[متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه]
مناقض لما في الفصل السادس والخمسين «1» منه حيث يقول:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فإنه يقتضي صحة الحلف بالسماء/ وجوازه «2»، وأن الحالف بها حالف بالله سبحانه.
فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء الذين يقدحون في دين الإسلام بهذا الكلام المتناقض المتهافت.
وذكر حديث قتل كعب بن الأشرف «3»، وأن محمد بن مسلمة «4» خدعه
حتى استمكن منه فقتله، وذلك بإذن النبي- عليه السلام- «1». قلت: ووجه السؤال منه: أنهم خدعوه بإذن محمد حتى أمن وسلم نفسه إليهم ثم قتلوه وهذا غدر.
قلت: وجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا من باب الخديعة في الحرب، وهو جائز في دين الإسلام وقد قال النبي- عليه السلام- (الحرب خدعة) «2» وغاية ما في الباب: أنه كذب.
لكن الكذب ليس قبيحا لذاته عندنا بل «1» لما فيه من المفسدة.
فإذا تضمن مصلحة راجحة على مفسدته تعينت.
وكان من قبيل اعتبار المصالح.
ولا شك أن قتل كعب ابن الأشرف تضمن مصلحة دينية، وهو أنه كان يهجو النبي- عليه السلام- والمسلمين ويقذف نساءهم في شعره، ويأخذ أعراضهم، وهو يهودى ملعون من أعداء المسيح وقتلته/- على زعمك «2» - وبعض هذا يوجب قتله وقتل كل يهودي على وجه الأرض.
وأجمع «3» العقلاء على أن الكذب واجب على من رأى ظالما يتبع نبينا أو وليا أو مظلوما بالجملة ليقتله.
إذا سأله فليصده عنه «4» بالكذب، ولو صدق حتى قتل ذلك المظلوم لأثم بالصدق.
قال العلماء: الكذب: واجب، ومندوب، ومباح، وحرام.
فالواجب: كالصورة المذكورة آنفا.
والمندوب: الكذب للإصلاح «5» بين
المؤمنين.
وفي الحديث الصحيح: (ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، أو نمى «1» خيرا «2» والمباح: كذب الرجل لامرأته في الوعد والتأميل «3»، ليكف شرها عنه أو لا تكدر «4» عليه.
والحرام: ما سوى ذلك وهو كل كذب لم يتضمن مصلحة راجحة على مفسدته «5».
وقد صرحت التوراة بأن إبراهيم وإسحاق جميعا قال كل منهما عن زوجته: إنها أخته «1» حين خشي عليها من" أبيمالخ" ملك الأردن وفلسطين، ولما تضمن ذلك مصلحة لم يقبح منهما.
فهذا مثله سواء، لأن محمدا وأصحابه كانوا مظلومين مع كعب في هجائه لهم وقذفه لنسائهم، كما كان إبراهيم مظلوما بتغلب" أبيمالخ" ملك الأردن «2» على زوجته، لولا عصمة الله لها منه.
الوجه الثاني: أن عظيم ساليم قرية «3» سجيم لما فضح «4» بنت يعقوب وأراد أن يتزوجها صعب على بني يعقوب ذلك.
فقالوا له: إن من ديننا الختان، فإن اختتنت أنت وأهل قريتك زوجناك.
فلما اختتنوا جميعا دخلوا عليهم، وهم في ألم الختان لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، وهذا غدر صريح، والجواب عنه مشترك لأن/ الجميع أنبياء، وقد نصت التوراة على هذه الحكاية «5». وذكر حديث: أعطيت/ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل
لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة «1»، وكل نبي يبعث إلى قومه خاصة.
وبعثت إلى الناس عامة «2» ". قلت: لا أعلم ما «3» وجه السؤال من هذا، إلا أن يكون يكذب بالإخبار بهذه الأشياء بناء على عدم علمه بها، أو على مناقضة محرفة في كتبهم، ولو ذكر وجه سؤاله منه لأجبته بحسبه «4».