أهل الأثرالأرشيف العلمي

[جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك]

قال:" حديث يكذبه النظر، والخبر:" إن الشمس تطلع على قرني شيطان فلا تصلوا لطلوعها «1» " فجعلوا للشيطان قرونا تبلغ «2» إلى السماء وجعلوا الشمس التي هي مثل الأرض مرات تجري بين قرنيه، وهم مع هذا يزعمون أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فهو في هذه الحال ألطف من كل شيء وفي تلك الحال أعظم من كل شيء، وجعلوا علة ترك الصلاة، في وقت طلوع الشمس طلوعها من بين قرنيه، وما على المصلي لله إذا/ خرجت الشمس بين قرني الشيطان؟ وما في هذا مما يمنع من الصلاة لله؟.
قلت: الجواب عن هذا الحديث قد سبق «3»، لكنه لم يوجه السؤال منه هناك كما وجهه هاهنا فيحتاج أن نعيده فنقول: الجواب من وجوه: أحدها: ما ذكر عن" إبراهيم الحربي «4» " وحسبك به إماما في معرفة

الحديث ومعانيه- قال:" هذا تمثيل أي حينئذ يتحرك/ الشيطان ويتسلط، يعني حيث يرى الكفار قد أشركوا/ بالله وسجدوا للشمس في الشرق والغرب، وهم المراد بقرنيه" قال:" كذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أي يتسلط عليه، فيوسوس له، لا أنه يدخل جوفه" «1». الوجه الثاني: جواب مفصل: قوله:" جعلوا للشيطان قرونا تبلغ إلى السماء".
أما جعل القرون له فمبني على جسميته وقد أثبتناها قبل هذا، وإن كانت مادته لطيفة.
وعندكم «2» أن الملائكة منهم على صور البقر وعلى صور الأسد، وعلى صور النسور وعلى صور الناس.
وإذا جاز هذا في الملائكة كان في الشياطين أجوز، لأن الجميع مشترك في التجرد عن المادة عند الفلاسفة «3» وفي لطافتها عندنا.
وأما كون قرونه تبلغ إلى السماء فلم نقل به، ولا هو لازم لقولنا، بل يجوز في رأي العين أن تخرج الشمس بين جبلين، بل أكمتين، بل جدارين صغيرين بل انسانين بل من بين قرني ثور متباعدين قليلا، كما تقرر في قوله «4»: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ... (86) «5».

قوله:" وهم مع ذلك يزعمون: أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم".
قلنا: نعم ولذلك توجيهان: أحدهما:/ أن الشياطين كثيرة فالذي يجري من ابن آدم مجرى الدم هو قرينه الملازم له، كما سبق في قوله- عليه السلام-:" ما منكم أحد إلا معه شيطان «1» ". والذي تطلع الشمس بين قرينه شيطان آخر أكبر منه، فإن جنود إبليس كثيرون على أنواع وصفات مختلفة بينهم في أشغاله ومهامه، ولا يمتنع أنه يبعث بعض سحرة الشياطين العظيمي الخلقة أو غيرهم، فيقارن الشمس ويزينها في أعين الكفار بزينة صنم أو آلهة على جهة الشعبذة والتخييل فيسجدون لها لزينتها في أعينهم فإنا قد علمنا في بني آدم من يأتي من التخييلات بما لا يشك الرائي في ثبوته في الأعيان، وهو سيماء «2» وتخييل، لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي خيالات ذهنية تغلب وتقوى وتستولي حتى تغلب الأحكام الخارجية، فيبقى الإنسان كأنه نائم يقظان، وقد علم هذا بفعل سحرة فرعون حيث خيلوا أن حبالهم حيات تسعى.
الوجه الثاني: أن مادة الشيطان لطيفة، وقد جعل له من القابلية، والقوة ما أنه/ يتشكل في أشكال مختلفة ويتصور في صور متباينة، فإن سلمنا أن الشيطان المقارن للشمس هو الجاري من ابن آدم مجرى الدم وأنه كبير عظيم هائل الخلقة،

فلا يمتنع أن يكون يتشكل عند مقارنتها بشكل عظيم وعند جريانه من ابن آدم بشكل صغير كما قرره" ابن الأشل" مطران" حمص"- وهو من فضلاء النصارى- في أن خالق السموات والأرض ظهر لإبراهيم في صورة كبش، ولإسرائيل في صورة رجل صارعه إلى الصبح ولموسى في صورة نار في عليقة «1» وظهر للناس في صورة/ المسيح فهذا- وإن كنا ننكره عليكم- لكنه يلزمكم لتجويزكم إياه أو بعضكم ممن هو موافق لكم على مقالتكم أو بعضها، فما ذكرناه في الشيطان أولى بالجواز، وأما الملائكة، فثبت ذلك فيهم في دين الإسلام فملك الموت: الدنيا بين عينيه كدارة درهم «2»، ثم إنه جاء إلى موسى في صورة رجل فأراد قبض روحه،

ففقأ موسى عينه «1»، وجبريل تراءى للنبي- صلى الله عليه وسلم- في أول الأمر، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب «2». ثم كان يأتيه بعد ذلك في صورة دحية الكلبي «3» - رجل أعرابي-/ وجاءه مرة في صورة شاب أبيض الثياب، يسأله عن معالم الدين

ليتعلمها المسلمون «1». ثم هذا مما لا يمتنع عقلا أن تكون المادة منطبعة لطيفة تقبل توارد الأشكال عليها، كبندقة شمع «2»، إن شئت صورتها فرسا أو فيلا أو خنزيرا أو شجرة، كبيرا ذلك أو صغيرا، وكالنور والماء إذا وجدا محلا فسيحا انبسطا فيه كشعاع الشمس في الفضاء، والماء في البحار، وإذا اكتنفتهما الأجرام الكثيفة انقبضا كالنور في كوة البيت «3»، يرى دقيقا ضئيلا، والماء في ساقية الدولاب «4»، وأنبوب القصب «5» ونحوه يرى دقيقا قليلا.
فهذا أنهى ما تصل إليه عقول البشر «6» في هذا من التقريب والتمثيل ووراء ذلك أمر لا يرام جليل.

الوجه الثالث: ما سبق من قول الخطابي «1»: أن قوله:" بين قرني الشيطان" من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد بمعانيها، ويجب علينا التصديق بها، والوقوف عند الإقرار بأحكامها، والعمل بها يعني التسليم المحض والتقليد الصرف/- بناء على ما سبق «2» من قول" أرسطو" وغيره «3»:" إن عقولنا عند أحكام المبادي الأولى «4» كالخفاش عند شعاع الشمس".
قوله:" جعلوا علة ترك الصلاة لله: طلوع/ الشمس بين قرني الشيطان وليس مناسب".

فصول الكتاب · 100 فصل · 959 صفحة
الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية
تأليف الطوفي
الأولى، 1419هـ
تقدّمك في الكتاب: [جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك] — 77 من 107
فصول الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية · 959 صفحة
[الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية]ـأولا: المقدمةالمقدمةثانيا: قسم الدراسةالفصل الأول: ما له أثر في حياة الطوفي
الفصل الثاني: حياة الطوفي
ثالثا: التحقيقالخطبةالمقدمات ثلاث[المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب][المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع][المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول][المتنبئون الكذبة والتحذير منهم][حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها][فوائد النبوات ومنفعتها][النبي وشروطه][موقف النصارى من النكاح][فوائد النكاح وفضيلته][الأنبياء والنكاح][ظهور المعجز على يد النبي][موافقة ما يأتي به النبي للفطرة][موقف عتاة النصارى من نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم][امتحان شرط الصدق في نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم][المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم][المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم][الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد صلى الله عليه وسلم][رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "][رد شبهة النصارى في سكوت زكريا عليه السلام][رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له][رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج][تناقض كتب النصارى التي بأيديهم][ابطال دعوى صلب المسيح عليه السلام][أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك][البشارة بمحمد- صلى الله عليه وسلم- في التوراة والإنجيل][أصل خلق الإنسان واعتراض النصراني على الآيات المخبرة بذلك][قصة الغرانيق، وتعرض الشياطين للأنبياء][تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك][بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان عليه السلام][الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين][تجسم الملائكة والرد على النصراني في إنكار ذلك][الرد على النصارى في إنكار صفات الباري سبحانه][القضاء والقدر وأفعال العباد وضلال النصارى في ذلك][كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك][عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه][الحشر والحساب يوم القيامة والرد على النصراني في إنكاره][الإسراء والمعراج][الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه][رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة][البعث والمعاد والرد على المنكر لذلك][الرد على اعتراض النصراني على خلق السموات والأرض في ستة أيام][مكان دفن الأنبياء]علامات الساعة وموقف النصارى منها[منافع الحبة السوداء][طهارة محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلو همته][معجزات محمد- صلى الله عليه وسلم- وموقف النصراني منها]
:" الشرط الثالث" الإعجاز
[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته]:" الشرط الرابع: حسن الشريعة[نسخ شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم- لشرائع الأنبياء قبله][تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية][الرد على النصراني في ادعائه أن الإسلام أجاز إتيان المرأة في دبرها][كراهة الطلاق وإباحته لمصلحة الزوجين][نكاح المتعة وموقف الإسلام منه][العزل وإباحته في غير معارضة القدر][الاستمتاع بالحائض في زمن الحيض][حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين][متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه][حسن العطاس وكراهة التثاؤب][آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها][حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك][التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب][جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك][النهي عن مشابهة النصارى غيرهم في أوقات الصلوات][إثبات نصوص الصفات على ما يليق بالله سبحانه][حث محمد- صلى الله عليه وسلم- لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده][زيارة النبي- صلى الله عليه وسلم- لقبر أمه. وأنه لا محذور في ذلك][الرد على زعم النصراني بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا بدّ أن يعلم الغيب][نفي الضلال عن أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- وشدة الموت عليه والرد على شبهة النصراني في ذلك][مكان قبض النبي صلى الله عليه وسلم وشدة الموت عليه، والرد على شبهة النصراني في ذلك]الحجة الأولىالحجة الثانيةالحجة الثالثةالحجة الرابعةالحجة الخامسةالحجة السادسةالحجة السابعةالحجة الثامنةالحجة التاسعةالحجة العاشرةالفهارسأولا: فهرس الآيات القرآنيةثانيا: فهرس الأحاديث والآثارثالثا: فهرس الأشعاررابعا: الأمثالخامسا: فهرس الألفاظ والمصطلحات المشروحة
سادسا: فهرس الأعلام
سابعا: فهرس الأماكن والمواقع والبقاعثامنا: فهرس الفرق والأمم
تاسعا: فهرس المراجع والمصادر
عاشرا: فهرس الموضوعات
جارٍ التحميل