الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية[حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها]

[حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها]

ثم قال:" فينبغي للعاقل أن يعرف أولا: ما النبوة؟ وما فائدتها؟ وما النبي؟ وما شروطه؟ وما مراد الله تعالى بإرساله لعبيده؟ لأنه لا بد من تصور الشيء «2» قبل/ التصديق به، ليكون الإنسان «3» قادرا على التفرقة بين كذب النبوة وصدقها، وعلى الفصل بين الصادق والكاذب من الأنبياء".
قلت: هذا كلام صحيح، لا اعتراض لنا، ولا لغيرنا عليه.
ثم قال:" ولا بد عند الخوض في هذا من معرفة الكلام في أربعة أمور: حقيقة النبوة، ووجودها، ووقوعها، وضرورة الخلق إليها.
ومنفعتها".
قلت: هذا أيضا كلام صحيح مسلم.
ثم قال:" أما حقيقة النبوة: فإنها وحي صادق نافع للناس إلهي «4»، يكشف عن الغيب الذي لا يمكن انكشافه بحسب مجرى الطبيعة" وذكر ما في هذه القيود من/ الاحترازات، وهي ظاهرة.
قلت: وهذا تعريف صحيح لا مطعن عليه.
ثم قال:" وأما وقوع النبوة فغير منازع فيه، عند أهل الملل الثلاث «5».

وبيانه لمن نازع فيه بحجتين: إحداهما «1»: أن عناية الباري سبحانه/ بخلقه" قد تثبت في اليسير، من مصالح المعاش، كوضع الحواس والأعضاء، متهيئة لما وضعت له ونحو ذلك من نعم الله التي لا تحصى «2». فالعناية بهم في أمر المعاد بإرسال من يهديهم إلى طريق السعادة الأبدية والحياة الدائمة «3»، ويكف شر بعض العالم عن بعض «4»، لينتظم أمرهم أولى «5».

الثانية: ما دل عليه التواتر الكامل الشروط من أن جماعة من الرجال، ادّعوا أنهم رسل الله، وظهرت المعجزات على أيديهم، كمعجزات موسى وعيسى، ورد الشمس ليوشع «1». ثم ذهبوا على أوضح سنن من الطهارة والفضيلة والزهد في الدنيا، ودعوا الناس إلى مثل ذلك: فإن هذا يدل على صدقهم في دعواهم وذلك يفيد وقوع النبوة قطعا، هذا حاصل ما ذكره من الحجتين، لخصته أنا، وهو في عبارته طويل جدا.
قلت: وهاتان الحجتان مسلمتان.
لكن الأولى مبنية على رعاية الأصلح ونحن لا نقول به وجوبا على الله، بل جوازا «2» على جهة

التفضل «1»، خلافا للمعتزلة.
وبهاتين الحجتين بعينهما ثبتت نبوة محمد- عليه السلام-.
أما الأولى: فلأنه بعث على فترة من الرسل طويلة «2»، وقد أكل العالم بعضه بعضا خصوصا العرب في جاهليتها وغاراتها.
وكانوا يعبدون الأوثان.
والنصارى الصلبان.
والفرس: النيران.
وغير ذلك من المنكرات فأزال الله به ذلك وأبدل الناس به خير ما ينبغي «3».

ولا نعلم زمنا قط، كان أحوج إلى/ النبوة من زمن نبوة محمد- عليه السلام «1» -. وأما الثانية: فلأنه ثبت بالتواتر الكامل الشروط.
أنه عليه السلام ادعى النبوة وظهرت على يديه «2» معجزات خارقة سيأتي بيانها وإثباتها على من أنكرها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم توفي صلّى الله عليه وسلم «3» على أوضح سنن، وأظهر طريقة، وأزكاها وأزهدها في الدنيا، ودعى الناس إلى ذلك، والخصم ينازع من هذه الجملة في ظهور المعجز على يده، وفي طهارته.
وسيأتي إثباتهما.

ومن معجزاته: انشقاق القمر له «1»، ورد الشمس لابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه «2» فكان ردها معجزا للنبي عليه السلام/ وكرامة لعلي رضي الله عنه «3» وقد صحح الحديث بذلك «4»:" الطحاوي «5» " و" القاضي عياض «6» وحسبك بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا.
إذ

الإثبات مقدم، وردها ليوشع إنما ثبت عندنا بخبر من أخبار الآحاد، إذ لا وثوق لنا بما يخبر به أهل الكتاب.
فحينئذ الذي ثبت ليوشع النبي، قد ثبت مثله لواحد من أصحاب محمد- عليه السلام-.
قال:" وأما ضرورة الخلق إليها، فلأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة كثير من الأمور «1» الإلهية بمجرد العقل ضرورة، ولا نظرا.
بدون الاطلاع الإلهي على ذلك تكميلا لقصور العقل الإنساني- إذ الموجودات بالنسبة إليه إما معلوم «2» ضرورة، كالعلم بأن/ الجزء أصغر من الكل، أو نظرا كالعلم بوجود الإله، واستحالة الخلاء «3»، أو ما يعجز عن إدراكه، كالعلم بعدد أنواع الحيوانات والنبات فضلا عن عدد أشخاصها، وكالعلم بفصول أكثر الأنواع وبكثير من الطبائع والحقائق على الجملة، لا نشك في أن المجهول عندنا غالب على المعلوم منها.
فما ظنك بالأمور الإلهية/.

ثم ذكر كلام" أرسطو" و" ابن رشد" و" أبي حامد" الذي قدمنا ذكره في المقدمة الثانية.
قلت: هذا كلام صحيح، لا نزاع فيه.
لكن قوله:" كالعلم باستحالة الخلاء" رأي فلسفي، والمتكلمون يخالفونهم فيه، ونبهت «1» على هذا.
وإن لم يتعلق بما نحن بصدده.
وقد ذكر المتكلمون فوائد النبوات «2»:

جارٍ التحميل