شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)مجلس في الإيمان

مجلس في الإيمان

قيد المراجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

هذا هو المجلس الثلاثون من مجالس شرح سنن ابن ماجه.

(( باب في الإيمان ))

قبل أن نبدأ في الباب، هنالك مقترح؛ كثير من طلاب العلم لما يريد أن يبدأ طلب العلم يسأل: كيف أبدأ بدراسة العقيدة؟ فيجيب الشيوخ باقتراحات متعددة.

من الاقتراحات عندي التي لم ينبه إليها: أن يبدأ طالب العلم بقراءة الأحاديث في سنن ابن ماجه من الحديث الأول أول مائتين حديث تقريباً من سنن ابن ماجه، أول مائتين حديث من سنن ابن ماجه.
هذه الأحاديث كافية جداً أن تخرج طالب علم قوي في باب العقيدة، يعرف الأساسيات بشكل يناسب المبتدئ، فهذا اقتراح؛ لأنه مثلاً سنن الترمذي وأبو داود والنسائي يبدأون بأبواب الطهارة مباشرة، لا، ابن ماجه لا، بدأ في باب العقيدة ومن ثم انتقل إلى مواضيع الطهارة والصلاة.
مسلم تكلم في العقيدة في أحاديث العقيدة في البداية لكن أحاديث مسلم طويلة، يعني لا تناسب طالب العلم المبتدئ.
البخاري أيضاً الأحاديث في البداية لا تناسب ولا تشمل كل المواضيع التي تهم طالب العلم الذي يريد أساسيات العقيدة.
ابن ماجه لا، في الحقيقة أجاد وأبدع في هذا الأمر، يعني أول مائتين حديث في سنن ابن ماجه يقرأهم طالب العلم ويصل إلى نتيجة جيدة، نعم.

طيب، (( باب في الإيمان ))

حدثنا علي بن محمد الطنافسي ثقة، حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، ثقات تقدموا معنا، عن سهيل بن أبي صالح ثقة، وهي من السلاسل المشهورة عن أبي هريرة: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
مسلم روى لهذه السلسلة كثيراً من الأحاديث.
وسهيل بن أبي صالح هذا ثقة، لكنه تغير، وهذا أمر اعتيادي، لكن ذكر علي بن المديني أن سبب تغيره أن أخاً لسهيل قد مات، فحزن عليه سهيل جداً، فأثر هذا في عقله بحيث صار ينسى واختلط.
الحقيقة تجد كثيراً من الناس هكذا، بعض الناس لا يصبر حق الصبر لما يموت حبيب له؛ أخ، أم، أب، هذا الأمر يحدث، حتى أنه قد صح أن الحسن البصري بكى سنة كاملة على أخيه بعد وفاته.
فالإنسان يصبر ويحتسب، وعندما يموت أخوك المسلم يعني أحسن الظن بالله، ما دام أنه مات على التوحيد أحسن الظن بالله، هنا يصبح مقام رجاء.
مقام التخويف نخوف الناس بالله أثناء حياتهم، لكن عند الاحتضار هنا مقام الرجاء هو الذي يقدم، وبعد وفاتهم نرجو الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم.

الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن ابنه إبراهيم في الجهة ومع ذلك بكى، بكاء رحمة.
فالإنسان لا بأس أن يبكي بكاء رحمة، وإنما المنهي عنه النياحة والبكاء كما يفعل أهل الجاهلية.
وفي الحقيقة أريد أن أذكر أمراً: وليد إسماعيل له مقاطع مثلاً يناقشه شخص رافضي، فوليد إسماعيل يقول له: "لماذا أنت تلطم وكذا وتبكي والحسين في الجنة؟ يعني خلاص الحسين في الجنة، لماذا نبكي عليه؟ بالعكس لازم نفرح له".
بغض النظر عن أن اللطم الذي يمارسه الرافضة ضلال، لكن هذه طريقة في الاستدلال غير صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن ابنه في الجنة ومع ذلك بكى عليه، وإن كان بكاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يقارن بلطم الرافضة، هو بكاء رحمة وبكاء كمال عليه الصلاة والسلام.

عن عبد الله بن دينار، عبد الله بن دينار ثقة، تابعي، مكثر عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهنا تأتي مسألة: إذا اختلف عبد الله بن دينار ونافع في رواية عن ابن عمر أيهما يقدم؟ الراجح أن نافع هو أوثق تلاميذ ابن عمر، هذا هو الراجح، نعم.
لكن عبد الله بن دينار في هذا الحديث يعني مفاجأة أنه لم يروِ عن ابن عمر، وإنما عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً».

بداية، هذا الحديث مختلف في صحته، هذا الحديث اختلف العلماء في صحته؛ رواه الإمام مسلم في صحيحه نعم، لكن بعض أهل العلم قد تكلم فيه، فأبو جعفر العقيلي ظاهر كلامه في كتابه "الضعفاء" أنه يعل هذا الحديث، يعله بتفرد عبد الله بن دينار وبأنه لم يتابع عليه.
وفي الحقيقة أنا أميل إلى هذا، أميل إلى إعلال الحديث؛ لأن تفرد عبد الله بن دينار هنا فيه غرابة.

طيب، هذا أمر.
الأمر الثاني: قوله "بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة"، هذا الخلاف في متن الحديث، هذا بعد البحث تبين أن التردد هو من سهيل بن أبي صالح، حتى لا يظن إنسان أن هذا التردد يعني مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث من الأحاديث التي يحتج بها على المرجئة، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإيمان شعب متعددة وشعب كثيرة، فأنت إذا أتيت ببعضها فأكيد أن منزلتك عند الله ليست كمنزلة الذي يأتي بكل هذه الشعب.
وأيضاً الحديث يدل على أن الإنسان إذا ترك شعبة من شعب الإيمان فهنالك شعب أخرى تقوم مكانها، فليس مجرد ترك عبادة واحدة أو شعبة واحدة من شعب الإيمان ذنب يؤدي إلى الكفر وإلى الخروج من الملة كما قد يفهم من بعض مذاهب الخوارج، فالحديث يرد عليهم وعلى المرجئة من هذين الوجهين.

طيب، أيضاً هنا أتى سؤال عند العلماء: ما هي الشعب الستين أو السبعين هذه؟ ما هي؟ طبعاً قوله "بضع"، بضع فيها خلاف بين أهل اللغة في معناها الدقيق، لكن أشهر الأقوال أنها بين ثلاثة إلى تسعة، لكن المسألة ليس فيها قولاً واحداً يعني.
اختلف العلماء في تحديد هذه الشعب، وفي الحقيقة تحديد هذه الشعب مما يدخل في مسائل الاجتهاد يعني ما فيها شيء صريح، مهما جمعت مهما كذا هي من باب الاجتهاد، نعم.
وحتى العدد سبعين في اللغة أحياناً يأتي بمعنى الكثرة ولا يراد به العدد بذاته، لكن هنا ظاهر فهم الراوي للحديث أن العدد مقصود بذاته، وإلا لو كان المراد الكثرة لقال: "بضع وسبعون شعبة" وخلاص وسكت، لا، ولكنه قال: "بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة"، فتبين من هذا الحديث ومن هذا الشك أن العدد مقصود بذاته ولا يراد به الكثرة ولا يراد به المبالغة.

طيب، ما هي أفضل شعب الإيمان؟ قال صلى الله عليه وسلم -نكمل الحديث-: «أدناها إماطة الأذى عن الطريق»، أدنى شيء إماطة الأذى عن الطريق.
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى أن رجلاً دخل الجنة لمجرد أنه وجد شوكة في الشارع، في الطريق، فأزاحها.
يعني أنت تخيل أدنى شعبة من شعب الإيمان فعلها شخص فدخل الجنة لمجرد أنه فعل أدنى شعبة من شعب الإيمان، فما بالك الإنسان لما يفعل الشعب الأعلى؟ وقوله "إماطة الأذى عن الطريق" الراجح أن المقصود به هو الأذى المادي، فلا يشمل الأذى المعنوي؛ الأذى المعنوي رتبته أعلى، رتبته أعلى، الأذى المعنوي مثلاً الإنسان اغتيب بين يديك فأنت دافعت عنه، نصرته وهو غائب، فهذا أذى معنوي، هذا رتبته أعلى من رتبة إزالة الأذى المادي.

طيب، «وأرفعها قول لا إله إلا الله»، هنيئاً للموحدين بهذا الحديث؛ لأنه إذا إماطة الأذى عن الطريق أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنها أدنى شعبة من شعب الإيمان وأن شخصاً أماط الأذى عن الطريق فدخل الجنة وغفر ذنوبه بسبب أنه فعل أدنى شعبة من شعب الإيمان، فما بالك وهو فعل أعلى شعبة ألا وهي قول لا إله إلا الله، ودافع عنها ودعا إليها طول حياته وهو يدعو إلى التوحيد ويموت عليه، فماذا تظن أن يكون المصير؟ مصير عظيم إن شاء الله.

«والحياء شعبة من الإيمان»، والحياء شعبة من الإيمان، خصص الحياء بالذكر لأهميته، لأهميته.
وهنا يجب المرء أن ينتبه -الحمد لله، يهديكم الله ويصلح بالكم- المرء ينتبه أن الحياء يجب أن لا يمنعه من ترك إماطة الأذى عن الطريق؛ بعض الناس يمشي في الشارع يجد غصن شجرة مثلاً في الطريق فيريد أن يزيله فيجد الشارع ممتلئاً بالناس فيخجل، يصيبه شيء من الحياء، لا، هذا ليس حياءً ممدوحاً.
أو مثلاً شخص يريد أن يدعو إلى التوحيد فيستحي أيضاً فيتوقف، أيضاً هذا ليس من الحياء الممدوح، نعم.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان.
وحدثنا عمر بن رافع ثقة، حدثنا جرير، عن سهيل جميعاً، عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه.

حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن عبد الله بن يزيد ثقات، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، كلهم ثقات تقدموا معنا، سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعظ أخاه في الحياء، رجلاً يعظ أخاه في الحياء معناها أنه يقول له يعني خفف من الحياء، يعني قلل من الحياء عندك، يعني كون شجاع أكثر كذا إلى آخره، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال، فقال: «إن الحياء شعبة من الإيمان».
الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على المنكر، أنكر على من يقول خفف من الحياء؛ لأن الحياء لا يأتي إلا بخير كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
فنعم، كون المرء حيي أفضل من أن يكون جريئاً كأصل عام؛ لأن الحياء، الحياء قد يمنعك عن مخالطة الناس، ومخالطة الناس أمر يؤدي إلى الذنوب في كثير من الأحيان، الحياء قد يمنعك عن أمور كثيرة، بين مخالطة الناس والجرأة وكذا التي تدفعك إلى كثرة الكلام إلى كثرة الأفعال إلى كثرة الخلطة مع الناس، فهذا كله قد يؤدي إلى جلب سيئات أكثر، لذلك الحياء الأصل أنه الأفضل.

ومثل هذه المسألة مسألة المفاضلة بين العزلة وبين مخالطة الناس، أيهما أفضل؟ الجواب: لا يوجد أفضل بشكل مطلق، ففي زمن ما العزلة أفضل كما في أزمنة الفتنة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك»، وأحاديث كثيرة في هذا المعنى، هذا في زمن فتنة، ناس يقتتلون.
في الزمن العادي لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، فإذا أنت تعلم من نفسك أنك قادر على الصبر وقادر على نفع الناس حينها المخالطة أفضل، إذا لا، تعلم أنك غير قادر على الصبر على أذى الناس فالعزلة تكون أفضل.

نعم، وهذا آخره، والله أعلم.

جارٍ التحميل