فرع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- تحرير الكلام في مسائل الإلتزام
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- المحقق
- عبد السلام محمد الشريف
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1404 هـ - 1984 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
واختلف (1) الشيوخ هل تدخل الكسوة في النفقة (2) أم لا؟
قال ابن سهل في أحكامه 3 قال ابن زرب 4 في مسائله فيمن التزم الانفاق على رجل وأبى أن يكسوه، وقال إنما أردت الانفاق لا الكسوة وطلب الملتزم له الكسوة مع النفقة 5 فشغلت بالي مدة ثم ظهرت لي فالزمته أن ينفق عليه ويكسوه، والحجة في ذلك قوله تعالى (وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضمن حملهن) [الطلاق: 6/ 65] فأجمع أهل العلم 6 على أنه ينفق عليهما ويكسوها فالكسوة داخلة في النفقة.
قال ابن سهل: في قوله نظر لأن هذا إنما هو في كا نفقة يحكم بها كنفقة الزوجات والآباء والبنين والعبيد، وعامل القراض إذا كان المال كثيراً والسفر بعيداً، وأما من التزم الانفاق على أحد احساناً إليه وقال إنما أردت الاطعام لا الكسوة وقال الآخر قد التزمت لي انفاقاً مجملاً فاكسني كما تطعمني فهذا لا يلزمه عندي بدليل قول مالك في كتاب الرواحل 7
من المدونة لا بأس أن يستأجر العبد السنة على أن على الذي استأجره نفقته وكذلك الحر.
فقلنا لمالك فلو اشترط الكسوة فقال: لا بأس بذلك فقوله فلو اشترط الكسوة بعد قوله12
استأجره على أن عليه نفقته يدل على أن النفقة لا تقتضي الكسوة، وإن كانت عنده مقتضية لها لقال له إذا سأله عنها لفظ النفقة يقتضيها، ويؤيده أيضاً أنه لو التزم الانفاق على انسان فأنفق عليه شهراً أو سنة وقال هذا الذي أردت ولا أزيد على ذلك، وطلب الآخر الانفاق عليه
حياته لصدق الملتزم، ولا يلزمه 1 أكثر مما ذكر أنه أراده لا يجوز غير هذا وفي كتاب الصدقة 2 من المدونة من تصدق على رجل بحائطه وفيه ثمرة مأبورة أو طيبة وقال إنما تصدقت بالأصل لا الثمرة فهو مصدق بلا يمين وكذا روى أشهب في كتاب ابن المواز 3 أنه لا يمين عليه وقد يتخرج من [بعض] 4 مسائل هذا المعنى أنه يحلف وفي [كتاب] 5 سماع أشهب من استرعى أنه متى أعتق عبده أو متى حبس داره [التي] 6
بموضع كذا ثم أعتق أو حبس لم يلزمه وإن لم تعرف البينة ذلك وصدق فيما يدعيه ويذكره، وقد مر في متابنا هذا من كلام ابن زرب أن كل متطوع مصدق وأما إذا قال ملتزم الإنفاق لم تكن لي نية في مطعم ولا ملبس فإنه يقال له قم بهما جميعاً أ. هـ. مختصراً من الأحكام الكبرى والصغرى، ونقله ابن عرفة باختصار، وقال بعده هذا اقرار منه بدخول الكسوة في مسمى النفقة لأنه إن 7 كان من مسماها لزم ولا ينفعه قوله إنما أردت الاطعام كما لو قال ما أردت إلا الكسوة لم يقبل.
قال ابن عرفة ثم رأيت للمتيطي أثر قوله قيل له قم بهما جميعاً لعل جواب ابن زرب في هذا وهو محل نظر، وإذا لم يتناول لفظ النفقة
الكسوة على ما قال ابن سهل 1
فكيف تلزمه الكسوة مع عدم النية، وأما إذا ادعى نية فبين أنه 2 لا يقضي إلا بما نوى.
قال المتيطي 3 ثم رأيت في الموازية مثل قول ابن زرب.
قال مالك ومن أوصى بنفقة رجل حياته أخرج له من الثل ما يقوم به منتهى سبعين سنة من ماء، وحطب، وطعام وكسوة ثم قال ابن عرفة هذا واضح يعني كلام المتيطي إلا قوله إنما يقضي عليه بما نوى بل [بما] 4 يدل عليه ظاهر لفظه، وفي 5 كتاب 6 الشركة ما نصه: أرأيت المتفاوضين كيف يصنعان في نفقتهما قال: قال مالك تلغى نفقتهما معاً وفي كتاب 7 المتفاوضين [لما] 8 قال مالك تلغى النفقة
بينهما علمنا أن ما أنفقا إنما هو من مال التجارة
وتلغى الكسوة لأن مالك قال تلغى النفقة والكسوة مثل النفقة 1. أ. هـ ومجموعه دليل لابن زرب، وسئل ابن رشد عمن طاع 2 بالتزام نفقة ريبيه مدة الزوجية ثم طلق [أمه] 3
ثم راجعها بعد عدتها هل تعود عليه نفقة الربيب، وهل تلزمه معها الكسوة؟ فأجاب ببقاء لزومها ما بقي من طلاق 4 ذلك المملك شيء، ولا تلزمه الكسوة إن حلف أنه إنما أراد [به] 5 الطعام دون الكسوة وكان ابن زرب وغيره من الشيوخ يوجبون الكسوة مع الطعام محتجين بالإجماع على أنها مندرجة في قوله تعالى (فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) [الطلاق: 6/ 65] ولا أرى ذلك لأن النفقة وإن كانت من ألفاظ العموم فقد تعرفت عند أكثر الناس في الطعام دون كسوة 6. أ. هـ
قال ابن عرفة حاصله أن النفقة عنده موضوعة للطعام والكسوة ثم تخصصت عنده عرفاً بالطعام فقط، وتقرر في مبادئ أصول الفقه 7 أن الأصل عدم النقل 8 أ. هـ. كلام ابن عرفة.
قلت: الذي يظهر من كلام ابن رشد أن لفظ النفقة يطلق في العرف على الطعام والكسوة وعلى الطعام فقط، وأن الأول هو الأشهر فإذا أطلق الملتزم النفقة 9 ولم تكن له نية حمل على الأول لأنه الأشهر وأن ادعى الملتزم أنه أراد
المعنى الآخر قبل قوله مع يمينه، وإلى هذا يرجع كلام ابن سهل والمتيطي غير أن في قول ابن رشد عند أكثر الناس مسامحة، والأولى أن يقول عند كثير لأنه لو كان المعروف عند أكثر الناس المعنى الثاني لا نبغي أن يحمل اللفظ عليه بلا يمين فتأمله، وقد ذكر
ابن رشد في مسائل الحبس من 1 نوازله أنه يجب أن يتبع قول المحبس فما كان من نص جلي أو كان حياً فقال أنه أراد ما يخالفه لم يلتفت إلى قوله ووجب أن يحكم به ولا يخالف حده فيه ألا أن يمنع منه مانع من جهة الشرع.
وما كان من كلام محتمل لـ وجهين فأكثر حمل على أظهر 2 محتملاته ألا أن يعارض أظهرها أصل فيحمل على الأظهر من باقيها إذا كان المحبس قد مات ففات أن يسأل عما أراد بقوله من محتملاته فيصدق فيه إذ هو أعرف بما أراد وأحق ببيانه من غيره 3 أ. هـ.
فعلم منه أنه إذا كان المحبس حياً وفسر اللفظ بأحد محتملاته قبل تفسيره به 4 ولو كان خلاف الأظهر، ولا يقبل قوله في الصريح أنه أراد به خلاف معناه، وقول ابن عرفة أثر كلام ابن سهل هذا أقرار منه بدخول الكسوة في مسمى النفقة لأنه إذا كان هو مسماها لزم، ولا ينفعه قوله أنما 5 أردت الإطعام كما لو قال ما أردت إلا الكسوة فيه نظر لأنه إنما يلزم ذلك إذا كان لفظ النفقة لا يطلق إلا على الإطعام والكسوة وأما إذا كان يطلق على ذلك، ويطلق على الإطعام وحده، وأدعى الملتزم أنه أراده فإنه يقبل قوله، وإن كان ذلك الاطلاق مرجوحاً لأنه متطوع وكل متطوع مصدق كما تقدم في كلام ابن سهل عن ابن زرب فلا يلزم بأكثر مما أراد إذا كان لفظه صالحاً لما ادعاه، وأما إذا قال ما أردت إلا الكسوة فلا يقبل قوله لأن لفظ النفقة لا يطلق على الكسوة فقط فتأمله وقول ابن عرفة أيضاً أثر كلام ابن رشد أن الأصل عدم النقل صحيح لكن إذا
ثبت النقل عمل به، وكلام ابن رشد يقتضي ثبوت ذلك عنده، وهو الظاهر الذي يشهد له الاستعمال والله أعلم.