الحديث الذي بعده، حدثنا نصر بن علي الجهضمي -ثقة تقدم معنا- حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال.
طيب، هذه السلسلة (أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس) تتكرر كثيراً، وهذه السلسلة على نوعين:
- النوع الأول: أن تأتي في المرفوعات، يعني مثل الحديث الذي بين أيدينا هو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه السلسلة ضعيفة، هذه السلسلة ضعيفة، يعني قد قد يحتج بها في باب المتابعات والشواهد، لكن إذا تفردت بأصل لا، لا يحتج بها.
وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس هذه السلسلة فيها مناكير، ومن أشهر هذه المناكير حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر إلى أن فارق الدنيا، وهو حديث منكر.
وهو قول الشافعية، الشافعية يقولون بأن القنوت في الفجر يفعل يومياً.
مسألة القنوت في صلاة الفجر
لكن، هنا أنبه إلى أمر، أن هذه المسألة تبقى من مسائل الاجتهاد، وليست من مسائل البدعة والسنة، يعني بعض إخواننا يشدد فيها كثيراً، لا، الذي يقرأ مصنف ابن أبي شيبة أو غيره من كتب آثار السلف، يجد أن السلف عندهم قولان في المسألة، فالأمر لا يشدد فيه، بل هو مسائل اجتهاد، وإن كان الراجح يقيناً أن القنوت في الفجر لم يكن هو نهج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في النوازل.
وقد يفعل أحياناً ويترك أحياناً، لكن إذا كان إمامك يقنت في الفجر فاقنت معه، لا بأس بذلك إن شاء الله، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
من أدلة هذا، ونحن مقبلون على شهر رمضان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، في رمضان القنوت منهج السلف أن القنوت يكون في النصف الثاني من رمضان، ولا يبدأ من أول الشهر -يعني القنوت-.
لكن اليوم كثير من المساجد ماذا يفعلون؟ يقول: "لا، أنا أقنت من الأول، من البداية، أتبع مذهب الأحناف"، فيكون الشهر كله قنوتاً، طبعاً هذا مخالف لمنهج السلف، لكن إذا كان إمامك يقنت من أول يوم فاقنت معه، بهذا أفتى الإمام أحمد، الإمام أحمد حتى وإن كان يقول إن القنوت يبدأ من النصف الثاني، لكن قال: "ابدأ معلش، تابع إمامك واقنت معه".
مسألة التسليم في صلاة الجنازة
وأيضاً من فروع هذه المسألة صلاة الجنازة، صلاة الجنازة الراجح فيها أنها بتسليمة واحدة، ليست بتسليمتين، وهو قول جمهور الصحابة، وهو قول جمهور الصحابة.
طبعاً في سوريا ما أحد يعرف هذا، يعني إذا قلت لهم صلاة الجنازة بتسليمة واحدة سينظرون إليك، يظنونك لا تعرف الصلاة، خلافاً مثلاً لدول أخرى؛ مثلاً في السعودية، في السعودية مرة مرة شاهدت مقطعاً قديماً لأحد ممثلي السعودية، مشهور لا نذكر اسمه، هو فيديو تمثيلي يعني، فيقول لصاحبه، يقول له: "أنت لا أنت لم تصل في حياتك، لدرجة أنك الآن لو صليت الجنازة ستصليها بتسليمتين".
فانظر يعني كيف، في سوريا يعتقدون يقيناً أن صلاة الجنازة بتسليمتين، في السعودية يعتقدون أن الرجل الذي يصلي بتسليمتين الجنازة، يعني هذا ما يعرف يصلي.
طيب، المهم، صلاة الجنازة بتسليمة واحدة، لكن قال الإمام أحمد: "إذا كان الإمام الذي عندك يصلي بتسليمتين تابعه، لا بأس بذلك".
لا بأس بذلك.
متن الحديث وحكمه
نعود إلى سلسلة أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، هذه في المرفوعات قلنا لا يحتج بها بتفردها، لكن هذه السلسلة أكثر ما تأتي في التفسير (أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية)، أو (أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهما).
في التفسير هذه السلسلة مقبولة، لكن إذا تفردت بأصل فلا يحتج بها، وفيها مناكير، من مناكيرها كما ذكر ابن تيمية في قول الله تعالى في قصة مريم عليها السلام: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا}، الروح هنا هو جبريل، هذه السلسلة جاء فيها عن أبي العالية أن الروح المقصود بها روح عيسى عليه السلام، لا، هذا منكر.
وأيضاً من الآثار المنكرة في هذا الباب ما رواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أن الأرض لها أربع زوايا في كل زاوية عوالم كثيرة إلى غير ذلك، يعني هذا تفردت به هذه السلسلة فهو غير مقبول.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله تعالى عنه راض )).
هذا الحديث ضعيف لا يصح، الحديث ضعيف، لكن لا شك أن من فارق الدنيا على هذه الأمور، على الإخلاص والتوحيد وإقام الفرائض، فالله سبحانه وتعالى يرضى عنه، لا شك، ولهذا شواهد، يعني مثل الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: "أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام أأدخل الجنة؟" فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفلح إن صدق».
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (( وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوها عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى في آخر ما نزل: {فَإِن تَابُوا} [التوبة: 5] قال: خلع الأوثان وعبادتها {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}، وقال في آية أخرى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] )).
حدثنا أبو حاتم، حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس مثله.
عبيد الله بن موسى هذا ثقة في الحديث، ولكنه شيعي محترق.
ومما يضعف هذا الأثر وهذا الحديث، أن في هذه السلسلة بعد أن جاء الحديث المرفوع، ذكروا قول أنس رضي الله عنه الذي ذكرناه "وهو دين الله..." إلى آخره، هذه ليست طريقة أنس بن مالك في الكلام، هذه ليست طريقة أنس بن مالك رضي الله عنه في الكلام؛ الذي يقرأ وقرأ آثار أنس، هذه طريقة متأخرة أكثر من كونها طريقة أنس بن مالك رضي الله عنه في الكلام، فهذا أيضاً يقوي عدم ثبوت الخبر.
وقوله: "قبل هرج الأحاديث" أي قبل كثرتها واختلافها، أنتم تعلمون لما ظهرت الفتن، ظهرت الأحاديث المكذوبة؛ لأن بعض الفرق أصبحت تريد أن تنصر دينها بالكذب، تريد أن تنصر دينها بالكذب.
وهذا آخره، والله أعلم.