الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانيةصفحات 168-207

الفصل الثاني: حياة الطوفي

صفحات 168-207

والاختلال، وقدمت على ذلك مقدمات كلية تتضمن مباحث جلية، عليها يبني معظم الجواب، وبها يتيسر ظهور الصواب وعلى الله توكلي وإليه المآب".
بدأ الطوفي رده على النصراني بذكر ثلاث مقدمات كلية ليبنى عليها معظم رده على أسئلة النصراني وشبهاته ومطاعنه تتلخص فيما يلي: 1 - سد باب الاستدلال على المسلمين بكتب الأوائل مطلقا، لعدم الوثوق بها وجرأتهم على تحريفها.
2 - أن محمدا- صلّى الله عليه وسلم- لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه أو يدركه، وإن قصر عن إدراك مضمونه مما هو من التعبدات الشرعية التي أخبر بها النبي الصادق صلّى الله عليه وسلم.
3 - أن الشريعة لها أصول وفروع، ولا تثبت أصولها إلا بقاطع كالبديهيات والضروريات والمتواترات ونحوها، وأخرج خبر الواحد فادعى أنه لا تثبت به أصول الشريعة- وقد سبق الاعتراض عليه وبيان الحق والحمد لله-.
ثم انتقل إلى الكلام عما ورد في كتاب النصراني على النحو التالي: 1 - ابتدأ مناقضته في أول ما افتتح به كتابه: وهو قول المسيح- على زعم النصراني-" احذروا من الأنبياء الكذابين الذين يأتونكم في لباس الضأن... ". 2 - كان يورد جزءا من نص كتاب النصراني ثم يبدأ الإجابة عن هذا الجزء وهكذا إلى أن انتهى من الكتاب كله.
لكنه أحيانا يترك ما يستطرد فيه النصراني مما لا حاجة إلى نقله والإجابة عنه.

وإذا أطال النصراني في بعض المواضع: اختصره الطوفي ثم أجاب عنه.
يقول- رحمه الله-:" وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال المعنى وأعرضت عن مكافأته على سوء أدبه على النبي صلّى الله عليه وسلم بمثله لا إكراما له بل هوانا بقدره ومحله" اهـ. 3 - ختم الكتاب بعشر حجج هي خلاصة الكتاب.
وزبدة الرد على النصراني، فالمناظرة إذا كانت مبنية على مقدمات مشتركة بين المتناظرين كالحكم بينهما فالخاتمة تكون لمن وافقت دعوته تلك المقدمات وقد ختم الطوفي كتابه بالحجج المذكورة ليثبت بها صحة دين الإسلام وصدق محمد- صلّى الله عليه وسلم-، وهو أسلوب مفيد جدا، وهو أسلوب الأدباء والعلماء البارعين.
4 - وقد كانت إجاباته متميزة بالموضوعية، فلا يخرج عن الهدف الذي يقصده النصراني، ولا يستطرد عند الإجابة فيما لا صلة له بالموضوع.
5 - التزم أدب الجدل والمناظرة إلى حد كبير جدا، آخذا بما أمر الله به في مجادلة أهل الكتاب في قوله تعالى: ولا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) «1». وقوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) «2» 6 - كان يسوق الأدلة من القرآن والسنة التي استدل بها النصراني وطعن فيها، ثم

يورد وجه استدلاله بها ثم يرد عليه.
وأحيانا لا يذكر النصراني وجه الاستدلال بالنص الشرعي، أو وجه اعتراضه على النص فيورده الطوفي بناء على ما علمه من عادة النصارى وغيرهم من المرتدين عن الإسلام، وولعوا بإيراده من الاعتراضات على تلك النصوص.
7 - يبدأ الإجابة بتوجيه النصوص وتفسيرها وذكر أسباب النزول أو ورود الحديث إن وجد ذلك، ثم مناقشة الخصم ودحض ما قاله من شبهات.
وله معرفة قوية بأقوال المفسرين، واختيار القول الذي عليه جمهور المفسرين، وله باع في الحديث والحكم عليه أحيانا، وليس كما رماه بعض من غاضه بأنه قليل البضاعة فيه كما تقدم عند الحديث عن علمه وآثاره العلمية.
كما أنه كان يسوق بعض نصوص السيرة المشهورة عند أهل المغازي والسير، للاستشهاد بها عند الحاجة إليها.
وكان يذكر بعض الإسرائيليات أيضا للاستشهاد بها كما يفعل بعض المفسرين.
وهو في ذلك كله يعزو النصوص إلى مصادرها، ويسند الأقوال إلى قائليها.
والآراء إلى أصحابها- إلا ما ندر- في حافظة عجيبة وأمانة علمية.
8 - كان يسوق الحجج العقلية في الرد على النصراني، وقد تميزت بقوتها خاصة وأن الطوفي من علماء أصول الفقه الذي يعطي العالم مراسا على وضع القواعد المنطقية لإثبات قضية من القضايا الشرعية بما يوافق نصوص الكتاب والسنة ولا يعارضها، ثم إنه متمرس في المناظرات والجدل العلمي في بغداد وغيرها كما سبق.

9 - كان يسلم للنصراني ما في كلامه من حق يوافق الكتاب والسنة أولا يعارض شرع الإسلام، وليس للنصراني- أو غيره- متمسك في ذلك.
والأمثلة على ذلك كثيرة ظاهرة من الكتاب.
10 - كان يذكر أحيانا الرد على وجه الإجمال ثم يكر فيفصل الإجابة ويسوق الوجوه القوية في الرد على دعوى النصراني وافتراءاته.
11 - كان الطوفي يورد على الخصم ما يدعي أنه يؤمن به، ويزعم أنه الحق، من نصوص الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل، وهي توافق ما جاء به القرآن والسنة أو تخالف ما ادعاه النصراني، وهذا من أقوى الطرق في إفحام الخصم وفضح مقصده ورد كيده.
وأرى أن هذا منهج عظيم في الرد على المخالفين أن يستدل عليهم بما عندهم.
والنصوص التي عندهم يقرر الطوفي أنه وقع التحريف والتبديل على جملتها لا في كل قضية من القضايا متمسكا بما قاله النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) «1»» «2». وهذا يعني أن هناك ألفاظا لم تحرف فهي حجة عليهم، وقد يكون الغلط في تفسيرها وحملها على غير المعنى المراد منها، خاصة وأنها قد ترجمت من لغة إلى أخرى، فتعاورتها الأيدي والألسنة التي ربما تكون جاهلة بالمعاني وتفسير النصوص.

12 - لم يكتف- رحمه الله- بالدفاع بل تعدى ذلك إلى مرحلة الهجوم على الخصم، وقد أتاه من مأمنه، فبين في عدة مواضع فساد دينهم المحرف وما هم عليه، وعدم الوثوق بما لديهم من الكتب المحرفة، وبين وجه تحريفهم لها وتناقضها بما لا يستطيعون الإجابة عنه.
13 - كشف في هذا الكتاب أن النصارى يتعبدون بغير ما في كتبهم التي يدعون صحتها وأنها المنزلة من عند الله، وأن دينهم الذي هم عليه لا تقره هذه الكتب، بل لقد كشف أن هذا النصراني لا نصرانيا متمسكا بدين النصارى ولا فيلسوفا محضا، وألمح بأنه لا يدين بدين من الأديان الصحيحة أو المحرفة.
المصادر التي اعتمد عليها الطوفي في تأليف كتابه هذا: لا ريب أن الإمام الطوفي كغيره من المصنفين الذين يعتمدون في مؤلفاتهم على كثير من المصادر التي تتحدث عن الموضوع الذي يصنف فيه.
والمطلع على كتب الطوفي- رحمه الله- يدرك غزارة علمه وسعة اطلاعه على كثير من العلوم والفنون.
ويلحظ قوة حافظته واعتداده بنفسه، وقوة حجته في مناقشاته.
والقارئ لكتابه هذا:" الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية" يرى كثرة مراجعه ومصادره التي اعتمد عليها، وإن كان لم يذكر جميع الكتب والمصادر التي رجع إليها، فهو إما أن يذكر المؤلف واسم كتابه، أو يكتفي بذكر المؤلف دون

كتابه وهذا قليل.
وقد لا يذكر المصادر أو أصحابها إذا كانت المسألة مشهورة في فن من الفنون، إلا أنه مستقل بفهم ما تحدث عنه.
وله وجهة نظره ورأيه الذي استقل به، فهو لا يتابع أحدا دون فهم.
لقد نقل الطوفي في هذا الكتاب من كتب مختلفة ومتعددة وأكثر من كتب التفسير والحديث والسير، وكتب النصارى، وكتب أصول الدين وأصول الفقه والأدب واللغة وغيرها.
وقد رأيت أن أذكر مصادره التي صرح بها على سبيل الاختصار، مرتبة على الفنون: أولا: مصادره في التفسير وعلومه: 1 - جامع البيان عن تأويل القرآن «1»: للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري «2». 2 - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز «3»: للقاضي أبي محمد عبد الحق ابن

غالب بن عطية الأندلسي.
3 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: لأبي القاسم الزمخشري «1». 4 - تفسير القرآن «2»: للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني «3». 5 - تفسير الديار بكري «4». 6 - الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله القرطبي.
7 - الاكسير في قواعد التفسير: للمؤلف.

هذه الكتب التي صرح بالنقل منها في هذا الكتاب وإلا فقد راجع واستفاد من بقية كتب هذا الفن وكتب علوم القرآن وعلم القراءات مما يتصل بتفسير القرآن الكريم وعلومه.
وقد أشرت إلى بعضها في الهوامش.
ثانيا: مصادره من كتب السنة وعلومها: استفاد الطوفي- رحمه الله- من الكتب الستة وغيرها، وكان أغلب نقله منها، ومما صرح بالنقل فيه من كتب السنة وشروحها وعلومها: 1 - الجامع الصحيح المسند المختصر في أمور رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسننه وآدابه «1»: للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256 هـ. 2 - الجامع الصحيح: أو المسند الصحيح «2»: للإمام مسلم «3». 3 - السنن: للإمام أبي داود السجستاني «4».

4 - الجامع الصحيح، المعروف بسنن الترمذي: للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفى سنة 279 هـ. 5 - السنن: للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة 303 هـ. 6 - السنن: للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني الربعي المشهور بابن ماجه المتوفى سنة 273 هـ. 7 - المسند: للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة 241 هـ. 8 - معالم السنن «1» شرح سنن أبي داود: للإمام الخطابي «2». 9 - مختلف الحديث «3»، أو تأويل مختلف الحديث: للإمام أبي محمد بن

قتيبة «1». 10 - مشكل الآثار: للإمام أبي جعفر الطحاوي «2». 11 - رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلّى الله عليه وسلم: للإمام النووي «3». ثالثا: مصادره في السيرة النبوية: لقد ذكر الطوفي- رحمه الله- في كتابه هذا نصوصا كثيرة من كتب السيرة

مما يتعلق بموضوعه ليوضح القضايا التي عرض لها بالشواهد الصحيحة والأدلة النقلية الثابتة ومما استفاد منه من كتب السيرة، وقد ذكرها في هذا الكتاب: 1 - السيرة النبوية: لابن هشام «1». 2 - الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام: للفقيه أبي القاسم السهيلي «2». 3 - الشفاء بتعريف حقوق المصطفى صلّى الله عليه وسلم: للقاضي عياض «3». 4 - سيرة البكري، أو غزوة الأحزاب: لأبي الحسن البكري «4».

5 - البشر بخير البشر: للأديب المفسر ابن ظفر «1». 6 - أعلام النبوة، أو دلائل النبوة: لأبي الحسن الماوردي «2». 7 - الوفاء في فضائل المصطفى صلّى الله عليه وسلم: لأبي الفرج ابن الجوزي «3».

8 - الأمالي لابن مكة «1»: هكذا ذكره الطوفي- رحمه الله-.
9 - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: للإمام البيهقي «2». 10 - قصص الأنبياء: للمؤرخ وثيمة بن موسى الوشاء «3».

رابعا: من مصادره في الأدب: 1 - ديوان امرئ القيس «1» الكندي.
2 - ديوان عنترة العبسي «2». خامسا: من مصادره في أصول الدين وأصول الفقه والتاريخ وغيرها: ذكر الطوفي بعض مصادره في هذه الفنون، ونحن نورد ما صرح به فقط: 1 - الرد على الزنادقة والجهمية: للإمام أحمد بن محمد بن حنبل.
2 - القواعد الدمشقية في أصول الفقه: للمؤلف.
3 - الفوائد: للمؤلف.
4 - تقرير الثالوث: لابن الأشل النصراني «3». 5 - قانون التثليث: لابن الأشل النصراني.
6 - كتاب العظمة: لأبي جعفر بن حيان «4».

7 - المباحث المشرقية «1»: للفخر الرازي «2». 8 - درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح: للمؤلف.
9 - القواعد الصغرى: للمؤلف.
10 - تعاليق على الأناجيل الأربعة وكتب الاثني عشر: للمؤلف.
11 - إفحام النصارى: للمهتدي ابن جزلة «3». 12 - منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان" طب" للمهتدي الطبيب ابن جزلة.
وقد رجع إلى غير هذه الكتب في هذه الفنون وغيرها، مما أعطى كتابه هذا قيمة علمية كبيرة.

مقارنة بين كتاب الانتصارات الإسلامية وبعض ما ألف في الرد على النصارى: كان الصراع كما سبق مستمرا بين المسلمين والنصارى، سواء بالسلاح المادي، أو بالجدل والمناظرة، أو بالرسائل والكتب، وليس كتاب الطوفي هذا هو الوحيد في الرد على النصارى، سواء منه هو، أو من بقية العلماء في القرون المتقدمة عليه أو المتأخرة عنه، وليس هو وحده الذي رد عليهم في الفترة التي عاش فيها.
فله كتابان آخران هما: تعاليق على الأناجيل الأربعة وكتب الاثني عشر، وتعاليق في الرد على جماعة من النصارى، فالأول قد أشار إليه وأحال عليه في مواضع من كتابه هذا" الانتصارات الإسلامية... " والآخر لم يشر إليه فيه، وإن كان ألمح إليه في مواضع من كتاب الإشارات الإلهية، عند ما تحدث عن بعض شبهاتهم وعقائدهم في الحديث عن الآيات التي تتحدث عن ذلك، فيقول مثلا: «وقد تكلمنا عن ذلك في الرد عليهم»، كما أن المترجمين للطوفي ذكروه أيضا، والذي يظهر لي أنه ألفه بعد كتاب الانتصارات الإسلامية لأنه لم يشر في هذا الكتاب كما فعل ذلك بالنسبة إلى كتاب تعاليق على الأناجيل.
وقد شارك عدد كبير من العلماء في الرد على النصارى من القرون الأولى إلي يومنا هذا، إما بإفراد مؤلفات خاصة بذلك أو ضمن كتب تتحدث عن الملل والنحل أو غيرها.
ومما أفرد في الرد على النصارى في كتب مستقلة:

1 - المختار في الرد على النصارى: للجاحظ «1». 2 - الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل: للإمام أبي حامد الغزالي.
3 - مقامع هامات الصلبان ورواتع روضات الإيمان: لأبي عبيدة الخزرجي «2»، وقد طبعه الدكتور محمد أبو شامة.
وحرف اسمه إلى:" بين الإسلام والمسحية" وفي تقديمه للكتاب أخطاء ليس المقام مناسب لذكرها.
4 - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام... للقرطبي.
5 - النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية: لنصر بن يحيى المتطبب «3». 6 - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة: للقرافي.
7 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: لابن تيمية.

8 - تحفة الأريب في الرد على عباد الصليب: لعبد الله الترجمان «1». 9 - منظومة الأبوصيري.
10 - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى: لابن قيم الجوزية «2». 11 - منحة القريب المجيب في الرد علي عباد الصليب: لعبد العزيز بن معمر «3». 12 - إظهار الحق: لرحمة الله الهندي «4». وغيرها كثير، قديما وحديثا.

ومن الكتب التي تضمنت الرد على النصارى ولم تفرد لذلك: 1 - الفصل في الملل والنحل: لابن حزم الأندلسي «1». 2 - المغني في أبواب التوحيد والعدل: للقاضي عبد الجبار «2». 3 - الملل والنحل: للشهرستاني «3». ومن ذلك أيضا كتب دلائل النبوة وغيرها.

وسأخص بحديثي في هذه المقارنة ما كان منها مفرد للرد على النصارى دون غيرها، كما أنني سأجعل المقارنة وضرب الأمثلة بالكتب المهمة التي تغني عن باقيها على وجه العموم.
إن المطلع على الكتب المذكورة آنفا يجد أنها قد اشتركت في عدد من القضايا الهامة في الرد على النصارى، فقد اشتركت في مناقشتهم في الأمور التالية: 1 - إبطال قول النصارى بألوهية عيسى وربوبيته، أو أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، أو إنه إله من جهة أبيه، وإنسان من جهة أمه.
على اختلاف مذاهب النصارى في ذلك.
2 - رد قول النصارى بالتثليث، والأقانيم الثلاثة، الأب والابن وروح القدس إله واحد، على تفسيراتهم التي لا يقبلها عقل عاقل.
3 - رد قولهم بالاتحاد والحلول، على اختلاف بين فرقهم في كيفية ذلك.
4 - وقوع التحريف والتبديل في الكتب التي بأيدي النصارى، ووقوع ذلك في دين النصارى، ومخالفة ما يتعبدون به، لما يدعونه صحيحا من الكتب التي بأيديهم، وعدم الوثوق بهذه الكتب.
5 - إثبات نبوة النبي محمد صلّى الله عليه وسلم، وتأييده بالمعجزات والبشارة به في كتب الأنبياء السابقين والكتب التي بأيدي النصارى.
6 - إبطال قول النصارى في الصلب والفداء.
وهذه القضايا هي أصول عقيدة النصرانية، وإبطالها هدم لعقيدتهم من القواعد، وكشف للعقلاء بأن النصارى ليسوا على شيء في دينهم.
وأنه لا يقبل لهم قول في إبطال دين الإسلام.

غير أن أغلب هذه الكتب لم يقتصر على القضايا المذكورة، بل تعرضت للرد على شبه كثيرة تولع النصارى بإيرادها للطعن في الإسلام: في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم وفي القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وفي الأحكام التي تضمنها الإسلام في العبادات والمعاملات، وغير ذلك.
ثم إن ما وصل كل عالم من هؤلاء العلماء من شبهات النصارى غير ما وصل الآخر، إلا نادرا، وقد تتفق كثير من الشبه في مضمونها ولكن تختلف في أسلوبها وعرضها على المسلمين.
ولكل كتاب من الكتب المتقدم ذكرها أسلوب ومنهج يختلف عن الآخر في مناقشة القضايا السابقة والشبه المثارة، من حيث الإسهاب والاختصار وإيراد الحجج العقلية المنطقية، وكيفية تناول هذه القضايا والطريقة التي اختطها كل مؤلف من هؤلاء المصنفين، في شبه النصارى ودحض زيفهم.
فبعضهم يرى أنه لا يليق بالعاقل أن يطيل الحديث مع النصارى في هذه القضايا وغيرها من الشبه التي يوردونها، فسلك مسلك الاختصار، ورد عليهم بردود عقلية موجزة، لأنه في نظره لا يليق بالعاقل أن يؤهلهم للحديث معهم وقد عجزوا عن تصوير دينهم الذي يدعونه، فضلا عن إقامة الدليل عليه، كما فعل القرافي في الأجوبة الفاخرة.
ومن نهج منهجه في الاختصار.
وبعضهم يرى أن الرد بتوسع وإسهاب قد لا ينتفع به القارئ أو السامع، فيستحسن أن يكون الرد واضحا لا يخفى مع تلخيص العبارة وتخليص المعاني ونصوصيتها، خشية الضجر والإملال من السامع أو القارئ، والإخلال بالموضوع في الخروج عن المقصود، واختلال الفكرة وصعوبة الفهم مع التطويل والاستطراد.
وهذا هو رأي الطوفي- رحمه الله- وهو ما سلكه في كتاب الانتصارات الإسلامية.

وبعضهم قد أفاض في الحديث مع النصارى ومناقشاتهم في هذه القضايا وغيرها فسلك مسلك الطول والإسهاب، وتوسع واستطرد في بعض القضايا التي قد يكون لها صلة، أو مناسبة، وذلك لأن الرد على شبه الخصم التي يثيرونها ضد الإسلام تحتاج الإجابة عليها في نظره إلى إحاطة وإحكام، لئلا تجد قلوبا ضعيفة، وعقولا خالية، فيلتبس الحق بالباطل... وهذا منهج ابن تيمية- رحمه الله- في الجواب الصحيح.
ثم إن هناك أمرا آخر وهو السبب أو الدافع لتأليف الكتاب: فأكثر من رد على النصارى إنما فعل ذلك ردا على رسالة وصلت إليه أو كتاب اطلع عليه يطعن في دين الإسلام، وقد تكون الرسالة أو الكتاب متضمنا لقضايا غير التي ذكرت سابقا فلا يتحدث إلا فيما يهدف إليه الكاتب النصراني، ويكون حديثه عن هذه القضايا أو غيرهما من الشبه على قدر ما تستحق، ويرى ذلك كافيا في الرد على النصارى.
كما يتضح من مقامع هامات الصلبان مثلا.
وقد يكون لسعة العلم والاطلاع وعلو منزلة المؤلف ومقدرته العلمية أثر في التوسع والاقتصاد في الحديث مع النصارى في كل ما يتعلق بعقيدتهم أو الشبهات التي يثيرونها.
ثم إن كل كتاب من هذه الكتب ألف في وقت يختلف عن الوقت الذي ألف فيه الآخر كتابه، من حيث الظروف السياسية والثقافية والفكرية والعقدية مما جعل كل واحد منهم ينهج في رده على النصارى ما يناسب فكره وعقيدته.
فهذا الجاحظ من السابقين في التصدي لشبهات النصارى إلا إنه لم يوفق في مناقشتهم على المذهب الحق الذي كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح، لأنه بنى مناقشته لهم على مذهبه الفاسد في تقديم العقل على النقل،

وتأويل النصوص وصرفها عن حقائق ألفاظها الظاهرة إلى احتمالات مرجوحة وتأويلات فاسدة.
ومما يشهد بذلك قوله في الرد على النصارى:" وأنت تعلم أن اليهود لو أخذوا القرآن فترجموه بالعبرانية لأخرجوه من معانيه، ولحولوه عن وجوهه.
وما ظنك بهم إذا ترجموا فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ... (55) «1» و... ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (39) «2»...، وقد تعلم أن مفسري كتابنا وأصحاب التأويل منا أحسن معرفة، وأعلم بوجوه الكلام من اليهود ومتأولي الكتب، ونحن قد نجد في تفسيرهم ما لا يجوز على الله في صفته: لا عند المتكلمين في مقاييسهم، ولا عند النحويين في عربيتهم... «3» " اهـ. هذا مع أن رده قوي لا أنكر ذلك.
وهذا الأبوصيري قد تأثر رده في منظومته بما ينتحله من مذهب الصوفية حتى أنه قال فيها: وإذا تعسرت الأمور فإنني راج لها بمحمد تسهيلا «4» وهذا الغزالي يدعو في رده الجميل على النصارى إلى التأويل المذموم فهو يقول في أول رده:"... فلا بد من تقديم أصلين متفق عليهما بين أهل العلم: أحدهما: أن النصوص إذا وردت فإن وافقت المعقول تركت ظواهرها وإن خالفت صريح المعقول وجب تأويلها واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة فيجب إذ ذاك ردها إلى المجاز «5» " اهـ.

قلت: وهذا غير الصواب والحق، فإن النصوص الشرعية الصحيحة لا تعارض المعقول أبدا، ولكن قد يكون فهم الإنسان قاصرا سقيما فيظن أنها تخالف العقل، وإلا فإن الله لا يخاطب العقول بما تحار فيه وتعجز عن فهمه.
واللفظ لا يصرف من معناه الراجح الظاهر إلى المعنى المرجوح إلا اذا صحب الكلام قرينة توجب ذلك، ويكون حينئذ معناه هو المراد.
كما أن بعض هؤلاء المصنفين على مذهب الأشاعرة وخاصة في صفات الله تعالى ولا يتيسر الآن ذكر ما لاحظته في ذلك لأنه يطول.
وأضيف إلى هذا أيضا: إن بعض مؤلفي كتب الرد على النصارى كانوا على دين النصرانية المحرفة فلما هداهم الله تعالى إلى الإسلام ردوا على النصارى وبينوا ما هم عليه من زيف وضلال، فكانوا أخبر من غيرهم في كشف أشياء من عقيدة النصارى، وأعمالهم قد تخفى على غيرهم، ولا يبيح بها النصارى، كما يتضح لنا من كتاب: النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب، ومن كتاب: تحفة الأريب في الرد على عباد الصليب، للمهتدي عبد الله الترجمان «1»، ولكن لم يكونوا على درجة علمية تضاهي درجة العلماء البارزين

كأمثال ابن تيمية والقرافي والطوفي، وغيرهم لصعوبة اللغة على بعض أولئك أو قلة تمكنه من العلوم الشرعية وفنونها كأصول الفقه والمنطق وغير ذلك.
وقد اتفق هؤلاء جميعا في الاحتجاج بما عند النصارى من الكتب على بطلان ما يتعبدون به، وما يدعون أنه الدين الحق.
مع دخول التحريف والتبديل على تلك الكتب، وذلك من باب إلزام الخصم بما عنده، ويدعي أنه يؤمن به.
لكن قد يكون بين هؤلاء العلماء فرق كيفية الاستدلال بتلك النصوص واستنباط ما فيها مما يشهد على هؤلاء النصارى.
والطوفي- رحمه الله- له التجربة الدقيقة والخبرة الكافية في سبر كتب القوم والتعرف على مواطن الضعف وتوضيح وجوه الطعن فيها، كما يتضح ذلك من كتابه: تعاليق على الأناجيل، ومن كتاب الانتصارات الإسلامية أيضا.
كما أن من هؤلاء العلماء من كان على دين النصارى ثم هداه الله إلى الحق فكان أخبر بهذه النصوص والمقصود منها، خاصة وأن بعضهم كان قد وصل إلى مرتبة الإقراء، والشرح لها، كالشيخ عبد الله الترجمان- رحمه الله-، ونصر بن يحيى المتطبب، ولهم تجربتهم مع هذه الكتب وفهم مدلولاتها عند النصارى وقساوستهم.
غير أن بعض العلماء الذين احتجوا بنصوص الكتب التي بأيدي النصارى قد أسهبوا كثيرا في ذلك كالشيخ رحمة الله الهندي- رحمه الله-، وإن كان له عذره في ذلك- وهو أن كتابه: إظهار الحق ثمرة للمناظرة الكبرى التي دارت بينه وبين القس فندر «1»، أحد طلائع الاستعمار الصليبي في الهند، الذي لا يؤمن بشيء من

تلك الكتب، فقد أراد الشيخ رحمة الله أن يبين زيف ما عليه النصراني وقومه من ضلال بشهادة كتبهم التي بأيديهم، ثم إنه جعل ذلك هجوما على هؤلاء النصارى بما يدعون أنه صحيح وليس كذلك.
وقد كان بين هذه الكتب التي ردت على النصارى اختلاف في طريقة العرض.
فبعضهم كان يسرد رسالة النصراني، أو شبهات النصارى كاملة ثم يبدأ بالرد عليها بعد ذلك بأن يتناول كل شبهة بالرد حتى ينتهي من مناقشة تلك الشكوك والشبهات.
كما فعل الخزرجي في مقامع هامات الصلبان.
ولعل في ذلك خطرا على من يقرأ الشبهة بعيدة عن الإجابة، والأحوط عرض الشبهة واتباعها بالإجابة حسب ترتيب الرسالة، كما فعل الطوفي وابن تيمية والقرافي وابن معمر- رحمهم الله تعالى-، فإن في ذلك محافظة على نص الرسالة أو الكتاب، وسلامة من خطر علوق الشبهة في ذهن القارئ قبل الوصول إلى الإجابة عنها في موضع بعيد من الكتاب.
ومنهم من كان يأخذ جزءا من كلام النصراني ثم يعقبه بالرد والمناقشة فيقول: قال النصراني أو النصارى كذا.
والجواب عنه كذا وكذا، وهذا ما فعله الطوفي وابن تيمية وابن معمر والقرافي- رحمهم الله تعالى- كما سبق-.
كما أن من العلماء من كان يسرد الإجابة على شبه النصارى سردا بأسلوب لاذع تعتريه العاطفة أحيانا ويشوبه السجع المتكلف أحيانا، فهذا القرطبي في الإعلام والخزرجي في المقامع وعبد الله الترجمان في تحفة الأريب يلجئون أحيانا كثيرة إلى عبارات التشنيع والهجاء التي يستحقها النصارى وأكثر، لكن بعض المصنفين يلتزم الموضوعية في المناقشة، والهدوء التام في الجدل والمناظرة، والاهتمام بالفكرة المطروحة التي قد يكسب المناظر في نهايتها الجولة على خصمه

وابن تيمية كان مثالا في ذلك، والطوفي وابن معمر والقرافي ورحمة الله الهندي ونصر بن يحيى المتطبب إلى حد كبير جدا.
كما أن هناك أمرا آخر له أهميته في الاستفادة من تلك الكتب وهو حسن الترتيب والتبويب.
فقد سلك بعض هؤلاء العلماء طريقة الأسئلة والأجوبة في عرض قضايا الكتاب ومناقشة النصارى فيعرض الشبهة في سؤال، ثم يتبعه بالإجابة عنه، ولأجل التوضيح للمباحث وتيسير المادة العلمية، يتبع طريقة التقسيم والتجزئة إلى وجوه وأقسام، للإجابة الواحدة حتى يزيل الإشكال ويظهر المقصود.
وهذا ما فعله القرافي- رحمة الله عليه-، مع أنه جعل كتابه في أبواب أيضا.
وقد شاركه في طريقة التقسيم والتجزئة إلى وجوه وأقسام: الطوفي وابن تيمية- رحمهما الله تعالى- وابن معمر- رحمه الله- إلى حد كبير.
غير أن آخرين سلكوا مسلك التبويب والتقسيم إلى فصول تحت الأبواب فجعلوا تحت كل باب ما يناسبه ثم تحت كل فصل ما يناسبه أيضا من موضوع الباب.
وقد يختم بعضهم بخاتمة للكتاب تشتمل على ما يراه مناسبا للذكر آخر الكتاب كما فعل القرطبي في الإعلام، ورحمة الله الهندي في إظهار الحق مثلا.
مع أن بعضهم جعل التقسيم إلى فصول، وأدخل تحت كل فصل ما يناسبه كما فعل الترجمان- رحمه الله- في تحفة الأريب، وإن كان قد خالف قاعدة المصنفين في التبويب والتقسيم فأدخل تحت الفصل الأخير من كتابه تسعة أبواب، مع أن الباب أشمل من الفصل، ولكن عذره في ذلك صعوبة اللغة العربية وقت تأليفه الكتاب، وقرب تعلمه إياها.
بقي أن أشير في هذا الموضوع إلى أن بعض العلماء جعل الحديث في كتابه

مقسما إلى مقامات، جعل تحت كل مقام ما يناسبه، كما فعل ابن معمر- رحمه الله- غير أنه استعمل كلمة" فصل" للفصل بين الموضوعات أو الفقرات تحت المقام.
وقد استعمل ابن تيمية طريقة الفصول أيضا في الفصل بين الفقرات والموضوعات.
وإذا كان لكل مؤلف أسلوبه الخاص به، ومنهجه الذي يرتضيه فإن ذلك لا يقلل من شأن كتاب من هذه الكتب، ولا يجعلنا نستغني بأحدها دون البقية، وعلينا أن نستفيد منها جميعا، فإن بعضها مكمل للآخر، ولو اطلع المسلمون اليوم على جميع هذه الأسفار الجليلة في الرد على النصارى لما عجزوا عن دفع الشبه التي يطرحها عباد الصليب والهوى، وأذنابهم في كل حين، بين صفوف المسلمين، ولكانت لدينا القدرة التامة على رد كيدهم في نحورهم، وبيان زيف ما هم عليه من الضلال، ولاستطعنا أن ندعو كثيرا من النصارى اليوم، وكثيرا ممن لم يعرف حقيقة الإسلام للدخول في الدين الحق بعد تعريفهم فساد ما هم عليه، وأن الإسلام وحده هو الحق الصالح لكل زمان ومكان.
وخلاصة القول: إن كتاب الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، ذو مكانة كبيرة بين الكتب المصنفة في الرد على النصارى، يتضح ذلك جليا مما سبق في منهج صاحبه فيه، ومما تميز به من الدقة والموضوعية وحسن الترتيب، وقوة الحجة، ووضوح المعاني، وسعة العلم والاطلاع، مع عدم التطويل والاستطراد الممل.
ولأضرب مثلا مما اشترك فيه الطوفي مع بعض من رد على النصارى، وذلك بمسألة تعدد الزوجات التي أنكرها النصارى فالخزرجي- رحمه الله- يقول

في الرد على النصارى:" وأما استدلالك على باطلنا بما في كتابنا، من نكاح مثنى، وثلاث، ورباع، فحسبي هذا الاستدلال شهيدا على تخلفك، فإن الذي أمرنا الله به من النكاح، وسن لنا من الطلاق، ليس للعاقل انتقاده لأن قبولنا لذلك وما أشبهه، إنما هو بعد ثبوت الأصل.
وإنما الأصل أن نتحقق نبوة الشارع، ونتبين صدق رسالته، بشواهد آياته الباهرة، ومعجزاته الطاهرة.
فإذا أردت النظر في هذه الفروع بانتقاد فهلم أريك عجبا: ألستم قد اتفقتم معنا على أن نكاح الرجل عمته من سوء الأفعال؟ وهذه" يوكابد" أم موسى، كانت عمة والدة عمران «1»، وعمران من فضلاء المؤمنين.
وكذلك الجمع بين الأختين بنكاح من مقبحات الشرائع أيضا! وقد علمت أن اسرائيل جمع بينهما «2»، فما بال عيناك أبصرتا في كتابنا شيئا، وعميتا عن الأكبر منه في كتابك!.
أما إنك لتراه، ولكن رضاك عن فاعليه، وبصيرتك في أنهما محقان، منعك من انتقاد ما فعلاه.
وكذلك الأمر فيما شرع لي كتابي، وإنما يتقدم النظر في الأصول التي هي آيات صدق الرسول.

وأما هذا الذي اعترضت به منكرا، فجهل قد استولى عليك، والله يهديك ويرشدك.
ولو كان الله أمر- كما زعمت- بالاقتداء بآدم في تزوجه بامرأة واحدة فهل علم بذلك إبراهيم؟ وما أراه إلا تزوج وتسرى في وقت واحد «1». ولوط- عليه السلام- زعمت أنه فتك بابنتيه، فحبلتا منه بموآب، وعمون نستغفر الله من قولكم.
ثم إن إسرائيل قد كان عنده، عدة أزواج، جمع فيها بين الأختين.
وهذا كله منصوص في توراتكم، وكذلك من بعدهم من الأنبياء- عليهم السلام- إلى داود وسليمان، فقد علمتم مناكحهم «2». وهل اقتصر آدم على واحدة إلا من ضرورة العدم عند بدء خلق البشر! ولهذه الضرورة زوج ابنه ابنته، فيجب بناء على مذهبك الاقتداء به، فينكح الرجل اخته، فأنت القائل لذلك الهذيان، تعيب به من خالف توراة اليهود.
ثم إنك- مع ادعائك الإيمان بها حرفا حرفا- مخالف لها أشنع الخلاف، ماح بعقائدها، مبدل لأحكامها، فمن حلالها نكاح بنت الأخ والأخت وأراكم تأنفون من ذلك مثل ما نحن قد أنفنا منه.
ومن محرماتها الخنزير والدم والجمّل، والشحم وغير ذلك، مما هو مشهور،

وأنت قد أرسلت عليها ضرسك، ونشرت لها بطنك، إلى غير ذلك من مخالفتك إياها «1» ". ويقول ابن معمر- رحمه الله-: في منحة القريب المجيب:" الجواب، وبالله التوفيق: أن نقول: ما شرعه الله تعالى للمسلمين في عدد الزوجات مطابق للحكمة، فإنه جاء وسطا بين الإكثار منهن المفضي إلى تفويت الحقوق الواجبة لهن، وتحمل الرجل ما لا طاقة لديه به من أعباء حقوق الزوجية، وبين الإقلال الذي قد تفوت معه مصلحة كمال الاستمتاع، وكثرة الأولاد، والتمتع بنعمة الله، التي امتنّ بها على عباده، فأباح تعالى للرجل أن ينكح أربعا إن قدر على القيام بحقوقهن، والعدل فيهن، وأمره بالاقتصار على واحدة إن خاف أن لا يعدل فقال تعالى:... فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (3) «2». والمقصود أن في إباحة العدد من الزوجات حكما عظيمة، ومصالح جمة، فمنها: أن الرجل قد لا تكفيه الواحدة لفضل ما أعطي من القوة على النكاح أو لما يترتب له على التعدد من المصالح المطلوبة، فأبيح له العدد المذكور من الزوجات، وما شاء من السراري، إتماما لنعمة الله عليه، وتحصينا لفرجه، ومنها أنه قد يعرض للمرأة ما يمنع استمتاعه بها من حيض أو نفاس، أو مرض أو غيبتها عنه لعذر، أو سفره عنها، فأبيح له التعدد لتحصيل المصلحة، وإتمام الإحصان، ومنها أن المرأة قد تكون عاقرا لا تحبل، أو يعرض لها ما يقطع الحبل من كبر أو مرض،

وهو يؤثر امساكها، وأن لا يفارقها، فلو اقتصر عليها فاته الولد، وهو من النعم العظيمة، وفيه تكثير الأمة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم» «1» ومنها: إن في إباحة العدد مصلحة تعود على جنس النساء، فإنهن غالبا أكثر من الرجال، ففي إباحة التعدد من مصلحة إحصانهن، والقيام عليهن، ما يفوت كثير منه لوضع التعدد، وأما ما يحصل للمرأة من مشقة الغيرة بتزويج غيرها، فذلك لا يوازي تلك المصالح، ولا يقارب.
وأيضا فإن للرجال مزيد فضل على النساء بتفضيل الله لهم، وبما أوجب عليهم في أموالهم من الانفاق على النساء، والقيام بهن، فناسب ذلك، وإن قصرت عليه أن يوسع له في قضاء وطره بغيرها إذا أحب ذلك، ولم يقصر عليها.
وأما كون كثرة النساء يزداد فيه الشره في النكاح، فقد قدمنا الكلام على فضيلة النكاح بما أغنى عن إعادته، وما ترتب عليه الزيادة في الفضيلة، فهو فضيلة، ولهذا استكثر النبي صلّى الله عليه وسلم منهن، وأبيح له من العدد ما لم يبح للأمة، وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- خير هذه الأمة أكثرها نساء.
وبالجملة إذا اعتبرت ما شرعه الله تعالى لهذه الأمة في هذا الباب وجدته على أحسن وجوه الحكمة، وأكمل طرائق المصلحة، كما هو كذلك في كل باب فلله الحمد" «2».

أما ما قاله الطوفي في هذه القضية فاقرأه في ص 627 إلى ص 646 من هذا الكتاب لتقارنه بما ذكرت هنا.
أما القضايا والمسائل التي تعرض لها غالب الذين ردوا على النصارى فلا يتسع المقام لذكر نماذج منها، لأن ذلك يطول.
فمثلا قضية الصلب والفداء، ردها الطوفي- رحمه الله- فيما يقارب ثلاث عشرة صفحة بموضوعية جيدة، مع أن غيره قد رد على النصارى في هذه القضية بثمان عشرة صفحة، والآخر في خمس صفحات والآخر في ثمان.
وغيرهم في أكثر من ذلك.
وهكذا.
فرده ليس من التطويل الممل أو الاختصار المخل، إضافة إلى الموضوعية وقوة الأسلوب في الاحتجاج على الخصم، التي تختلف من عالم إلى آخر.
وحسبي فيما أشرت إليه أن تبرز أهمية كتاب الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، بين الكتب المؤلفة في الرد على النصارى، وسيتحقق ذلك- إن شاء الله- في المباحث التالية.
ومن قراءة القارئ للكتاب.
والله من وراء القصد..

أهمية الكتاب العلمية: عرفنا مما تقدم في الفصول الماضية منزلة الإمام الطوفي العلمية وآثاره التي كانت دالة لنا على براعته في فنون مختلفة: في أصول الفقه والفقه والحديث واللغة والأدب والجدل وغيرها.
بل هذا الكتاب وحده يدل على براعته وقوته العلمية واستقلاله برأيه واعتزازه به دون تكبر أو حب مخالفة وإن كانت له بعض الآراء المخالفة لغيره.
أما كتابه هذا فإن أهميته العلمية تتجلى فيما يأتي: 1 - غزارة المادة العلمية فيه وكثرة المعلومات التاريخية والعقدية والتفسير والحديث والملل والنحل وغيرها.
2 - أن هذا الكتاب بلغ الغاية في الرد على الطعون الموجهة إلى أصل الإسلام وهو النبوة فإن النصراني الذي كتب الشبه والطعون إنما وجهها إلى نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم وإنكارها والطعن في الوحي الذي أتى به: القرآن والسنة المطهرة.
وقل من أجاد في الرد عن هذا فيما اطلعت عليه من الكتب التي تعرضت لهذه القضايا الثلاث.
مثال الطوفي- رحمه الله- وقد أشرت إلى ذلك فيما مضى.
3 - أن هذا الكتاب كان ردا على النصارى والفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم وعلى المرتدين عن الإسلام فالنصراني الذي رد عليه الطوفي- رحمه الله- بهذا الكتاب يمثل كل هذه الأفكار: يدعي أنه نصراني ويستشهد بالتوراة والإنجيل وكتب النصارى التي بأيديهم ولكنه يكشف النقاب عن فكره في كثير من المواضع بأنه فيلسوف لا يؤمن بدين.
ويأتي مرة ثالثة بما يدل على أنه كان

مسلما ثم ارتد عن الإسلام.
أو نقل كثيرا مما قاله عن أحد دخل الإسلام ثم ارتد عنه.
وهذا يتبين من قراءة كتابه.
4 - أن النصارى في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم على ثلاث أقسام: أ- قسم يقرون نبوته صلّى الله عليه وسلم في العرب خاصة وهؤلاء قد رد عليهم الإمام ابن تيمية بالجواب الصحيح والإمام القرافي بالأجوبة الفاخرة، وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين.
ب- وقسم ثان يقولون عنه: أنه مصلح إنساني وليس بنبي وهذا القسم وإن كان ينكر نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم إلا أنه أخف من القسم الآتي في عناده وتهجمه على الإسلام.
ج- وقسم ثالث أنكر نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم بالكلية ظاهرا وباطنا وعاند في ذلك وقال بأنه مدع للنبوة وليس نبيا.
ويحاول الطعن فيما أتى به وانكاره ومن هؤلاء: هذا النصراني الذي رد عليه الطوفي بهذا الكتاب.
لذا أرى أن كتاب الانتصارات الإسلامية من أهم الكتب التي ترد على النصارى لا لأنه للطوفي ولا لأنه بلغ فيه درجة الكمال ولكن لخطورة موضوعه وقوة حجته في الرد على النصارى.
5 - أن هذا الكتاب يسد ثغرة كبيرة في التصدي للنصارى الضالين في كل عصر من العصور، ونحن في هذا العصر الذي انفتح فيه باب الثقافة الغربية والنصرانية على أبناء المسلمين الجاهلين بإسلامهم والمتلقفين لكل فكرة وشبهة

دون تمحيصها والنظر فيها- أحوج إليه من أي عصر مضى.
كيف والنصارى قد أنشئوا مدارس ومراكز ومعاهد للتنصير والغزو الفكري، وإحياء هذه الشبهات التي كان يرددها أسلافهم من القرون الماضية أيام الحروب الصليبية وقبلها وبعدها.
6 - أنه كشف عن فساد دين النصارى الذي هم عليه وأنه غير دين المسيح- عليه الصلاة والسلام- وأن ما بأيديهم من كتب ليست هي المنزلة على الأنبياء بل هي محرفة مبدلة متناقضة.
ثم إنهم لا يتبعون ما فيها على تحريفها وتبديلها فهم مكذبون بها وضالون عن الحق الذي نزل على الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-.
ولهذه الاعتبارات تزيد الحاجة إلى دراسة هذا الكتاب وتحقيق نصوصه والتعليق عليه بما يسهله الله وتدعو الحاجة إليه.
والله الموفق.. وصف النسخ الخطية التي اعتمدتها في التحقيق: تم تحقيق هذا الكتاب ومقابلة نصه على ثلاث نسخ خطية جعلت لكل واحدة منها رمزا وفيما يلي وصف لها مرتب حسب جودتها وتاريخ نسخها: 1 - النسخة الأولى: النسخة المصورة عن المخطوطة الموجودة بمكتبة أحمد الثالث بطوبقبوسراي باستانبول برقم 4863 - 1822، وقد صورتها مكتبة المخطوطات بجامعة الإمام

محمد بن سعود الإسلامية بالرياض على الفيلم رقم 926. وهي تامة سليمة من الخرم، وإن كان فيها: بعض الأماكن اليسيرة المطموسة من أثر بلل أصابها، وهي قليلة الأخطاء، والحمد لله.
كتبت بخط النسخ، وخطها جميل واضح للقراءة إلى حد كبير، وميزت فيها أوائل الفقرات بالخط الواضح: مثل" والجواب من وجوه" أو كلمة:" قال أو قلت"، أو" أحدهما"، ونحوها.
يقع كامل النسخة في" 122" لوحة" 244" صفحة في كل صفحة" 21" سطرا، في السطر الواحد متوسط" إحدى عشرة كلمة" كتبها الناسخ علي بن محمد بن علي بن علوان المزي عابر المنامات المعروف بالزعيم «1». من خط مصنفها، وانتهى من نسخها في السادس من شهر محرم المبارك من سنة إحدى عشرة وسبعمائة للهجرة، أي في حياة المؤلف، في القاهرة، قبل رحيل الطوفي منها إلى قوص.
وعليها عدة أختام، وعدة تملكات، وبعض التوقيعات، كما يتضح في صورة صفحة العنوان الآتية- إن شاء الله-.
وقد رمزت لهذه النسخة بحرف (أ) من أحمد الثالث، وجعلتها الأصل إلا فيما أراه أصح منها في الأخرى فإني أثبته وأشرت إليه في الهامش.

2 - النسخة الثانية: المصورة من النسخة الخطية، الموجودة في مكتبة كوبريلى زادة محمد باشا، في المكتبة السليمانية في استانبول برقم 795. صورتها مكتبة مخطوطات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض على الفيلم رقم 6685. وهي تامة، قليلة الأخطاء.
كتبت بخط النسخ، وخطها واضح.
ميزت أوائل الفقرات بالخط الكبير مثل:، الوجه الأول"، وكلمة:" قال"، أو قلت".
يقطع كامل النسخة في (85) لوحة، أي" 170" صفحة، في الصفحة الواحدة (32) سطرا، وفي السطر الواحد من ثمان إلى تسع كلمات.
كتبها وصححها وعلق في مواضع قليلة منها العالم الفاضل الفقيه الحنبلي حسن بن محمد بن صالح بن محمد بن محمد بن عبد المحسن بن علي، النابلسي «1»، وانتهى من تعليقها كتابة يوم الثلاثاء باكر النهار، الرابع من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة للهجرة، بالمدرسة المنصورية في القاهرة.
وقابلها النابلسي بأصل المصنف الذي بخطه.
فهي ذات أهمية كبيرة لما ذكر.
فلا تقل عن الأولى من حيث الصحة، وإن كانت الأولى تتميز بتقدم تاريخ النسخ

في حياة المصنف.
وعلى صفحة العنوان بعض الاختام والتملكات كما يتضح في صورة صفحة العنوان الآتية، وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (م) من اسم محمد باشا.
3 - النسخة الثالثة: النسخة المصورة عن المخطوطة الموجودة بمكتبة شهيد علي بالسليمانية في استانبول ضمن مجموع للمؤلف أوله: الجدل في علم الجدل برقم 2315. وهي تامة سليمة من الخرم وهي قليلة الأخطاء والفروق بينها وبين النسختين الأخريين.
كتبت بخط الرقعة وخطها جميل واضح للقراءة، ميزت فيها أوائل الفقرات مثل: «قلت» و «قلنا» و «منها» و «الوجه الأول»... إلخ بخط مميز عن بقية الكلام.
يقع كامل النسخة في 131 صفحة في كل صفحة 21 سطرا في السطر الواحد من 13 - 16 كلمة تقريبا.
كتبها الناسخ: محمد بن عبد الواحد البغدادي من نسخة المؤلف.
وفرغ منها ومن نسخ المجموع بكرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة.
فهي أيضا ذات أهمية كبيرة لقلة أخطائها وكونها منقولة من النسخة التي بخط المؤلف.
على صفحة العنوان بعض الاختام والتملكات كما يتضح من صورتها.
وقد

رمزت لهذه النسخة بالحرف (ش) من «شهيد علي».
وبعد هذا التعريف الموجز لأصول الكتاب أرى أنها- والحمد لله- مأمونة الخطأ.
فالأولى نسخت في حياة المؤلف من نسخته وفي القاهرة التي يسكنها الطوفي آنذاك، وربما قرأها أو وثق من ناسخها، والثانية: نسخها عالم فاضل من نسخة مؤلفها، وصححها وعلق عليها، والثالثة: منسوخة من خط المؤلف ومراجعة على الأصل.
والله الموفق.. النسخة المطبوعة وأخطاء الدكتور أحمد السقا فيها: تقدمت بطلب التسجيل في هذا الموضوع:" الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية" للطوفي: دراسة وتحقيق، إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض فتمت الموافقة والحمد لله على أن الكتاب لم يطبع ولم يحقق بعد، ثم تبين لى بعد ذلك أن الدكتور/ أحمد حجازي السقا قد طبع الكتاب في مصر، فهممت أن أترك الموضوع لهذا السبب ولبعض الأسباب الأخرى... غير أني بعد الحصول على الكتاب والاطلاع عليه، عقدت العزم على الاستمرار في هذا البحث وعدم التراجع عنه ومحاولة التغلب على الصعاب الكثيرة التي قابلتني في ذلك.
وكان من أسباب هذا العزم والتصميم الأمور التالية: 1 - أن الدكتور السقا قد أخرج الكتاب على نسخة واحدة وادعى أنها الوحيدة «1»

جارٍ التحميل