الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية[رد شبهة النصارى في سكوت زكريا عليه السلام]

[رد شبهة النصارى في سكوت زكريا عليه السلام]

قال:" ومن ذلك قوله في سياق تبشير الملائكة لزكريا بيحى «5» " قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً «6» قال:" وهذا باطل، لان

سكوت زكريا كان أزيد من تسعة أشهر، وذلك من الوقت الذي بشر به إلى أن وضع، وأن ذلك كان على جهة التأديب والعقاب، يعني على مراجعته الملك، وكونه لم يثق بأول كلامه، لا على جهة الآية" وذكر حكاية ذلك من الإنجيل في كلام طويل قد ذكرته أنا وجوابه في:" التعليق علي الأناجيل «1» ". قلت: والذي يحتاج إلى الجواب عنه في هذه الجملة أمران/: أحدهما: أن سكوته كان أكثر من ثلاثة أيام.
الثاني: أن سكوته كان عقوبة لا علامة.
والجواب/ عن ذلك من وجهين: أحدهما: الجواب العام وهو أن مستندكم في هذا: الإنجيل.
وليس حجة علينا، كما أن ما عندنا ليس حجة عليكم- على زعمكم-، فبقيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه.
الوجه الثاني: أن خبر محمد- عليه السلام- أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «2». فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو

أن سكوته/ كان تسعة أشهر، ومنها ثلاثة الأيام المذكورة.
ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم «1» أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10) قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة «2» قال:" سويا" من غير خرس.
وذكر في الإنجيل «3»: أن زكريا بقي أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس، فلعله كان في ثلاثة الأيام الأول ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا من خرس «4»، ويكون الأول: علامة، والثاني: عقوبة.
والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين، فاقتصر على ذكر زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله على خلقه، إذ هي موجبة لطمأنينة القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير النعمة بذكر العقوبة عقيبها «5». والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) والَّذِي هُوَ

يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ (79) وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) «1» فأضاف الخلق والهداية والإطعام والإسقاء إلى الله.
لأنها نعم.
وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته صورة نقمة «2»، فإضافته إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب.
وكذلك لا تنافي بين كون السكوت علامة على صدق البشرى، وعقوبة على عدم المبادرة إلى التصديق بها.
وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على القرآن، بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة.
قال [القرطبي] «3»:" وهو قول أكثر المفسرين «4» ". قلت: وعليه إشكال.
وإن كان/ قد ذكره المسلمون فإنه لا خلاف بيننا وبين النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «5»؟ نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم «6»، ثم إنها لم تعاقب على ذلك بشيء.
فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم والأكمل في الحال أولى

بالعقوبة على الأفعال وهذا معلوم من قواعد الشرع والعقل، ولهذا كان وعيد العلماء أعظم/ من وعيد الجهال.
قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة إنما يقتضي تخفيف العذاب عن المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية،/ وقد وجد مقتضى العقوبة في مريم كما وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها.
الثاني: أنه باطل بإبراهيم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى «1»، فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق.
ك" زكريا" و" مريم" بل أولى لوجهين: أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال.
الثاني: أن المخاطب له كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب لزكريا ومريم كان الملك.
وبشارة زوجة إبراهيم حيث فَصَكَّتْ وَجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) «2» ولم تعاقب.
والأشبه- والله أعلم- أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين:

أحدهما: أن الله- سبحانه- خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله- سبحانه- يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى عليه السلام فإن الله سبحانه لما قال: وَأَلْقِ عَصاكَ «1» فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها/ ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: خُذْها ولا تَخَفْ «2» فلف كم مدرعته على «3» يده، ثم تناولها.
فقال له الملك: أرأيت لو أذن الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت «4». فإن موسى فعل هذه «5» الفعال وهو بحضرة الله- سبحانه- يسمع كلامه بغير

واسطة، وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره في «1» شك فقد كان أولى بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله- سبحانه-.
الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس هاهنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا الشك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه «2»، والأنبياء عارفون بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله- سبحانه- كشف الأمور الملتبسة أن لم يقتض ثوابا لم يقتض عقابا.
ومن الدليل على أن العلامة مرادة من سكوت زكريا/ ولا بد: ما ذكر في الإنجيل أن زكريا قال للملك:" من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في أيامها «3» "؟ فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك.
فأجابه الملك وقال:" أنا جبريل الواقف بين يدي الله وأرسلت لأبشرك بهذا.
وها أنت تكون ساكتا، لا تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا.
لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي يتم في زمانها".
فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب

مطابقته للسؤال.
وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها.
وزيادة العقوبة/ إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن زيادة عما في السؤال، كما في قوله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى17قالَ هِيَ عَصايَ.. هذا طبق السؤال، وقوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (18) «1» هذا زيادة عليه.
وقوله- عليه السلام- حين سئل:" أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: (هو الطهور ماؤه) «2» هذا طبق السؤال.
وقوله:" الحل ميتته" زيادة عليه ويكون وجه الجمع بين الآية والعلامة: إما بما ذكرناه من قبل وهو أن ثلاثة الأيام سويا من غير خرس علامة، وباقيها أخرس عقوبة، أو بأن مطلق السكوت علامة، وامتداده إلى حين الوضع عقوبة.
والله أعلم.

جارٍ التحميل