[تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك]
وأما قوله:" تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم": قلنا: نعم.
قوله: هذا باطل: لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة.
قلنا: عن المادة العنصرية الكثيفة التي هي كمواد الآدميين؟ أو عن المادة مطلقا؟.
الثاني: ممنوع.
والأول: مسلم فإن لهم مادة لطيفة، وكذا الملائكة فإن الشياطين خلقوا من نار، والملائكة من نور، كما صح في السنة النبوية «1». ثم كيف تصح دعوى تجردهم عن المادة مطلقا.
وقد ذكر في الأناجيل في نحو عشرين موضعا.
منها: أن المسيح كان يخرج الشياطين من الناس/ وأن بعض الشياطين استغاث منه وقال:" ما لنا ولك يا مسيح ابن الله" «2» وأنه أخرج الشياطين في بعض المرات/ إلى قطيع خنازير فأخذوها حتى رموها في البحر فغرقت «3»، وأنه أخرج من" مريم المجدلية" سبع شياطين، ولذلك لازمت خدمته حتى مات، وكانت أول من رآه بعد قيامه من
الأموات، وبشرت «1» به التلاميذ «2». فهل يصح عند عاقل/ أن يدخل في الحيوان ويخرج منه ويستغيث ويصوت إلا جسم؟.
وأما قوله: إن هذا هو قول الأنبياء والفلاسفة.
فهو كذب وافتراء على الطائفتين، أما على الأنبياء فلأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا يرون الملائكة أجساما «3». وقد صرح في التوراة أن" يعقوب" لما عاد من" حوران" إلى" كنعان" عرض له عند قرية" بالق" «4» رجل فصارعه إلى أن أسفر الصبح وقال له في آخر القصة:" أنت إسرائيل لأنك قاومت الملك والرجل" «5». فنقول: هذا: إما ملك أو شيطان، وأيهما كان بطلت دعوى هذا في أن ما ذكره مذهب الأنبياء.
لكن رأيت بعض النصارى قد تدمّغ «6» وزعم أن المصارع ليعقوب هنا كان هو الله وهذا رأي المجانين، وهو نظير قولهم إن المسيح هو الله، وبذلك استدل على هذا.
يعني: أن الله سبحانه «1» لا يظهر للناس حتى يتأنس بهم ويظهر في مظاهرهم.
وأما على الفلاسفة فلأنهم يزعمون: أن الملائكة قوى الأفلاك، والشياطين قوى النفوس الأمارة «2». والله أعلم.