[الرد على اعتراض النصراني على خلق السموات والأرض في ستة أيام]
قال: وفي سورة الأعراف «1»: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.... وقال في سورة السجدة «2»: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها... (12) «3». فمقتضى هذه الآية الثانية أن السموات والأرض خلقتا «4» في ثمانية أيام ألا ترى أنك لو قلت: بنيت بيتا وأسسته في يومين، وأقمت حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في يومين، لم يشك عاقل، يسمع قولك في «5» أن مدة إقامتك البيت بجملته ثمانية أيام.
ولهذا يلزم محمدا- صلى الله عليه وسلم- «6» إن كان صادق الإخبار في الآية «7» الأولى فالثانية بالضرورة كاذبة.
وبالعكس.
وذلك مطلوبنا.
قلت: الجواب عن هذا: أن الآيتين لا تناقض فيهما «1»، ولكن هذا الشخص لم تكن له معرفة بالقرآن ولا لغة العرب وتنزيل الألفاظ منازلها وجدير بمن يتكلم فيما لا يعلم أن يخطئ ويتلعثم.
وبيان ذلك: أن القرآن مصرح في أكثر من ستة مواضع بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام «2». فهذه نصوص لا تحتمل التأويل.
وهذه الآيات التي في سورة السجدة «3». فيها نوع اجمال.
والمراد بها ما في تلك النصوص، ولا يبين ذلك إلا بالتأويل، والتوفيق بين الكل، ومن قواعد الأصوليين حمل المجمل على المبين،/ والظاهر على النص، والمطلق على المقيد، والعام على الخاص فهذا مجمل، أو محتمل نحمله على ذلك النص الصريح.
وبيانه: أن اليومين المذكورين في قوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ؟ داخلان في الأربعة المذكورة في قوله: وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10) والدليل على ذلك من وجوه: أحدها: أن الله سبحانه يقول في سجدة" الم" «4» وغيرها: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...4ثم ثبت بهذه الآية المتنازع فيها أنه خلق السموات في يومين، فتعين أنه خلق الأرض بما فيها من الجبال والشجر
والبحار والأقوات وغيرها في أربعة أيام، لأن هذه الأشياء إما من حقيقة «1» الأرض، أو مما بينها وبين السماء.
فتعين بما ذكرناه أنها داخلة فيما خلق في أربعة أيام التي منها اليومان الأولان «2». الوجه الثاني: أن قوله: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إما أن نعلقه بتقدير الأقوات فقط، أو به وبما قبله من خلق الأرض وجبالها، والبركة فيها.
والأول باطل، لأنه يلزم «3» / أن يكون فعل ما قبل ذلك، لا في زمان، وهو محال.
فتعين الثاني، وهو أن أربعة الأيام متعلقة بجميع ما تقدم، من قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ إلى قوله: أَقْواتَها «4» وعلى هذا اعتراض لا يخفى.
الوجه الثالث: أن محمدا- عليه السلام- لم يشك أحد في حكمته وفصاحته ولهذا نسبه الأعداء إلى أنه إنما أقام ناموسه بالحكمة والسيف.
ومن يكون من الحكمة في هذه الرتبة لا يناقض ما صرح به في ستة مواضع بما يقوله في موضع، ولا يخفى عليه ذلك.
فدل هذا على أنه أراد بما في هذه الآية ما في تلك الآيات.
وذلك إنما يصح بجعل اليومين الأولين داخلين في الأربعة الثانية ويصير/ هذا كما لو قلت: سرت من القاهرة «5» إلى بيت المقدس «6» في عشرة أيام، وإلى
دمشق «1» في عشرين «2». فإن «3» العشرة داخلة في العشرين.
أما ما ذكرته من أن «4» قول القائل: بنيت بيتا فأسسته في يومين وأقمت حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في يومين: يفيد أن الجملة ثمانية أيام.
فجوابه أن فرضك لهذه الصورة مع تقدير تقدم النص من القائل بأنه «5» أقام جملة البيت في ستة أيام، أو مع عدم تقدير ذلك؟.
فإن قلت: مع «6» تقدير تقدم النص المذكور كان كمسألتنا.
فلا نسلم استفادة ثمانية أيام من القول المذكور «7»، بل ستة كالمنصوص.
ويكون ذلك النص قرينة في هذا التأويل، أعني حمل الثمانية الظاهرة على الستة المنصوصة.
وإن قلت: مع عدم النص فليس ذلك مثل مسئلتنا، إذ لا نص معنا يكون قرينة نحمل بها الظاهر عليه، وحينئذ لا يلزم ما ذكره من كذب إحدى الآيتين ولا يحصل له مطلوب.