وأبو داود من حديث مالك بن أوس

ابن الحدثان «1»، وهو حديث مشهور مستفيض، إلا أن للرافضة أصلا خبيثا باطلا، وهو أنهم لا يقبلون رواية الصحابي لمرض في قلوبهم عليهم وليس هذا موضع الرد عليهم في ذلك الأصل «2» ". اهـ. وقد تحدث عن ذلك في كتابه الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية عند كلامه عن قوله تعالى: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ... (16) الآية «3» ثم قال:" وقصد الشيعة- لعنهم الله- بذلك تظليم الشيخين بمنع فاطمة إرثها من أبيها، والعباس إرثه من ابن أخيه صلّى الله عليه وسلم.... " أما عن التفضيل بين أبي بكر وعلي- رضي الله عنهما- فيقول عند كلامه عن قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ... (19) «4» الآية" وتعلقت به الشيعة فقالوا: كان علي يوم بدر أول مبارز، وأبو بكر في العريش مع النبي- عليه السلام- فعلي أعظم جهادا، فليكن أفضل من أبي بكر لقوله- عز وجل-: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ... (95) «5». وأجيب بأنه يلزمكم مثله في النبي صلّى الله عليه وسلم، وأن عليا أفضل منه، وأنه محال «6». فإن قيل: النبي- عليه السلام-

كالإمام شأنه أن يقاتل بين يديه.
قيل: وأبو بكر كالوزير شأنه أن يكون مع الإمام" «1» اهـ. ويقول عن فضل أبي بكر- رضي الله عنه- عند كلامه عن قوله تعالى: ولا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ... (22) «2» الآية:" احتج بها الجمهور على فضل أبي بكر لأنها نزلت فيه، إذ ترك الإنفاق على مسطح «3»، وقد وصف فيها بأنه من أولي الفضل.
أي والله الذي لا إله إلا هو إنه من أولي الفضل.
وأجابت الشيعة- لعنهم الله- بأن الوارد فضل المال وكثرته بدليل اقترانه بالسعة، لا الفضل الذي هو الكمال ضد النقص.
لكن يحتج بها الجمهور من موضع آخر وهو قوله عز وجل: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ... (22) «4» وهو يدل على أنه مغفور له «5» ". ويقول أيضا في كلامه عن قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا... (40) «6» الآية:" احتج بها أهل السنة على فضل أبي بكر رضوان الله عليه من وجوه:

أحدها: النص على ثبوت صحبته، حتى قال بعض العلماء من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لتكذيبه النص المتواتر القاطع بإثباتها، بخلاف من أنكر صحبة غيره، لعدم ذلك.
وفيه نظر، لأن غيره كعمر وعثمان «1» وعلي وباقي العشرة ثبتت صحبتهم بالتواتر، وهو قاطع أيضا، فإنكار مدلوله كفر.
الوجه الثاني: قوله لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فكان له في هذه المعية اختصاص لم يشاركه فيه صحابي.
وقد يقال بأن هذا التشرف حصل لجميع الصحابة بقوله- عز وجل-: وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ «2». غير أن لقائل أن يقول: معية أبي بكر- رضوان الله عليه- أخص من هذه، فيمتاز بها.
الوجه الثالث: ((ثاني اثنين)) قالوا: فيه إشارة إلى شيئين أحدهما أنه ثانيه من بعده في الإمرة، والثاني أن اسمه لم يفارق اسمه إذ كان يقال له خليفة رسول الله حتى توفي، فقيل لمن بعده وهو عمر- رضي الله عنه- أمير المؤمنين، وانقطعت خصيصة ثاني اثنين.
الوجه الرابع: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قال بعضهم: الضمير في عليه لأبي بكر، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم تفارقه السكينة حتى يحتاج إلى نزولها عليه، وإنما أنزلت

على أبي بكر- رضي الله عنه- وهو ضعيف.
أما أولا فلقوله- عز وجل-: أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ فقد أنزلت عليه السكينة، مع ما ذكروه من عدم مفارقتها له، ولا اقتناع من أن يزاد سكينة على سكينة، ونورا على نور.
وأما ثانيا فلأن ذلك يقتضي أن الضمير في وأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها لأبي بكر أيضا، وهو خلاف الظاهر بل القاطع، ولا أظن أحدا قال بذلك.
أما الشيعة فطعنوا على أبي بكر- رضي الله عنه- من الآية بوجه واحد وهو قوله: (لا تَحْزَنْ) دل ذلك على أنه حزن لأجل طلب الكفار لهما، مع أنه مع رسول الله، بعين الله، تحت رعاية الله، وقد سمع النبي صلّى الله عليه وسلم يخبر بأنه سيظهر على أعدائه، ويظهر دينه على جميع الأديان، فحزن أبي بكر والحالة هذه إما شك في هذا الخبر، أو ضعف منه وخور.
قالوا: وإنما الشجاع المؤمن، واللبيب الموقن: علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- حيث كان نائما على فراش النبي صلّى الله عليه وسلم معرضا نفسه من أيدي الكفار لشرب كئوس الحمام «1»، فما شك وما خار، ولا تبلد ذهنه ولا جار!.
وأجاب أهل السنة بأن حزن أبي بكر- رضي الله عنه- لم يكن ضعفا ولا شكا، وإنما كان رقة غالبة، وشفقة على النبي صلّى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك عن شك أو ضعف لكان أولى ما صدر منه يوم بدر حين قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد» وأخذ أبو بكر بردائه يقول:" كفاك مناشدتك ربك، إن شاء الله سينجز لك ما وعدك «2» " وهذا غاية الشجاعة والإيمان،

ثبوت الجنان عند قراع الأقران" «1». اهـ. أما ما يتعلق بخلافة أبي بكر- رضي الله عنه- فسيأتي كلامه عنها في آخر الكتاب- إن شاء الله «2» - وله كلام غير هذا في الإشارات وشرح الأربعين يضيق المقام بذكره.
وقال عن عمر- رضي الله عنه- في شرح الأربعين النووية ص: 79 عند شرحه لحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله... » «3» يقول:" واعلم أن من العجب أن هذا الحديث الثابت كان عند ابن عمر، وهو نص في قتال ما نعي الزكاة، ولم يبلغ أبا بكر وعمر حتى تشاجرا في قتالهم وجرى بينهما مناظرة في ذلك، واحتاج أبو بكر إلى القياس بأن قال:" والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة «4» " وإلى الاستنباط من قوله عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها) قال أبو بكر: والزكاة من حقها.
قلت: فلعل ابن عمر كان غائبا أو مريضا أو ناسيا للحديث ذلك الوقت، ولقد وفق أبو بكر حيث وقع استنباطه وقياسه موافقا هذا النص، وخالفه عمر في هذا المقام، وكان الأولى

بموافقته لما عهد منه من موافقته النصوص حتى قال:" وافقت ربي في ثلاث «1» " ثم إن عمر رجع في هذه القضية إلى متابعة أبي بكر... " اهـ. أما عن عثمان- رضي الله عنه- فيتضح من كلامه «2» عند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا... (155) الآية «3»:" فيها مسائل للشيعة: الأولى: أن هذا كان يوم أحد ففر عثمان وثبت علي فدل على أن عليا أفضل لأنه سلم من هذه الآية.
الثانية: أن الفرار من الزحف كبيرة خصوصا عن النبي- عليه السلام- في تلك الضائقة، وقد أتاها عثمان.
الثالثة: دلت الآية على أن فرار عثمان إنما كان عقوبة على ذنب أتاه لقوله عز وجل: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا فكان عقوبة الذنب ذنبا مثله.
وأجابت السنة بتمام الآية وهو قوله- عز وجل: ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ.
والذنب المغفور كغير المعمول، ولو ساعد الدليل على أن يحمل تولي عثمان وأصحابه توليا مباحا إما تحرفا لقتال أو تحيزا إلى فئة لكان أولى، لكنه لا يساعد، إذ لو كان كذلك لما لحقتهم اللائمة، ولما احتاجوا إلى العفو، وبما أجبنا به أولا أجاب ابن عمر عن عثمان مع معرفة ابن عمر بحقيقة الواقعة «4» " اهـ.

أما ما قاله عن عائشة وحفصة «1» - رضي الله عنهما- فيتبين من قوله في كلامه في الإشارات عن قوله تعالى:... فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً... (10) «2» الآية.
قال:" زعمت الرافضة لعنهم الله أنه يعرض بعائشة وحفصة، وأنهما كامرأتي نوح ولوط في النار لتظاهرهما على رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وأذاهما له، وزعموا لعنهم الله أن عائشة كان بينها وبين عثمان شيء فنزغ لها بهذه الآية معرضا بها فحقدت عليه ثم لم تزل تؤلب الناس عليه حتى قتلوه، ثم إنها ندمت مع كراهتها إمرة علي فخرجت تطلب بثأره.
وأجاب الجمهور بأن هذا كله لم يكن منه شيء وهو كذب مختلق، وإجماع أهل الحق على أنهما زوجتاه في الجنة لا يعارضه شيء مما ذكروه" اه «3». ويقول في الإشارات أيضا عن عائشة- رضي الله عنها- في كلامه عن قوله تعالى:.. وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ... (33) «4» الآية:" يتعلق بها الشيعة أخزاهم الله

على عائشة ويقول أمرت أن تقر في بيتها فخالفت وخرجت إلى تفريق المؤمنين، وقتال علي بالبصرة حتى قتل بسببها من قتل، وهم نحو عشرين ألفا.
والجمهور أجابوا بأنها خرجت مصلحة للفساد ومطفية للثائرة مجتهدة في ذلك فهي لا تنفك من أجر أصاب اجتهادها أو أخطأ" اهـ. وقال عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه «1» - في الإشارات عند حديثه عن قوله تعالى: وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) «2»." يحتج بها الشيعة أبعدهم الله من رحمته على معاوية ومن شايعه على قتال علي، لأن النبي- عليه السلام- أمر بقتال المارقين وهم الخوارج «3»، والناكثين وهم أهل الجمل،

والقاسطين وهم أهل الشام «1» ". وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم صحة الحديث، ولا أن معاوية كان من القاسطين ولو سلمنا عموم الآية في كل قاسط، بل هي لقاسطين معهودين من الجن أو غيرهم».
أما عن مذهب الرافضة في الصحابة- رضي الله عنهم- فيقول الطوفي- رحمه الله- في كلامه في كتابه الإشارات عن قوله تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ... (144) «2» الآية:" زعمت الشيعة أن هذا تعريض من الله- عز وجل- بارتداد الصحابة وانقلابهم على أعقابكم بعد موت النبي- عليه السلام-، قالوا: والنبي- عليه السلام- علم ذاك فأكد في نهيهم عنه بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض: لا ترجعوا بعدي ضلالا» «3» الحديث.
لم يكفه ذلك حتى أخبرهم بأنهم سيؤخذ بهم يوم القيامة عن الحوض ذات الشمال إلى النار، حتى لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم.
قالوا: وقد كان ذلك منهم بانحرافهم عن إمامهم المنصوص عليه وهو علي إلى غيره.
وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم في أن الآية تعريضا بما ذكرتم، وإنما هو جملة شرطية دخل عليها حرف الاستفهام فأفادت تشجيعهم على القيام بالأمر معه ومن

بعده، وقد فعلوا، وأما قوله- عليه السلام- «لا ترجعوا بعدي كفارا» فهو نهي لهم عن مثل ما خلفت به الأمم السالفة أنبياءها من الكفر، وقد امتثلوا فلم يكفروا، وما كان بينهم من الحروب والدماء فعن تأويل واجتهاد، هم فيه معذورون، بل ومأجورون.
وأما المأخوذ بهم ذات الشمال إلى النار فمحمول على أهل الردة الذين ماتوا عليها" اهـ. أما عن عصمة الأئمة فيتبين موقفه منها في شرحه على مختصره لروضة الناظر عند كلامه في شروط المتواتر ورده على الشريف المرتضى الرافضي المعتزلي «1» في اشتراطه عدم اعتقاد نقيض المخبر به لافادة التواتر العلم.
قال الطوفي:" ولذلك اشترطت الشيعة وابن الراوندي «2» أن يكون فيهم الإمام المعصوم ليكون خبرهم معصوما من الخطأ، وهو باطل: أما أولا: فلأنهم منازعون في وجود العصمة في غير الملائكة والرسل.
وأما ثانيا: فلأن عصمة خبرهم مستندة إلى كثرتهم لا إلى أوصافهم وإلا

لاشترطت العدالة والإسلام.
ولأن العلم مخلوق لله سبحانه وتعالى مقارنا للإخبار، فكما جاز خلقه مع إخبار المعصوم جاز خلقه مع إخبار المعصوم، ثم يلزمهم ألا يوجد في بلاد الكفر تواتر، إذ لا معصوم فيهم اللهم إلا أن لا يشترطوا للعصمة الإسلام فإن عقولهم أسخف من هذا".
[شرح الطوفي على مختصره ج 2 الورقة 145/ ب 61]. فهو هنا يطعن في أهم ركيزة عند الشيعة وبالأخص الإمامية.
وعن إمامة علي رضي الله عنه يقول في حديثه عن أهل التواتر في المصدر السابق: «قوله وكتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ممتنع، خلافا للإمامية» أي: إن أهل التواتر، وهو العدد الذي يحصل العلم التواتري بخبرهم، هل يجوز أن يكتموا ما تدعو الحاجة إلى نقله؟ فالجمهور قالوا: لا يجوز.
وقالت الإمامية- وهم أشهر طوائف الشيعة-: يجوز ذلك لاعتقادهم كتمان النص على إمامة علي رضي الله عنه أي لأنهم يعتقدون أن الصحابة رضي الله عنهم مع كثرتهم كتموا النص على إمامة علي والوقوع يدل على الجواز قطعا.
لنا: أن كتمانهم لما يحتاج إلى نقله كتواطئهم على الكذب، وتواطؤهم على الكذب بكتمانهم لما يحتاج إلى نقله محال، أما الأولى: فلأن كتمان الواقع- خصوصا مع الحاجة إلى نقله- بمثابة قولهم: ما وقع، وقولهم لما وقع: انه ما وقع كذب قطعا، لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، وهذا كذلك، فكذلك الكتمان الذي هو بمثابة قولهم: ما وقع.
أما أن تواطؤهم على الكذب محال فلما سيأتي عن قريب- إن شاء الله- «1» " اهـ. هذه بعض مقالاته عن الرافضة، وإن كانت مختصرة، لأنها منقولة من كتبه

التي لم يرد بها الرد عليهم ف" الصعقة الغضبية" ليس- كما قال- موضع الرد عليهم، و" الإشارات" قد التزم فيه منهج الاختصار في ذكر استدلال الشيعة وغيرهم بآيات القرآن الكريم على مذاهبهم، وكان يتوسع فيه في الرد عليهم أكثر من غيرهم.
ومما تقدم من المقالات يتبين أنه لو كان رافضيا مثلهم لما كشف عن عورتهم في رد رواية الصحابي لمرض في قلوبهم... وما لعنهم.
فما عرف أن رافضيا يلعن جماعته، ويسبهم، ويذكر بأنهم استطالوا على الصحابة، وكيف يدافع عن أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة ومعاوية وغيرهم من الصحابة- رضي الله عنهم جميعا- وهم أعداء الشيعة وأعداء لعلي- رضي الله عنه- في نظرهم مع أن الرافضة ما كانت تخفي هذا في زمن الطوفي- رحمه الله- كابن المطهر الحلي، وغيره لمكانتهم عند الخلافة العباسية ووجود من يقدمهم عندها وهو الوزير الخبيث ابن العلقمي.
ثم إن هناك من علماء الرافضة الكثير يصرحون بمذهبهم ويحضرون مجالس علماء أهل السنة ولم يدعوا أنهم على غير مذهب الرافضة.
لكن مع هذا نورد ما قاله عنه المؤرخون له، واتهموه به مما يتعلق بالرفض لتظهر لنا الصورة الواضحة عن هوية الطوفي- رحمه الله- يقول الإمام الذهبي- رحمه الله تعالى- في كتابه:" العبر.. " عن ترجمة الطوفي:" هو سليمان بن عبد القوي... الشيعي" ولم يزد عن هذه الكلمة عنه.
أما ابن رجب- رحمه الله تعالى- فيقول بعد أن بين منزلته العلمية وفضله وتدينه وآثاره العلمية...:" وكان مع ذلك كله شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السنة حتى إنه قال عن نفسه: حنبلي رافضي أشعري... هذه إحدى العبر"

حتى إنه صنف كتابا سماه:" العذاب الواصب على أرواح النواصب" «1» اهـ. قلت: والعجيب أن ابن رجب- رحمه الله-: يقول عنه قبل ذلك:" وكان فاضلا صالحا... وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون وعلق عنهم... ولقي الشيخ تقي الدين ابن تيمية والمزي والشيخ مجد الدين الحراني، وجالسهم" «2» إلى أن قال: " وله نظم رائق وقصائد في مدح النبي صلّى الله عليه وسلم وقصيدة طويلة في مدح الإمام أحمد" «3» اهـ. فقد مدحه أولا وبين فضله وصلاحه ثم بين أن شيوخه ومن جالسهم فضلاء الناس في عصره.
وما أدري كيف يسكت عنه أولئك العلماء الفضلاء، ولا يعرفون انحرافه وتشيعه، ثم كيف يجمع بين الفضل وعلو المنزلة في العلم وبين الرفض؟ وكيف يتصنع في المسائل العلمية، مع جرأته التي تتضح من كتبه ومناظراته- رحمه الله- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (2/ 179 - 180):" وأما من عرف الإسلام كيف كان وهو مقر بأن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا، فإنه يمتنع أن يكون في الباطن رافضيا، ولا يتصور أن يكون في الباطن رافضيا إلا زنديق منافق، أو جاهل بالإسلام... فهل عرف أحد من فضلاء أصحاب الشافعي وأحمد وأصحاب مالك كان رافضيا؟ أم يعلم بالاضطرار أن كل فاضل منهم من أشد الناس إنكارا للرفض، وقد اتهم طائفة من أتباع الأئمة بالميل إلى نوع من الاعتزال، ولم يعلم أحد منهم اتهم بالرفض لبعد الرفض عن طريق أهل العلم... " اهـ.

ثم كيف يكون رافضيا خبيثا ويمدح أعداء الرفض وينتحل مذهبهم الفقهي فهو كما قال ابن رجب- رحمه الله- مدح الإمام أحمد بقصيدة طويلة وهو لم يدرك الإمام أحمد حتى يتملق له وينافق في مدح مذهبه، ثم لم يكن هناك سلطة قوية تنتحل مذهب الحنابلة، بل كانت معظم الناس على مذاهب فقهية متعددة، بل وعلى مذاهب عقدية ونحل متفرقة وربما كان الحنابلة ومن على مذهب الإمام أحمد في العقيدة قليلين ومضايقين في عصر الطوفي كما حدث للإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رأس الحنابلة في ذلك الوقت وغيره.
وابن تيمية- رحمه الله- من أشد أعداء الرافضة بل لقد كان كلامه عليهم صواعق مدمرة كما يتضح ذلك من كتابه المتقدم، ومع ذلك يلتقي به الطوفي- رحمه الله- ويجلس في حلقاته قرابة عام في دمشق ويدرس ابن تيمية على الطوفي العربية أياما، بل لقد كان الطوفي- رحمه الله- معجبا أشد العجب بابن تيمية- رحمه الله- فهو يقول فيه فيما نقله الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مقدمته لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية:" كأن العلوم بين عينيه يأخذ ما يشاء ويذر ما يشاء وعرضت عليه أبيات فثنى رجليه وأجاب عنها بمائة وتسعة أبيات، ويجيب في القعدة الواحدة بعدة كراريس" «1» اهـ. وقد نقل الشيخ عبد الله بن حميد- رحمه الله- في مقدمة الفتاوى كلاما للطوفي في ابن تيمية نحو هذا يقول:" قال عنه الطوفي:" سمعته يقول: من سألني مستفيدا حققت له ومن سألني متعنتا نقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفى مئونته" «2» اهـ. وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة (2/ 445):" وقد صنف

شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية- رحمه الله عليه- كتابا بناه على بطلان نكاح المحلل، وأدرج فيه جميع قواعد الحيل، وبين بطلانه بأدلته على وجه لا نزيد عليه".
أما ما روي عن الطوفي أنه قال: حنبلي رافضي أشعري... هذه إحدى العبر فقد نقلها المؤرخون، ونسبوها إليه ورووها بروايات مختلفة منها: حنبلي رافضي ظاهري... أشعري انها إحدى العبر ومنها: أشعري حنبلي وكذا... رافضي هذه احدى العبر ولم يشر أحد إلى موضعها من كتبه ولم أجد لها ذكرا أو إشارة فيما حصلت عليه من كتب الطوفي- رحمه الله- ولا يستبعد إلصاقها به، فقد ألصق بمن هو أفضل من الطوفي أكبر من ذلك، فقد نسب إلى الإمام مالك «1» - رحمه الله- بطريق الجزم أنه أباح إتيان المرأة في الدبر وتناقل هذا القول كثير من العلماء مع أنه برئ من ذلك- رحمه الله- وقد أنكر هذه المقولة عند ما سئل عن ذلك.
وليس الإمام مالك وحده أو الطوفي وحده الذي ألصقت بهما التهم والأقوال الباطلة.

وعلى فرض صحة نسبة هذه المقولة إليه فأي رواية منها قال؟ لأن في بعضها أنه رافضي وأشعري وحنبلي وبينها اختلاف، وفي بعضها أنه حنبلي أشعري ظاهري، وبين الثلاثة اختلاف أيضا ولا تجتمع هذه المذاهب لا في الفقه ولا في العقيدة إلا على وجه التعسف وقد تتفق في بعض المسائل فقط.
ثم إن كتبه تشهد بأنه حنبلي في الفقه، وغير رافضي في الفقه ولا في العقيدة، وإن كان له رأيه ومنهجه المتميز عن غيره بالجرأة وقوة الأسلوب.
أما أنه كتب" العذاب الواصب على أرواح النواصب" فلم أعثر على الكتاب حتى أتحقق هل قال فيه ما يدل على أنه على مذهب الرافضة؟ أم أنه يرد على من ناصب عليا العداء وأبغضه من الخوارج وغيرهم فنحن معه في أننا نبغض من أبغض عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- وعاداه وأنكر فضله بعد الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم جميعا- وكل من لم يعرف قدره من الشيعة والخوارج وغيرهم فسيلقى جزاءه يوم القيامة.
ولم يكتف ابن رجب- رحمه الله تعالى- بهذا القول عن الطوفي- رحمه الله- بل قال عنه أيضا:" ومن دسائسه الخبيثة أنه قال في شرح الأربعين للنووي: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك: عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم من ذلك، وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع» «1» وقال:

«قيدوا العلم بالكتابة» «1» قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم لانضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبي صلّى الله عليه وسلم في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما" قال ابن رجب:" فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- هو الذي أضل الأمة، قصدا منه وتعمدا ولقد كذب في ذلك وفجر" «2» اهـ. قلت: قد اطلعت على شرح الأربعين للنووي وهو مخطوط بدار الكتب بمصر واستعرضته من أوله إلى آخره فلم أجده، ووجدت له كلاما عكس هذا يمدح فيه أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما- منه ما تقدم في قصة اختلاف رأي أبي بكر وعمر في قتال المرتدين، وأن عمر- رضي الله عنه- خالف أبا بكر أول الأمر وكان الأولى موافقته لما عهد منه من موافقة النصوص حتى إن الوحي وافق رأيه.
والقول الآخر قول الطوفي- رحمه الله- في شرحه لحديث (ص 156 - 157) «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» «3» قال:" اختلف

الناس في هذه اللام فقال أهل السنة هي للعهد والخلفاء الراشدون هم الأربعة بعد النبي صلّى الله عليه وسلم بدليل قوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» «1» ونحوه.
وقال الشيعة اللام لاستغراق الوصف أي كل من اتصف بالرشد والهداية من الخلفاء بعدي فعليكم بسنته، وإنما قالوا ذلك لأن أبا بكر وعمر وعثمان- رضوان الله عليهم- عندهم ليسوا من الخلفاء الراشدين المهديين، لتقدمهم على علي بن أبي طالب بغير حق ووضعهم الخلافة في غير النصاب الذي وضع الله- عز وجل- فيه النبوة وهم بنو هاشم بزعمهم.
ونصوص السنة وإجماع أهلها ترد عليهم في ذلك.
والراشد الذي أتى بالرشد واتصف به والمهدي الذي هداه الله- عز وجل- لأقوم الطرق" اهـ. وقد تأملت النص الذي أورده ابن رجب- رحمه الله- فرأيت أنه لا يدل على أنه من قول الطوفي- رحمه الله- ولا أنه يؤيده، بدليل أن أول النص يدل على أنه يحكي قولا لبعض الناس في ذلك:" وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب"، ثم يقول أيضا:" وقالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد... " فليس في النص ما يؤكد ذلك ولا أنه يؤيد قول هؤلاء الزاعمين والقائلين بذلك.
والذي يؤخذ عليه في هذا عدم رده على هذه المعقولة.
قال ابن رجب- رحمه الله تعالى-:" وقد كان الطوفي أقام بالمدينة النبوية

مدة يصحب الرافضي: السكاكيني المعتزلي «1»، ويجتمعان على ضلالتهما وقد هتكه الله، وعجل الانتقام منه بالديار المصرية" «2» اهـ. قلت: مجالسته للسكاكيني لا تدينه بأنه على مذهبه وإلا لكان مجموعة من فضلاء الأئمة الذين جالسوا السكاكيني وسمعوا منه: رافضة أيضا من أمثال الإمام الذهبي- رحمه الله- فقد سمع من السكاكيني الحديث وقال الذهبي عن السكاكيني:" كان حلو المجالسة ذكيا عالما فيه اعتزال، وينطوي على دين وإسلام وتعبد، سمعنا منه، وكان صديقا لأبي، وكان ينكر الجبر، ويناظر على القدر، ويقال أنه رجع في آخر عمره... " «3»، ثم إن ما حصل له بالديار المصرية كان قبل مجالسته للسكاكيني.
بل إن هناك أمورا تشهد بأنه لا يوافقه على مذهبه، فمذهب الطوفي في القدر على خلاف مذهب السكاكيني، وهو ينكر عليه ذلك.
يقول الطوفي في الإعجاب بابن تيمية:" وكان من أذكياء العالم، وله في ذلك أمور عظيمة منها أن محمد... السكاكيني عمل أبياتا على لسان ذمي في إنكار القدر... فوقف عليها ابن تيمية فثنى إحدى رجليه... وأجاب... بمائة وتسعة أبيات" «4».

قال ابن رجب- رحمه الله-:" قال تاج الدين أحمد بن مكتوم القيسي في حق الطوفي: قدم علينا- يعني الديار المصرية- في زي أهل الفقر، وأقام على ذلك مدة، ثم تقدم عند الحنابلة، وتولى الإعادة في بعض مدارسهم، وصار له ذكر بينهم، وكان يشارك في علوم، ويرجع إلى ذكاء وتحقيق، وسكون نفس، إلا أنه كان قليل النقل والحفظ، وخصوصا للنحو على مشاركة فيه، واشتهر عنه الرفض والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة- رضي الله عنهما- وفي غيرهما من جملة الصحابة- رضي الله عنهم- وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله في قصيدة: كم بين من شك في خلافته... وبين من قيل: إنه الله فرفع أمره ذلك إلى قاضي الحنابلة سعد الدين الحارثي... " اهـ. قلت: أما تاج الدين أحمد بن مكتوم القيسي فلم أجد له ترجمة ولم أدر أين نقل هذا القول عن الطوفي.
ويظهر من النص- والله أعلم- أنه ليس من الحنابلة.
أما قوله: إن الطوفي قليل النقل والحفظ، وخصوصا للنحو على مشاركة فيه، فإن كتب الطوفي في اللغة والنحو والأدب توضح مكانته فيه.
وأسلوبه وألفاظه في هذا الكتاب" الانتصارات... " وحده يكفي في الرد على هذا القول.
وأما قوله إنه وقع في أبي بكر وابنته عائشة وفي بعض الصحابة فلم أجد لذلك مستندا، وقد دلس في نقل ذلك عنه، حيث قال:" وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه، ويظهر موافقة له" فلم يسم القائل.

ثم لو صح لكان هذا الرجل من أعداء الطوفي الذين وضعوا للتجسس عليه، خاصة وأن الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- امتحنوا في مصر في تلك السنة محنة شديدة ثم إن كلام ابن مكتوم قد نقله ابن حجر بغير هذا اللفظ كما سيأتي قريبا- إن شاء الله- أما هذا البيت فلا يقول بمضمونه أحد يؤمن بالله ورسوله، وينتسب حقيقة إلى الإسلام الصحيح.
أما قصته مع سعد الدين الحارثي وضربه وسجنه بمصر فقد ذكرت بصيغ متعددة.
منها ما ذكره ابن رجب: أنه وجد بخطه أشعار ظهر منها الرفض والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة، ورفع أمره إلى قاضي قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثي، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيره واشهاره، وطيف به ونودي عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما ثم أطلق فاتجه إلى قوص «1». ومنها ما قال الصفدي «2»:" كان وقع له بمصر واقعة مع سعد الدين الحارثي وذلك أنه كان يحضر دروسه فيكرمه فيبجله وقرره في أكثر مدارس الحنابلة فتبسط عليه إلى أن كلمه في الدرس بكلام غليظ فقام عليه ولده شمس الدين عبد الرحمن، وفوض أمره لبدر الدين بن الحبال، فشهدوا عليه بالرفض وأخرجوا

بخطه هجوا في الشيخين فعزر وضرب، فتوجه إلى قوص فنزل عند بعض النصارى وصنف تصنيفا أنكروا عليه منه ألفاظا ثم استقام أمره وأقبل على قراءة الحديث والتصنيف... وكان في الشعر الذي نسبوه إليه مما صرح بالرفض قوله: كم بين من شك في خلافته... وبين من قيل: إنه الله «1» اه وقال ابن حجر- رحمه الله-:" وقد قال ابن مكتوم في ترجمته من تاريخ النحاة: قدم علينا في زي الفقراء، ثم تقدم عند الحنابلة فرفع عليه الحارثي أنه وقع في حق عائشة فعزره وسجنه وصرف عن جهاته ثم أطلق فسافر إلى قوص" «2» اهـ. وقال ابن حجر أيضا:" وقرأت بخط الكمال جعفر: كان القاضي الحارثي يكرمه ويبجله ونزله في دروس ثم وقع بينهما كلام في الدرس، فقام عليه ابن القاضي، وفوضوا أمره إلى بعض النواب فشهدوا عليه بالرفض فضرب ثم قدم قوص فصنف تصنيفا أنكرت عليه فيه ألفاظا فغيرها ثم لم نر منه بعد ولا سمعنا عنه شيئا يشين" «3» اهـ. ومنها ما قاله صاحب جلاء العينين ص 36 - 37) «4»:" قيل: وكان مع ذلك كله شيعيا حتى أنه قال في نفسه: أشعري حنبلي رافضي هذه احدى العبر، حتى أنه صنف كتابا سماه" العذاب الواصب على أرواح النواصب" وقد حبس وطيف به لأجل ذلك" اهـ.

فالرواية الأولى فيها أنه وجد له بعض الأشعار ظهر منها الرفض والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة- رضي الله عنهما- وفي الثانية أن سبب الضرب والحبس تكليمه للقاضي سعد الدين بكلام غليظ، وأنهم شهدوا عليه، وأخرجوا بخطه هجوا في الشيخين وفي الثالثة: أنه وقع في حق عائشة- رضي الله عنها- وفي الرابعة أنه وقع بينه وبين سعد الدين كلام في الدرس، ففوض ابنه أمر الطوفي إلى بعض النواب فشهدوا عليه بالرفض، وفي الخامسة: أن سبب الحبس والضرب هو كتاب:" العذاب الواصب على أرواح النواصب"، وهذا في نظري يدل على وقوع الخلاف بين القاضي والطوفي ولكن لم يبين السبب الحقيقي ولا يؤمن أن من فوض إليه أمره لفقوا على الطوفي الرفض.، والله أعلم.
هذا هو الاتهام الذي وجه إلى الطوفي- رحمه الله-، وما رأيته في ترجمته عند المؤرخين له، ولم يكن لديهم مما يؤيد هذا الاتهام غير ما تقدم، وابن رجب- رحمه الله تعالى- يرى أن الطوفي مات على عقيدة الرافضة وأنه لم يتحول عنها فهو يقول:" قلت: وقد ذكر بعض شيوخنا عمن حدثه عن آخر: أنه أظهر له التوبة وهو محبوس.
وهذا من تقيته ونفاقه" «1» اهـ. أما بعض المؤرخين له فيميلون إلي أنه رجع عن الرفض فيقول الإمام الذهبي- رحمه الله-:" ويقال إنه- أي الطوفى- تاب عن الرفض" «2». ويقول الكمال جعفر:" فشهدوا عليه بالرفض فضرب فصنف تصنيفا أنكرت عليه فيه ألفاظا فغيرها ثم لم نر منه بعد ولا سمعنا عنه شيئا يشين" «3».

أما علماء عصرنا هذا وكتابه فهم في اتهام الطوفي على رأيين: بعضهم: يرى أن الطوفي- رحمه الله- من الرافضة بل ويصر على ذلك كالشيخ محمد أبي زهرة في كتابه: ابن حنبل" وفي مقدمته لكتاب المصلحة المرسلة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي للدكتور مصطفى أبو زيد.
وبعضهم لا يدينه بالرفض، ففي مساء يوم السبت السادس والعشرين من شهر ذي القعدة من عام ست وأربعمائة وألف للهجرة، سألت فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفى أحسن الله إليه، في مجلس سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في العزيزية بمكة المكرمة عن اتهام بعض العلماء للطوفي بالرفض فقال: " ما علمت شيئا يؤكد ذلك" ويقول:" وكان الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع «1» - رحمه الله- مدير المعارف قبل أن تصير وزارة- ينكر على من يرمي الطوفي بأنه شيعي" اهـ.

والدكتور مصطفى أبو زيد في كتابه المتقدم يرى أيضا أن اتهام الطوفي- رحمه الله- بالرفض غير صحيح.
ونقل نصوصا من كتب الطوفي- رحمه الله- يستشهد بها على ما قال، وقد نقلت أكثرها أنا أيضا في أول هذا المبحث.
والحقيقة أنه لم يكن بين يدى ما يؤكد أن الطوفي من الرافضة ولا من الزيدية وأنا لا أنسب إليه ذلك حتى يثبت من كتبه ما يفسر هذا الجرح وقاعدة المحدثين تقول:" إذا ذكر الجرح والتعديل قبل التعديل بدون تفسير، ولا يقبل الجرح إلا مفسرا"، وليس هناك ما يدل قطعا بأن الطوفي من الرافضة، بل يوجد في كتبه ما يشهد له بضد ذلك كما ذكرت سابقا.
ثم إنني أرى أن هذا الاتهام لفق على الطوفي للأمور التالية: 1 - أنه لم ينسب إليه الرفض قبل دخول القاهرة، ولا قبل سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ومن ما ألفه قبل ذلك كتاب:" الانتصارات الاسلامية... " موضوع البحث والدراسة، ولم يكن فيه ما يدل على ذلك وقد جلس في بغداد وناظر مع أئمة العلماء وفضلائهم، وألف المؤلفات، ثم جلس في حلقات ابن تيمية- رحمه الله- في دمشق وجلس عليه ابن تيمية في العربية أياما، وجلس الطوفي على المزي من علماء الشام، ورد ابن تيمية على الرافضة وذكر أعيانهم وشيوخهم ولم يذكر أن الطوفي منهم، ولم يذكر أحد من هؤلاء جميعا فيما علمت أن الطوفي على مذهب الرافضة.
2 - أن الطوفي خبير بمذهب الرافضة وأقوالهم لمعايشته لهم في بغداد وظهورهم ومجاهرتهم بمذهبهم، ولو كان على ما هم عليه لأظهر ذلك معهم، خاصة وأن أعيانهم أهل مكانة عند الخلافة العباسية التي كانت تميل إلى آل البيت ويفتخر الخلفاء بأنهم منهم، وقد تقدم الرافضة عندهم حتى أن ابن العلقمي الخبيث

وصل إلى الوزارة، وابن المطهر الحلي كان مقدما عند ملوك التتار، فكيف يهجر الطوفي بغداد بسبب ما فيها من فتن كان للرافضة ضلع كبير فيها ويخفي مذهبه مع سهولة إظهاره، وحرية فكره فيما لو أظهر ذلك.
3 - وإذ لم يرد دليل قطعي يؤكد أن الطوفي على مذهب الرافضة فأظن أنه قد دبر له مكيدة، كما دبرت لشيخ الإسلام ابن تيمية في تلك الفترة في مصر، فقد" كتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري، ثم وجد خطه بما نصه: الذي أعتقد أن القرآن معنى قائم بذات الله، وهو صفه من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأن قوله الرحمن على العرش استوى ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلمه إلا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء، وكتبه أحمد بن تيمية، ثم أشهدوا عليه أنه تاب مما ينافي ذلك مختارا في خامس عشر ربيع الأول سنة 707 هـ وشهد عليه بذلك جمع جم من العلماء وغيرهم «1» ". فهل ابن تيمية- رحمه الله- رجع عن مذهب أهل السنة إلى مذهب الأشاعرة حقيقة وهل هذا المحضر الذي وقع عليه جمع غفير من العلماء وغيرهم صحيح أم هي فرية على ابن تيمية- رحمه الله-، فلماذا لم يكن حال الطوفي- رحمه الله- في اتهامه بالرفض كحال ابن تيمية في اتهامه بما سبق؟.
ولقد أو ذي الحنابلة الذين يحبون ابن تيمية في القاهرة أيضا حتى كتبوا على بعضهم بأنهم يبغضونه وأنهم ليسوا على عقيدته بل وبعضهم تبرأ منه كما يقال «2» والطوفي من المغرمين بحب ابن تيمية- رحمه الله- ولعله حصل له ما حصل لهم.

4 - أن الرافضة: هم الذين رفضوا إمامة الشيخين، ورفضوا زيدا عند ما ترحم عليهما- كما سبق- بل الثابت أن الطوفي أقر بخلافتهما وترضيته عليهما ولم يثبت أن الطوفي رفض خلافتهما- رضي الله عنهما-.
5 - أن الطوفي على خلاف مذهب الرافضة في أصول الفقه فقد خالفهم في الإجماع ورد عليهم في قولهم بعدم كونه حجة كما في شرح الأربعين ص: 182. وكذلك هم يرون حجية القياس وهو على خلاف معهم في ذلك.
وهم على اختلاف مذاهبهم يرفضون بناء الأحكام على رعاية المصلحة لأنها رأي كالقياس، والدين لا يؤخذ بالرأي.
والطوفي على خلاف ذلك كما سيأتي- إن شاء الله- كما أنه على خلاف مذهبهم الفقهي كما يتضح فيما يأتي في هذا الكتاب من بعض المسائل الفقهية كالمتعة وحكم المذى وإتيان المرأة في الدبر، وغيرها.
6 - خالف الطوفي الرافضة والإمامية في مسائل العقيدة كالرؤية كما سترى في هذا الكتاب ص 561 فهم ينكرون الرؤية وهو يثبتها على مذهب أهل السنة والجماعة.
ثم إن الرافضة يرون أن أبا طالب «1» مسلم دخل الإسلام وكتم إيمانه والطوفي

على خلاف هذا كما سنرى في كتاب الانتصارات.
وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
7 - أن عصر الطوفي من أكثر العصور ابتلاء امتحانا للعلماء، وقد اشتدت بين الطوائف والمذاهب الشحناء والبغضاء، فلو قبل كل ما قيل عن العلماء لما سلم أحد في عقيدته ودينه، وأرى أن الاحتكام في ذلك يكون إلى كتب هؤلاء العلماء، وما قالوه وسجلوه بأنفسهم فمثلا ابن تيمية اتهم بأنه وقع في عمر- رضي الله عنه- وفي علي- رضي الله عنه- ونسب إلى الزندقة والتنقص بالنبي صلّى الله عليه وسلم، وأن عثمان كان يحب المال، وإلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى، إلى غير ذلك فهل نأخذ هذا الكلام على إطلاقه من المؤرخين له أم يكون الحكم في ذلك ما سجله بنفسه في هذه الأمور؟ والطوفي لا بد أن نعرف عقيدته ومذهبه من خلال كتبه التي تبين لنا رأيه في مسائل الشرع سواء في العقيدة أو الأحكام الشرعية الأصولية أو الفرعية ونعرف أنه أخطأ في عدة مسائل، لأنه بشر وهو يقول عن نفسه في آخر شرح الأربعين: إن تلق عيبا فلا تعجل بسبك لي إني امرئ لست معصوما من الزلل ولا شك أن له أخطاء عفا الله عنا وعنه- والله أعلم.

مذهب الطوفي في الأسماء والصفات: يتضمن التوحيد باعتبار متعلقه ثلاثة أنواع هى: توحيد الربوبية وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.
وتوحيد الألوهية: وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له.
وتوحيد الأسماء والصفات وهو الإيمان بأسمائه وصفاته التي وردت في كتاب الله العزيز أو على لسان رسله صلى الله عليهم وسلم من غير تكييف أو تمثيل أو تعطيل.
فالنوع الأول لم يذهب إلى نقضيه طائفة من بني آدم، إلا ما عرف من شذوذ المانوية والثنوية أو ضلال النصارى في وحدانية الله أو عناد وتكبر فرعون.
وأما النوع الثاني فهو المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولا تصلح الحياة والآخرة إلا به.
والنوع الثالث: لم يعرف عن أحد إنكاره، أو شيء منه، إلا ما ذكر عن المشركين في إنكار اسم الرحمن، على سبيل العناد فقط.
والإشراك في هذا النوع على ثلاثة أنواع: 1 - إلحاد المشركين الذين عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه وسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا فاشتقوا اللات من الإله، والعزى من العزيز... إلخ.
2 - إلحاد المشبهة الذين يكيفون صفات الله تعالى ويشبهونها بصفات خلقه، وهو مقابل إلحاد المشركين.
3 - إلحاد النفاة المعطلة وهم قسمان: أ- قسم أثبتوا ألفاظ أسماء الله ونفوا ما تضمنته من صفات الكمال.

ب- وقسم صرحوا بنفي أسمائه وصفاته بالكلية ووصفوه بالعدم المحض.
والطوائف في توحيد الأسماء والصفات ثلاثة أقسام: 1 - قسم عطلوا الله تعالى من أسمائه وصفاته، وهم الجهمية والمتفلسفة.
2 - وقسم أثبتوا ألفاظ أسمائه ونفوا صفاته سبحانه، وهم المعتزلة.
3 - وقسم أثبتوا أسماءه سبحانه على ما يليق به سبحانه وأثبتوا سبعا من الصفات، وهي الكلام والعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة والحياة مع تأويلات لهم أيضا في هذه الصفات السبع.
وهؤلاء هم الأشاعرة.
وأما الذين أثبتوا أسماء الله وصفاته التي سمى بها نفسه في كتابه العظيم أو على لسان رسوله الكريم، من غير تأويل ولا تمثيل ولا تشبيه، فهم أهل السنة والجماعة، من السلف الصالح ومن تبعهم إلى يوم الدين.
وقد يشارك أحد أي طائفة من هذه الطوائف بعض مذهبهم دون بعض، فهذا حكمه حكم تلك الطائفة فيما وافقها فيه.
والإمام الطوفي- رحمه الله- أحد العلماء الذين تكلموا في توحيد الأسماء والصفات وقد ألف في العقيدة الإسلامية كتبا عديدة ذكرت فيما سبق أكثرها فما مذهبه في توحيد الأسماء والصفات من خلال كتبه تلك؟.
لقد تتبعت بعض ما صنفه الطوفي من المصنفات التي ذكرت مسائل عديدة من مسائل التوحيد، وخاصة توحيد الأسماء والصفات، وسأورد نماذج مما قاله في تلك المسائل سواء من كتابه هذا:" الانتصارات الإسلامية" أو من كتبه الأخرى المخطوطة.
تحدث الطوفي في كتابه: حلال العقد في أحكام المعتقد عن الأسماء والصفات فقال في اللوحة الثانية منه:" والنظر في أسمائه وذاته وصفاته وأفعاله.

أما أسماؤه فكثيرة، قال الله عز وجل: ولِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها... (180) «1» وفي الحديث: «أسألك بكل اسم هو لك علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك» «2» اه كلامه.
ثم بين معنى الاسم في اصطلاح النحويين، وفي اصطلاح اللغة، ثم قال: " وأما ذاته عز وجل فهي حقيقة قديمة «3» أزلية، لا تدركها الأفهام، ولا تخيّلها

الأوهام، كما قال- عز وجل-:.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) «1» اهـ. وقال الطوفي عن الصفات:" وأما صفاته- عز وجل- فضربان: ذاتية، وهي المعاني القائمة بذاته مقارنة لها في الوجود، وفعلية: وهي الأفعال الصادرة عنه المفارقة له، كالخلق والرزق ونحوه «2» ". قلت: قسم السلف الصفات إلى ذاتية لا تنفك عنه سبحانه كالسمع والبصر، وفعلية: وهي التي تتعلق بمشيئته وقدرته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالاستواء والمجيء والنزول، ونحوها، وهي أيضا ذاتية إلا أن أثرها يحدث في وقت دون وقت.
وربما تكون الصفة ذاتية فعلية، باعتبارين كالكلام، فإنها صفة ذاتية لا تنفك عنه سبحانه، وفعلية لتعلقها بمشيئته وقدرته يتكلم متى شاء كيف شاء بما شاء.
وقول الطوفي عفا الله عنه عن الذاتية:" مقارنة لها في الوجود" وعن الفعلية:" الصادرة عنه، المفارقة له" يشعر بأن الصفة غير الموصوف، وأنها قائمة بنفسها، لأنها مقارنة للذات، أو مفارقة لها.
وهذا غير صحيح والأولى التعبير بما عند السلف.
وإن كان الطوفي لم يقصد مفارقة الصفات لله تعالى بدليل ما يأتي من كلامه عن الصفات.
والله أعلم.

وقال الطوفي عن آيات الصفات، وأخبارها في حلال العقد الورقة الثالثة عشرة:"... وذلك أن الناس اختلفوا في آيات الصفات، وأخبارها، نحو: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ «1»، ويَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ «2»، يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ «3»، وحديث القدم والإصبع «4» والضحك «5»... ونحوها، وهي كثيرة.
فمنهم من حملها على ظواهرها المتعارفة، فجسم، ومثل.
ومنهم من تأولها على معاني مجملة في الجملة، فرارا من التجسيم، فأبطل وعطل، ومنهم من جعلها ألفاظا مشتركة بين صفات المخلوقين وصفات الله- عز وجل- حقائق بالنسبة إلى ذاته المقدسة، كالعين المشتركة بين عين الماء وعين الذهب «6»، فتقول: لي يد حقيقة، ولله- عز وجل- يد حقيقة، ولا اشتراك بين اليدين إلا في لفظ اليد، أما مدلولها: فيد الله حقيقة لائقة به عز وجل، كما أن لي ذاتا، ولله عز وجل ذاتا، ولا اشتراك إلا في الاسم.
وهذا رأي الحنابلة، وجمهور أهل السنة، وهو مذهب جيد صحيح عند من فهمه لا غبار عليه" اهـ. ثم أتى بعد ذلك برأي يراه جمعا بين الأقوال فيقول:" ويحتمل هذا المقام تفصيلا لا بأس به، وفيه جمع بين المذاهب، وهو أن ألفاظ هذه النصوص لا يخلو

كل لفظ من أن يكون مقطوعا بإرادة الحقيقة منه، أو بإرادة المجاز فيتبع الدليل القاطع.
أو ظاهرا في أحدهما فيتبع الظاهر ما لم يعارضه أظهر منه أو محتملا لهما على السواء، أو قريبا منه فهو مجمل، أو في حكمه، فيتوقف على البيان، أو يحمل على الأليق بجلال الله- عند المعتقد.
وهذه الطريق أمثل الطرق- إن شاء الله عز وجل- وعليها تتخرج جميع الآيات والأحاديث وهي كثيرة" اهـ. ولعل ما قاله في كتاب الانتصارات الإسلامية، عند كلامه عن حديث التقرب والهرولة يفسر هذا الرأي المتقدم.
يقول- رحمه الله-:" وهذا الحديث مؤول عندنا على التقرب بالرحمة واللطف، والإكرام، كما يقال: فلان قريب من السلطان، والأمر قريب من فلان، يعنى تقارب القلوب والمنزلة، وأنا وإن كنت أثريا في آيات الصفات وأخبارها، إلا أن المجاز عندي في هذا الحديث ظاهر غالب، فلا يتوقف في تأويله إلا جامد «1» ". ثم قال بعد أن بين أن أحاديث الصفات منها ما يكون صحيحا أو غير صحيح، أو مختلف فيه، وأنه لا يعول إلا على الصحيح منها:" ثم الحديث المجمع على صحته من حيث دلالة المتن ثلاث طبقات: ما ترجح فيه إرادة الحقيقة، وما ترجح فيه إرادة المجاز، وما استوى فيه الأمران، فالأول كحديث الساق «2»

جارٍ التحميل