[الرد على النصارى في إنكار صفات الباري سبحانه]
قال:" ومما روى عنه من أوصاف الله سبحانه".
وذكر حديث: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» «2» وحديث جهنم:
«فيضع الرب قدمه فيها فتقول: قط" «1» وحديث: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة» «2» وحديث المعراج: «فدنا رب العزة حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى» «3» وحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ» «4» وحديث أم الطفيل «5» امرأة أبي بن كعب
أنها سمعت النبي يذكر أنه رأى ربه في صورة شاب موقر في خضر «1» على رأسه فراش من ذهب، وفي رجليه نعلان من ذهب» «2». قال:" فتقرر بهذا كله: أن الله جسم، وهذا مخالف للعقل ولمصاحف الأنبياء.
ويمتنع أن يكون الله سبحانه جسما لوجهين: أحدهما: لو كان جسما لكانت «3» جملته معلولا لأجزائه ومفتقرة إليها، وما علل بغيره جاز عدمه عند عدم علته، وواجب الوجود هو ما لا يعدم لعدم/ غيره، بل لعدم ذاته.
الثانية: أن الجسم مركب من الصورة «4» والهيولى «5» فينعدم بانعدام كل
منهما.
والواجب لا ينعدم لانعدام غيره.
كما سبق.
وأما بيان ذلك في كتب الأنبياء فإن في الإنجيل:" الله روح".
قلت: هذا حاصل ما ذكر في هذا السؤال، وقرره به.
ولعمري أن هذا مما «1» لا/ يقضي منه العجب من هذا الشخص.
فإن التوراة والإنجيل مملوءان من التجسيم.
فإن في أول التوراة:" وكانت روح الله ترف على الماء" «2» والروح فيما نشاهده جسم.
والحجج على جسميتها كثيرة «3»، لكن نكتفي منها بحجة طبيعية/ ذكرها الأطباء، وهو اضطراب الصدر وحركته لها عند النزع.
فإن قال: إن روح الله ليست جسما، وإن كانت روح غيره جسما.
قلنا: فقد أجبت عنا.
كذلك كل ما حكي في دين الإسلام من صفات الله تعالى ليست على المتعارف من صفات الآدميين، ويسقط هذا التشنيع خصوصا وقد ذكرت أنت في بيان ضرورة النبوة عن" أرسطو" وغيره ما ذكرت من أن الحقائق الإلهية لا بدّ فيها من التوقيف الشرعي.
وفي التوراة:" قال الله «4»: نخلق بشرا على شبهنا قد رسمنا فضله ليكون
كصورتنا ومثالنا وأسلطه على سمك البحار وطير السماء" «1» إلى أن قال:" وخلق الله آدم بصورته، صورة الله خلقه ذكرا وأنثى، خلقهما الله وبارك عليهما" «2». وفيها إن آدم وامرأته:" سمعا صوت الرب يمشي في الفردوس فاستترا من بين يدي الرب بين شجر الفردوس، وقال الله لآدم: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك تمشي في الفردوس ورأيت أني عريان فاستترت فقال الله الرب: ومن أدراك أنك عريان؟ لعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها" «3». وهذا فيه تشانيع.
منها: وصفه بالمشي حتى يسمع صوت مشيه في الفردوس، وهو من خواص الأجسام، وأصعب من النزول المذكور في السنة الإسلامية./ ومنها قوله أين أنت؟ ومنها: قوله:" من أراك أنك عريان؟ لعلك أكلت من الشجرة" فإن ذلك ظاهر في أن الله سبحانه لم يعلم أين هو؟ ولا هل أكل من الشجرة أو لا حتى أعلمه آدم".
وفيها:" وأكمل الله أعماله في اليوم السادس، واستراح في اليوم السابع" «1». والاستراحة من لواحق الأجسام «2». وهذا في التوراة كثير «3». وأما في الإنجيل فقولكم: لما اعتمد/ المسيح من يوحنا المعمداني ثم صعد من الماء جاءه روح القدس في جسد حمامة بين السماء والأرض وسمع قائلا يقول: هذا ابني الحبيب الذي به سررت" «4». ثم إنكم تقولون:" الأب والابن وروح القدس: إله واحد" وهذا مستلزم للجسمية لوجهين: أحدهما: أن الصوت لا يتصور عقلا وحسا إلا من جسم إذ هو عرض لا يقوم بنفسه «5».
الثاني: أن الأب والابن والروح في هذه الحال- أعني صعود المسيح من الماء- بعضهم منفصل عن بعض حسا وحقيقة وإنكاره مكابرة.
فإن كان ذلك بعد اتحاد الروح والمسيح بالله فقد انفصل عنه جسمان، فيكون هو جسما لأن بعض الجسم جسم، وإن كان قبل الاتحاد، وأن اتحادهم حدث بعد ذلك فقد اتحد بذات الله جسمان: جسد الحمامة الذي هو الروح، وجسد الابن الذي هو المسيح، ولا يتحد بالجسم إلا جسم هذا على قول من يقول منكم: إن المسيح ابن الله.
أما من «1» يقول: هو الله، فالأمر فيه واضح.
وقرر ذلك" ابن الأمثل" «2» مطران" حمص" بأن قال:" إن الله لا يمكن ظهوره إلى العالم حتى يتأنس ويتحد بهم، وله مظاهر يظهر فيها، كما ظهر في حقيقة [النار لموسى في العليقة ولإبراهيم في حقيقة] «3» / كبش فدى به ولده، وليعقوب في حقيقة رجل فصارعه فكذلك ظهر في حقيقة المسيح".
وفي الفصل الخامس من إنجيل متى:" لا «4» تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله ولا بالأرض فإنها موطئ قدميه".
وفي السادس والخمسين منه «5»:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فوصفه بالقدمين والوطء بهما، وبالجلوس على الكرسي، والجلوس «6»
من خواص الأجسام، وإن لم يكن هذا تجسيما، فما في الوجود تجسيم أصلا.
فإذا كان هذا مضمون كتبكم المعتمدة، وتقرير أئمتكم وفضلائكم، فكيف تنكرون علينا ما هو دونه في ذلك بكثير.
وعذرنا فيه أوسع من عذركم على ما سيأتي ولكن في المثل:" رمتني بدائها وانسلت" «1». وفي الشعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذ افعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم «2» وأما الأحاديث التي ذكرت فصحيحة ثابتة إلا حديث أم الطفيل فإنه حديث موضوع «3» لا أصل له حكم بذلك أئمة الحديث.
ثم لو صح لكان محمولا على رؤية المنام كحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» فإنه كان مناما باتفاق علماء المسلمين.
صرح الترمذي وغيره بأنه كان مناما «4». وأما حديث النزول والقدم/ والساق وغيرها من أحاديث الصفات فلطوائف المسلمين فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتقاد مفهومها المشاهد منها «1». وهو قول المجسمة «2» وهم عندنا في ذلك كالنصارى واليهود في ذلك.
والثاني: تأويلها «3» على ما يصح في الشاهد، ولو كان بعيدا/ كالنزول على نزول العلم أو الرحمة، أو نزول ملك ينادي، أو فعل من أفعال الله.
والقدم على قوم يقدمهم إلى النار، والساق على شدة الأمر وكرب المحشر ودنو الله سبحانه على تعطفه، ورفقه «4» بعبده ونحو ذلك وهو مذهب الأشعرية والمعتزلة ونحوهم.
والثالث: اعتقاد ما يليق بجلال الله- سبحانه- منها «1»، مع القطع بتنزيه الله- سبحانه- عن مشابهة مخلوقاته أو بعضها، بوجه من الوجوه اعتمادا على قوله تعالى:... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) «2» فأول الآية تنزيه، والثاني إثبات فهو أولى من الإثبات المفضي إلى التمثيل، والتنزيه المفضي إلى التعطيل وهذا هو الذي أقول به «3»، ولي أن التزم القول قبله في هذا المقام، لأني وهذا الخصم، نبحث في دينين متقابلين، لا في مذهبي دين واحد، على أني أي القولين التزمت لا يلزمني من قبح التجسيم ما لزمك «4». وأما ما ذكرت من الحجتين على نفي الجسمية فقد سبقك إليه الفلاسفة والمتكلمون.
وقد قرر المسلمون في ذلك براهين كثيرة، فلم تأت أنت بغريبة ولا بشيء نازعناك فيه، بل نحن أحق به منك، فإنا نحن يمكننا الجمع بينه وبين ما عندنا من آيات الصفات وأخبارها بما قدمناه من القولين المختارين.
وأنت لا يمكنك الجمع بينه وبين أن المسيح هو الله، أو القول بالثالوث إن كنت نصرانيا حقا.
وإن كنت فيلسوفا فمالك ولمذهب النصارى.
تكلم في رأي أرسطو ونحوه:
ودع عنك الشرائع لست منها ولو غبرت وجهك بالتراب/ «1» فإنك رجل مذبذب بين الرأيين كالشاة العائرة «2» بين/ الغنمين.
وأما قوله:" إن هذا مخالف للعقل، ولمصاحف الأنبياء": فإن أراد أن المخالف لذلك كون الله جسما فهو صحيح ونحن نقول به، وإن أراد وصف الله سبحانه بنحو النزول والقدم والساق فباطل عن «3» الأنبياء، فإن في أول الأصحاح الخامس عشر «4» من كتاب أشعياء: " هذا اسم الرب جائي من بعيد،/ يشتعل غضبه، ووجنه ماجد «5»، شفتاه «6» ممتلئتان غضبا، ولسانه كالنار المتقدة، وروحه كالوادي الذي يجر كلما تمر به تقطع بغضبه إلى العنق ليزجر الشعوب" «7».
فإن قلت: هذه صفات اسم الرب، لا صفات الرب.
قلت: الاسم إن كان هو المسمى فهذه صفات الرب بلا شك، وإن كان غيره فالاسم معلوم الحقيقة «1»، وهو لا يتصف بهذه الصفات ويجب رجوعها إلى الرب «2». ويكون ذكر الاسم صلة كقول القائل: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما «3» وقول الآخر: تناديه باسم الماء وهو كثير «4»
وفي الأصحاح الثالث والعشرين منه «1»:" اسمع قولي يا يعقوب وإسرائيل الذي دعوت.
أنا الأول وأنا الآخر، ويدي أصلحت أساس الأرض، ويميني بسطت السماء".
وفي الأصحاح التاسع عشر منه «2»:" هذا الله الرب، يأتي بعزه وذراعه بقوة، ثوابه «3» معه، وعمله بين يديه" إلى أن قال:" وشبر «4» السماء بشبره، وكال تراب الأرض بكفه، ووزن الجبال بالمثقال والآكام بالميزان".
وهذا كثير في كتب الأنبياء لو تتبعته لطال.
وهذه صفات ظاهرها المتعارف التجسيم، فجوابك عنها هو جوابنا «5» عما ذكرت من الأحاديث./