الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية[الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه]

[الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه]

ومنها: الآيات والأحاديث المتضمنة لذكر ما في الجنة من مأكول ومشروب ومنكوح.
وذكر من الأحاديث ما هو صحيح وباطل وأنكر ذلك واستعظمه بناء على شبه: إحداهن: ما نقل عن الإنجيل: أن المسيح قال في القيامة:" لا يتزوجون ولا يأكلون ولا يشربون، ولكنهم مثل ملائكة الله في السموات" «5» وذكر عن جماعة من الأنبياء/ أنهم سألوا الابتهاج بوجه الله- يعني فلا يكون بغيره.
الثانية: أن الطعام والشراب في الدنيا لضرورة بقاء الأبدان، لأنها بدونهما تلهك، وهناك يصيرون كالملائكة لا يخشى عليهم الهلاك، لأنها دار السعادة الكاملة.

الثالثة: ما ذكره أبو علي ابن سينا «1» في" التنبيهات" حيث تكلم في: " البهجة والسعادة" وحاصله: أن اللذة ليست منحصرة في الحسيات «2» بل الإنسان قد/ يترك الحسيات «3» لتحصيل لذة الغلبة، ولو في أمر ما خسيس كالشطرنج، أو في تحصيل ذكر جميل بعده، يقتحم لأجله الأخطار، وليس ذلك من اللذات العقلية، فما ظنك بالعقلية؟ " «4». هذا حاصل ما ذكره في هذا «5» السؤال، وان كان قد أسهب «6» فيه وأطال.
والجواب: أما اللذات الحسية من مأكل ومشرب ومنكح، وكل ما يشتهيه الإنسان من اللذات الممكنة التي لا تغذي فيها، فهو مجمع على حصوله في الآخرة بين المسلمين.
وأما شبه هذا الخصم على بطلان ذلك:

أما الأولى: فلا شك أنهم نقلوا في الإنجيل عن المسيح: أن الزنادقة المنكرين للقيامة سألوه عن سبعة إخوة تزوجوا امرأة واحدا بعد واحد، ويموتون عنها، فلمن تكون في الآخرة؟ «1» فأجابهم بما ذكر هاهنا، وهو: أن الناس في الآخرة كالملائكة لا يأكلون ولا يتزوجون، لكن هذا ينافيه ما في الفصل التاسع والعشرين «2» من إنجيل مرقس: أن المسيح قال لرجل:" بع كلما لك واعطه للمساكين واكنزه في السماء" فصعب على الرجل، فقال له بطرس: ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فقال يسوع:" الحق أقول لكم: إنه ليس أحد ترك بيوتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو بنين أو حقلا لأجلي ولأجل بشارتي «3» إلا وهو يأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان: منازل وإخوة وأخوات وأب وأم وبنين في الشدائد وفي الدهر الآتي في الحياة المؤبدة، أولون كثيرون يكونون آخرين، وآخرون أولين".
قلت: فهذا نص في أن الناس في نعيمهم في «4» الآخرة، كهم في الدنيا،/ وصرح بذكر المرأة.
وفائدتها: النكاح، وبالحقل.
وفائدته:/ الأكل، وكذا «5» قال في آخر الفصل التاسع والعشرين «6» من إنجيل مرقس:" من ترك شيئا لي أخذ أضعافه في الحياة الدائمة".

وهو عام في كل ما ترك من الدنيا، فيتناول المطعم/ والمشرب والمنكح «1». فهذا نص المسيح، على خلاف ما ذكرتم عنه في جواب الزنادقة، فأحد النصين كذب قطعا، وحينئذ يسقط الوثوق بالانجيل لوقوع الكذب فيه.
وأما جوابه للزنادقة بما ذكرتم، فإن صح فهو محمول على قيامة الموت لأن قيامة كل أحد موته، لأنه أول منازل القيامة فكأنه «2» يقول: إذا مات الشخص تجرّ «3» روحه من بدنه، فكان كالملائكة، حتى يبعث جسده يوم القيامة فيعطى أضعاف ما ترك لأجلي في الدنيا، جمعا بين نصيه، وإلا فالحكاية موضوعة مختلقة، ويدل على ذلك: أن سؤال الزنادقة له إنما هو على جهة الإيراد على دينه، والإلزام له على ما أشار إليه سياق الإنجيل ولا يتم لهم ذلك إلا بعد علمهم بأن من دين موسى والمسيح ثبوت النعيم الحسي في الآخرة، فجوابه لهم بما ذكرتم عنه يكون موافقة ومساعدة لهم.
وقد استوفيت الكلام على ذلك في:" التعليق على الإنجيل" «4».

جارٍ التحميل