شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس الخامس والثلاثون من مجالس شرح سنن الإمام ابن ماجه

المجلس الخامس والثلاثون من مجالس شرح سنن الإمام ابن ماجه

قيد المراجعة

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(طبعاً هذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات تقدموا معنا).

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفسي بيده»

طبعاً هذا القسم فيه فوائد:

  • الفائدة الأولى: إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى.

  • الفائدة الثانية: أن يتذكر الإنسان الموت؛ فالإنسان عندما يتذكر أن نفسه بيد الله سبحانه وتعالى، معناها أن الله سبحانه وتعالى في أي لحظة قادر أن يقبض روحه، فهذا القسم مما يعين المرء على تذكر الموت.

وأيضاً هنالك مسألة: البعض يقول بأن هذا القسم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، هذا الكلام غير صحيح، وقد جاء عن كثير من السلف استخدام هذا القسم، يقولون: "والذي نفس أحمد بيده"، "والذي نفس عبد الله بيده"، "والذي نفس بشار بيده"، "والذي نفس عصام بيده" إلى آخره.
فهذا القسم ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من هذا القسم.

«والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا»

«لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا» هذه الجملة لها معنيان:

  • المعنى الأول: أن الإنسان إذا لم يؤمن بأركان الإيمان الستة فإنه لن يدخل الجنة، سيخلد في النار؛ فالذي لا يؤمن بالله، أو الملائكة، أو الكتب، أو الرسل، أو اليوم الآخر، أو القدر، هذا يخلد في النار.

  • المعنى الثاني: أن الذي يكون مسلماً ولا يكون مؤمناً لا يدخل الجنة مع الفوج الأول من الداخلين، أو يكون المعنى أنه يبقى في النار فترة طويلة إلى درجة تشعر وكأنه لن يدخل الجنة من شدة ما لبث في النار.
    وهذا الوجه تحمل عليه الأحاديث الصحيحة مثل: "لا يدخل الجنة قاطع"، "لا يدخل الجنة قتات"، إلى غير ذلك من الأحاديث.

«لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»

فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أهم شيء حتى يحصل المرء على إيمان قوي أن يحب إخوانه المسلمين، أن يحب إخوانه المسلمين.

«أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»

فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل إلقاء السلام من أهم أسباب انتشار الحب بين المسلمين.
وهذا الحديث من الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة والجماعة على ترك السلام على المبتدع؛ لأنك إذا ابتدأت بإلقاء السلام على المبتدع، فبحسب هذا الحديث إذا استمررت على ذلك ستحبه؛ لأن السلام يؤدي إلى الألفة، إلى المحبة.
ولذا هذه علة النهي عن إلقاء السلام على المبتدع.

أو حتى ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام»، لأنه يخشى على فاعل ذلك أن يتسرب حب اليهود والنصارى إلى قلبه، وأن تخف عداوته لهم.

طبعاً مسألة ابتداء إلقاء السلام على اليهودي والنصراني فيها خلاف بين أهل العلم، فيها خلاف بين أهل العلم، وكثير من السلف من الصحابة والتابعين كانوا يسلمون على اليهود والنصارى لكن ليس بصيغة السلام عليكم.
فالذي يظهر والله أعلم أن النهي بشكل خاص يشمل صيغة "السلام عليكم"، وثاني شيء أن المرء إذا كان إيمانه ضعيفاً أو خشي أن يفتن إذا ألقى السلام على الكتابي فإنه لا يجوز له أن يبدأ بإلقاء السلام، وثالث شيء: الكتابي الحربي، هذا لا يجوز أيضاً أن يبدأ بالسلام عليه ولا بصيغة، هذا السلام عليه يكون بالسيف فقط.

فالمحبة بحسب هذا الحديث -محبة المسلمين- هي سبب دخول الجنة: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، ثم بين أن سبب الحب هو إلقاء السلام.

فالحب هو سبب دخول الجنة.
طيب، إذا حدثت مشاكل بين المسلمين وخصومة وكذا؟ أيضاً في النهاية تدخل الجنة إذا كنت مسلماً، قبل أن تدخلوا إلى الجنة تقفون، كل إنسان يأخذ حقه من الآخر إذا ما صار عفو، حتى جاء في بعض الآثار أن الناس ينظرون إلى بعضهم نظر الثيران من شدة الغضب، يكون المسلم غاضباً من أخيه المسلم، لكن الله سبحانه وتعالى يقضي فيما بينهم ثم يدخلون الجنة إخواناً على سرر متقابلين، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47].
فحتى لو بقي الكره، الله سبحانه وتعالى ينزعه قبل أن يدخل الناس الجنة.
وانظر إلى هذا التشبيه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، نزع! الغل حينما يكون في القلب يكون مثل الشجرة، جذور.. جذور متشعبة في باطن القلب، مثل الشجرة جذورها متشعبة في التربة، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} مثل نزع الروح، نزع الروح كيف يكون شديداً؟ كذلك هنا.
ومثل قول الله سبحانه وتعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشَاءُ} [آل عمران: 26]، شبه الله سبحانه وتعالى نزع الملك بنزع الروح؛ لأن الملك يكون متجذراً في الدولة وفي المنطقة التي يحكم بها.

هذا الحديث حديث عظيم: «أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟»، شيء.. يعني كلمة "السلام عليكم" أحرف معدودة، لكن الناس اليوم وبعضهم يخجل منها، نسأل الله العفو، «أفشوا السلام بينكم» إفشاء السلام، ليس فقط إلقاء السلام، إفشاء السلام: الإكثار من هذا؛ لأن السنة جاءت بأن يسلم المرء على من يعرف ومن لا يعرف، طبعاً في هذا الزمن قل من يلتزم بهذه السنة، في هذا الزمن المرء عادة لا يسلم إلا على من يعرف، بل إذا سلم على من لا يعرف تجد الناس يستغربون: "هذا لماذا يسلم على من لا يعرف؟"، وهذا الأمر غريب.

وفي الحقيقة بعض الناس أساء لهذه السنة، يعني مثلاً في الشام في سوريا.. في سوريا إذا كنت تمشي وأحد قال لك: "السلام عليكم" وأنت لا تعرفه، احتمال كبير أن يكون إنساناً يطلب المال، يعني يقول: "السلام عليكم" ليس من أجل إلقاء السلام وإنما يريد منك مالاً.
فبعض الناس أصبح يتحرج، يعني لما يجد شخصاً غريباً يسلم عليه يقول: "الله يستر يعني"، يقول: "اللهم جنبنا هذا الشر"، يعني يشعر أن مصيبة قادمة أو طلباً غير محبب إلى النفس سيكون قادماً.

فهذا باختصار الحديث.
وهذا الحديث من اللطائف أن راويه هو الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش كان عنده شيء من الشدة على الناس، يعني رُمي -البعض يقول- أنه كان سيئ الخلق نوعاً ما، ومع ذلك الأعمش يروي مثل هذه الأحاديث.
الأعمش ليس موضوع سيئ الخلق، وإنما موضوع -يعني- له عقليته الخاصة، له عقليته الخاصة، بعض الناس -وأنا منهم- ما نحب الاختلاط بالناس، يعني خروجي من المنزل لا يكون إلا نادراً، فلي عقليتي الخاصة.
الأعمش كذلك، ما يحب الاختلاط مع الناس، لذلك كان يتشدد في التحديث، يتشدد ما يحدث كل أحد؛ لأنه ما يحب الاختلاط بالناس.
أنت قد تقول: "طيب، هذا يعني يحرم نفسه من الأجر"، في الحقيقة هذا يكون له وجه، لكن أيضاً هنالك وجه آخر؛ أن أحياناً الاختلاط بالناس قد يجعلك تأثم بشكل أكبر بكثير من هذا الأجر الذي ستناله، يعني أنا إذا كنت سأحدث أناساً بأحاديث وأنال فيها أجراً، لكن قد أقع في آثام، لا.. خليني لا ما آخذ ثواب سنة، خليني أترك سنة أفضل من أن أقع في الإثم؛ مجالس الغيبة والنميمة التي تحدث عندما يختلط المرء مع الناس.

وهذا آخره، والله أعلم.

جارٍ التحميل