الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية[كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك]

[كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك]

ذكر منها قوله- عليه السلام-:" إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة/ قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ «1» / يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق" «2».

قال:" وهذا أبين من أن يتكلم على بطلانه، إذ كيف يكون لميت صوت تسمعه البهائم والجمادات دون الإنسان، لأن شرط المسموع أن يكون صوتا خارجا، يتموج به الهواء، فيقرع صماخ الأذن «1»، فهل للبهائم والجمادات أسماع فضلا عن أن تكون أفضل فيها «2» من الإنسان؟ ". هذا حاصل ما قرر به «3» هذا السؤال، مع تشنيع ذكره يسير.
قلت: الجواب العام عن كل حديث ذكره في هذا الكتاب: أنه من أخبار الآحاد التي توجب العمل لا العلم، فلا يثبت بها أصل، ولا يقدح بها في أصل وإنما يقدح في الشرائع ما تثبت بمثله الشرائع، وقد قرر هذا في المقدمات «4»، وفي آخر شرط الصدق بعد هذا «5». ولكنا نتبرع بالجواب «6». وجوابه من وجهين: أحدهما: أن الكلام في هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي يقصر العقل عن

ادراكها «1»، فرع على ثبوت النبوة وتابع لها، كمسألة القدر، فحق الكلام أن يكون في رتبة قبلها.
وأنت فقد قدمت من كلام" أرسطو" وغيره، أن نسبة إدراكاتنا إلى المبادئ الأولى كنسبة الخفاش إلى ضوء الشمس، ثم إنك في الاعتراض على هذه الأخبار تناقض «2» ذلك.
فأنت هناك مشرع جامد، وهاهنا فيلسوف محلول، وحالك لا ينضبط.
الثاني: أن العلماء نقلوا عن موسى، أنه لما ناجاه ربه أمر الريح فأخذت على أسماع الناس، ولولا ذلك لماتوا من صوته- تعالى «3» -، ونحن عندنا أن الكلام والادراكات ليس من شرطها الأدوات، بل يجوز أن يخلقها الله- تعالى- في الجمادات كما قال سبحانه: وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ... (44) «4». وهو عند المحققين على حقيقته التي تليق بكل شيء بحسب قوته واستعداده وما يهيئه الله له، فكذلك يجوز أن ينطق الله تعالى الميت كما أحيى الموتى لعيسى/ ويحجب صوته عن الإنسان لئلا يصير إيمانه بهذه الحقائق الغائبة ضروريا، فتبطل فائدة التكليف بالإيمان بالغيب، ويسمع صوتها «5» غير الإنسان على حسب ما يليق بالأشياء، لأنها ليست مكلفة فلا محذور.

وإذا كان الله سبحانه هو خالق الذوات من حيوان ناطق وصامت وجماد فهو خالق/ صفاتها وادراكاتها، وكما أخرج تلك القوى والادراكات من العدم إلى الوجود، كذلك هو قادر على أن يقوي ضعيفها ويضعف قويها، حتى يبلغ مراده، وهو بالغ أمره، وكل ما ينسب إلى قدرة الله- تعالى- من الممكنات لا ينبغي أن يصادم بالانكار، خصوصا إذا اقترن به أخبار أهل النواميس «1» الدالة على صدق أصحابها، وليس في هذا وأمثاله من الاستبعاد، إلا كونه غير مدرك لنا، ولو أدركناه لزال الاستعباد، كما أننا لو لم تثبت عندنا معجزات الأنبياء كقلب العصا حية، وتفجير الماء من الحجر «2»، وإخراج ناقة عظيمة من جبل «3»،

وإحياء الموتى «1» ونحوه، لما صدقت به العقول بادئ الرأي، إلا بعد نظر دقيق واستدلال «2». وهكذا ما نحن فيه، لمّا نظرنا فيه قد اتجه إمكانه، وأما وقوعه فيعتمد [على] «3» خبر الصادق، وقد بينا صدقه، وسنبين.
ويجوز أن يحمل قوله:" سمع صوتها كل شيء إلا الإنسان" على السماع التقديري، أي لو كانت هذه الأشياء مما يسمع لسمعته، ويكون فائدة ذلك: الاخبار بصياح/ الميت عن داع وحرقه «4»، تنبيها على أسفه وشدة ندمه «5» ليتعظ به الأحياء، كما قال الشاعر في صفة الفرس: وشكا إليّ بعبرة وتحمحم «6»

وقال في صفة الحوض: امتلأ الحوض وقال: قطني مهلا «1» رويدا، قد ملأت بطني «2» أي لو كان ممن يتكلم لقال ذلك، وأنتم تستبعدون هذا التقدير، لأن لغتكم وأذهانكم قلف «3» مثلكم، مقصورة على إرادة الحقائق، وليس فيها توسع في المجاز، على أن المجازات في كتب الأنبياء كشعياء وغيره كثير «4» جدا «5»، وهو خفي بعيد حتى أنه في بعض المواضع رمز عقد بمرة «6».

جارٍ التحميل