أهل الأثرالأرشيف العلمي

[عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه]

ومنها قوله في حديث ابن عمر: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وأنكرت ذلك عائشة «1» وقالت:" إنما قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه" «2» قال:" وهذا باطل لأن الله تعالى لا يعذب أحدا بفعل غيره" «3». قلت: هذا اعتراض صحيح، لكنه ليس على النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل على الراوي الذي روى ذلك عنه «4». فإن هذا الحكم على خلاف نص القرآن، وهو قوله

تعالى: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى... (164) «1» ومن المحال عادة أن من يقرر ناموسا وشريعة يخالف ما يدعي أنه أنزل عليه بما يقوله، ونسبته في ذلك/ إلى الغلط والوهم ممتنع عادة، لأن هذا مما لا يخفى عن عاقل، فضلا عن ذي ناموس.
فالحاصل: أن راوي هذا الحديث وهم في روايته، وقد صح عن عائشة أنها قالت: " وهل «2» أبو عبد الرحمن- تعني ابن عمر-؟ إنما مر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ بقوم يبكون «3» على يهودي، أو يهودية، فقال: «إنهم ليبكون عليها/ وإنها تعذب في قبرها» «4».

فالبكاء والعذاب في هذا ليس بينهما ارتباط سببي، بل هو اتفاقي اتفق أن بكاءهم عليها صادف وقت تعذيبها.
هذا على أن لحديث ابن عمر وجها صحيحا في التأويل، وهو أنه محمول على من وصى أن يناح عليه «1»، أو علم من أهله أنهم ينوحون عليه فلم ينههم، وكان ذلك عادة العرب، وزجرهم عليها «2» بهذا، لأن النوح على الميت يدل على التسخط بقضاء الله- سبحانه- فيكون الميت والحالة هذه متسببا إلى إيقاعه بوصيته به وإقراره عليه، والعذاب يترتب على التسبب كما يترتب على المباشرة، وقد قررت هذا الحكم في القواعد «3». ومنها: حديث عائشة أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فسألت عائشة النبي صلّى الله عليه وسلّم عن عذاب القبر، فقال لهم: «عذاب القبر حق» قالت عائشة: " فما رأيت النبي [صلى الله عليه وسلم] «4» بعد «5» صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" «6».

وذكر حديث أنس في عذاب القبر، وسؤال الملكين للميت فيه إلى قوله في الكافر:" يضرب بمطرقة [من حديد] «1» ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين" «2». قال: فتأمل هذا الحديث المصرح بعذاب القبر، وكيف أثبت عليه هذه الأضحوكة من كلام اليهودية مع عائشة؟ وكيف يسمع صياح الميت من يليه «3» إلا الثقلين؟ وكيف يسمع من لا يسمع، ولا يسمع من يسمع؟ ولا «4» يحتاج من له أدنى مسكة من تمييز إلى أن نبين له ما في هذا من الافتراء".
قلت: هذان الحديثان صحيحان، وأجمعت الأمة المحمدية على إثبات عذاب القبر إلا قليلا منهم، وهم بعض المعتزلة «5» الموافقون للنصارى/ في ذلك وفي القدر- كما سبق-.

ويكفي أهل السنة من المسلمين فضلية: أن كلام أعداء الإسلام إنما يتجه معهم «1»، وعلى رأيهم، وأن أهل البدع لا يتجه عليهم لموافقتهم أعداء الدين «2» فإن هذا العلج لما قدح في النبوة، إنما وجه شبهه إلى أهل الحديث./ قلت: والجواب على هذا من وجوه «3»: أحدها «4»: أنك لو ناظرت في هذا معتزليا لسلمه لك، وخالفك «5» في دعوى الإسلام، فيكون قد أجابك بالقول بالموجب فتنقطع في هذا المقام.
ولنا أن نلتزم مذهبه في جدالك، لأنه على كل حال من فرق الإسلام «6»، وإن كان مسلما نجسا «7»، كما أنك أنت نصراني نجس، لأنك تارة تثبت الشرائع وتارة توغل في الفلسفة والتعطيل، العائدة على النبوات بالتبطيل.
الثاني: أن هذا الحكم من فروع الشريعة، ولهذا يذكره الفقهاء في كتب الفقه عند ذكر مشروعية التلقين، فهو تبع لا مقصود.

الثالث: أن جوابه التفصيلي هو جواب تكلم الجنازة بعينه من حيث التوجيه، ثم نجيب عن كلماته التي أساء بها أدبه.
قوله:" أثبت هذه الأضحوكة بكلام يهودية" قلنا: هذه أضحوكة عند عقلك.
لأن الله- سبحانه- يريد ضلالك «1»، حتى يوقعك فيها، وما ينفعك السيد المسيح.
ثم إنه لم يثبتها بقول يهودية، بل بالوحي الصادق النازل على سبب إخبار اليهودية./ والقرآن والوحي كان ينزل على أسباب ووقائع «2» تقتضيه.
ودليل عذاب القبر في القرآن نحو قوله تعالى: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً «3» سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ «4»: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ

فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (46) «1». قوله:" كيف يسمع صياح الميت «2» من يليه إلا الثقلين؟ " قلنا: كما وجهناه فيما سبق.
قوله:" كيف يسمع من لا يسمع؟ ". قلنا: يخلق الله قوة السمع فيه.
قوله:" وكيف لا يسمع من يسمع؟ ". قلنا: يخلق الحجاب المانع للسمع على سمعه، كما سبق في مناجاة موسى «3». قوله:" لا يحتاج من له أدنى تمييز إلى أن يتبين له أن هذا افتراء".
[قلنا: أما هذا فلا يشك عاقل أنه ممكن.
وقد أخبر به الصادق.
وأما ما يدعيه من إلهية المسيح أو بنوته، واتحاد الأقانيم، ونحو ذلك فلا يشك عاقل أنه افتراء] «4»، على الله ورسله، وأول خصم يكون لك يوم القيامة: المسيح.
على ذلك.
وأنت شخص متحير متردد، لا مسيحي ولا فيلسوف.
بل كما قال «5» القائل: حدا باسمك الحادي وناحت حمامة فلم أدر أي الداعيين أجيب؟ «6»

فصول الكتاب · 100 فصل · 959 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية
تأليف الطوفي
الأولى، 1419هـ
تقدّمك في الكتاب: [عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه] — 48 من 107
فصول الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية · 959 صفحة
[الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية]ـأولا: المقدمةالمقدمةثانيا: قسم الدراسةالفصل الأول: ما له أثر في حياة الطوفي
الفصل الثاني: حياة الطوفي
ثالثا: التحقيقالخطبةالمقدمات ثلاث[المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب][المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع][المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول][المتنبئون الكذبة والتحذير منهم][حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها][فوائد النبوات ومنفعتها][النبي وشروطه][موقف النصارى من النكاح][فوائد النكاح وفضيلته][الأنبياء والنكاح][ظهور المعجز على يد النبي][موافقة ما يأتي به النبي للفطرة][موقف عتاة النصارى من نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم][امتحان شرط الصدق في نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم][المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم][المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم][الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد صلى الله عليه وسلم][رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "][رد شبهة النصارى في سكوت زكريا عليه السلام][رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له][رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج][تناقض كتب النصارى التي بأيديهم][ابطال دعوى صلب المسيح عليه السلام][أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك][البشارة بمحمد- صلى الله عليه وسلم- في التوراة والإنجيل][أصل خلق الإنسان واعتراض النصراني على الآيات المخبرة بذلك][قصة الغرانيق، وتعرض الشياطين للأنبياء][تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك][بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان عليه السلام][الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين][تجسم الملائكة والرد على النصراني في إنكار ذلك][الرد على النصارى في إنكار صفات الباري سبحانه][القضاء والقدر وأفعال العباد وضلال النصارى في ذلك][كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك][عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه][الحشر والحساب يوم القيامة والرد على النصراني في إنكاره][الإسراء والمعراج][الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه][رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة][البعث والمعاد والرد على المنكر لذلك][الرد على اعتراض النصراني على خلق السموات والأرض في ستة أيام][مكان دفن الأنبياء]علامات الساعة وموقف النصارى منها[منافع الحبة السوداء][طهارة محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلو همته][معجزات محمد- صلى الله عليه وسلم- وموقف النصراني منها]
:" الشرط الثالث" الإعجاز
[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته]:" الشرط الرابع: حسن الشريعة[نسخ شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم- لشرائع الأنبياء قبله][تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية][الرد على النصراني في ادعائه أن الإسلام أجاز إتيان المرأة في دبرها][كراهة الطلاق وإباحته لمصلحة الزوجين][نكاح المتعة وموقف الإسلام منه][العزل وإباحته في غير معارضة القدر][الاستمتاع بالحائض في زمن الحيض][حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين][متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه][حسن العطاس وكراهة التثاؤب][آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها][حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك][التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب][جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك][النهي عن مشابهة النصارى غيرهم في أوقات الصلوات][إثبات نصوص الصفات على ما يليق بالله سبحانه][حث محمد- صلى الله عليه وسلم- لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده][زيارة النبي- صلى الله عليه وسلم- لقبر أمه. وأنه لا محذور في ذلك][الرد على زعم النصراني بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا بدّ أن يعلم الغيب][نفي الضلال عن أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- وشدة الموت عليه والرد على شبهة النصراني في ذلك][مكان قبض النبي صلى الله عليه وسلم وشدة الموت عليه، والرد على شبهة النصراني في ذلك]الحجة الأولىالحجة الثانيةالحجة الثالثةالحجة الرابعةالحجة الخامسةالحجة السادسةالحجة السابعةالحجة الثامنةالحجة التاسعةالحجة العاشرةالفهارسأولا: فهرس الآيات القرآنيةثانيا: فهرس الأحاديث والآثارثالثا: فهرس الأشعاررابعا: الأمثالخامسا: فهرس الألفاظ والمصطلحات المشروحة
سادسا: فهرس الأعلام
سابعا: فهرس الأماكن والمواقع والبقاعثامنا: فهرس الفرق والأمم
تاسعا: فهرس المراجع والمصادر
عاشرا: فهرس الموضوعات
جارٍ التحميل