شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس السابع

المجلس السابع

قيد المراجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس السابع من مجالس شرح سنن ابن ماجه.

حدثنا هشام بن عمار -تقدم معنا-.
حدثنا الجراح بن مليح، الجراح هذا هو والد وكيع، والد وكيع، لكن ليس كابنه، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ابني خيرًا مني.

وكيع بن الجراح من الحفاظ الكبار، الجراح بن مليح لا، كان وسطًا، يعني صدوق في نفسه لكنه وسط، يعني عنده أخطاء.

نعم، حتى إنه مرة وكيع كان جالس في مجلس، مجلس حديثي -وهذه القصة إسنادها صحيح- يحدث أصحاب الحديث، فوصل إلى حديث قال: "حدثنا أبي وسفيان"، فصاح أهل الحديث من كل جانب الجالسون، قالوا: "لا نريد أباك، نريد فقط سفيان"، فأعادها مرة أخرى قال: "حدثنا أبي وسفيان"، فأعادو وصاحوا، فأعادها مرة ثالثة، ثم في النهاية قال وكيع: "يا أهل الحديث، من بُلي بكم فليصبر".
طبعًا ماذا يريد أهل الحديث هنا؟ يريدون أنهم جاءوا لكي يسمعوا أحاديث رجل مثل سفيان يعني أحاديث الإنسان يثق بها، أحاديث من إمام مثل سفيان، أما الجراح فأحاديثه يعني ليست كسفيان.

لكن أنا يعني الذي يظهر عندي أن تصرف الحاضرون -الحاضرين من أهل الحديث في ذلك المجلس- كان تصرفًا خاطئًا؛ أول شيء من احترامك للمحدث أن تحترم أباه، أن تحترم أباه، يعني خصوصًا أن الجراح ما ورد والله إنه في عقيدته شيء، الرجل فقط في حفظه شيء، فمن الاحترام أن تحترم والد المحدث الذي يحدثك.
ثاني شيء ترى وكيع لما حدث بهذا الحديث لم يحدث بحديث عن أبيه تفردًا، يعني لم يقل: "حدثني أبي" وأكمل، لا، ذكر أباه كمتابعة فقط، يعني فـ كون الجراح بن مليح موجود في الإسناد لا يضر، فتصرفهم كان خاطئًا، ولذا قال في النهاية وكيع: "من بُلي بكم فليصبر"، يعني الذي يبتليه الله سبحانه وتعالى بصنعة الحديث يحتاج إلى صبر كثير في الحقيقة، وهذا مؤكد يعني في الدراسة، وفي الحفظ، وفي الرحلات -في الرحلات في طلب الحديث قديمًا-، وفي مجالسة الناس، وتحمل يعني الإنسان أحيانًا لا يريد أن يجلس مع أحد، يكون يعني غاضب، يكون عنده ظروف عائلية، لكن صنعة الحديث تجبره على الجلوس، وأيضًا التعامل مع الناس مثل مهنة المعلم، المعلم يجلس في الصف يكون أمامه التلاميذ من كل الأصناف، يكون فيهم الطالب المهذب، يكون فيهم من هو أقل من ذلك، فيحتاج إلى ضبط أعصاب.

طيب، حدثنا بكر بن زرعة، بكر هذا يعني صالح، ليس مكثرًا من الرواية، أحاديثه قليلة جدًا.

قال سمعت أبا عنبة الخولاني -وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم-، أبو عنبة الخولاني هذا مختلف في صحبته، والذي يترجح عندي أنه ليس بصحابي، ولذا هذا الحديث الذي سيأتي الآن هو حديث مرسل على الراجح، وفي تصحيح هذا الحديث قولان للعلماء، لكن المعنى صحيح، معنى الحديث صحيح.

قال سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته»، معنى الحديث صحيح أما إسناديًا فلا، معنى الحديث هو كحديث «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» نفس المعنى.
وأنا هذا الحديث أذكر لما بدأت أنا أطلب العلم، هذا الحديث لما حفظته بالسند فكيف ربطته؟ قلت: بكر بن زرعة، زرعة، وعنبة، وغرسًا، فثلاثة أمور يعني تذكرك بمجال الزراعة؛ بكر بن زرعة، عن أبي عنبة الخولاني، والحديث فيه: «يغرس الله غرسًا»، هذا من باب طبعًا ليس من باب الاستهزاء بالأسماء لا، وإنما من باب ربط المعلومات.

طيب، وهذا الحديث فيه بشرى للفتيان؛ لأن الغرس الله سبحانه وتعالى لما يغرس الغرس، الغرسة تكون فتية، قالوا: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60]، {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، من السبعة الذين يظلهم الله: «شاب نشأ في عبادة الله»، خلافًا لكثير من أهل العصر الذين يجعلون الفتيان وكون الإنسان فتى يجعلون ذلك مذمة كافية في رد كل ما يقوله.

طيب، حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، هذا الراوي صدوق في نفسه لكن في حفظه شيء، فلا يحتج به إذا تفرد.

حدثنا القاسم بن نافع، ليس بالمشهور، ليس بالمشهور هذا الراوي.

حدثنا الحجاج بن أرطاة، الحجاج بن أرطاة هذا الراوي أول شيء متكلم فيه من أمرين: الأمر الأول أنه راوي ضعيف، بل من ثلاثة امور: راوي ضعيف، وثاني شيء يدلس، وثالث شيء كان لا يصلي صلاة الجماعة، فلما سئل عن ذلك قال: "أهل أصلي مع البقالين؟" يعني لا يريد أن يصلي مع عوام الناس، ولذا هو نفسه قال: "أهلكني حب الشرف"، وهو الذي ورد عنه أنه قال: "إن المروءة ترك صلاة الجماعة".

طبعًا هذا التصرف تصرف خاطئ، هو كان له منصب في الدولة، وتصرفه هذا تصرف خاطئ، وكلمته هذه يستحق أن يعاقب عليها بأن يعزل عن منصبه بل وأن يعزر، هذه الكلمة التي قالها قال: "إن المروءة ترك صلاة الجماعة" هذه الكلمة كلمة رديئة، بل من تمام الإيمان حضور صلاة الجماعة مع ضعاف الناس، ولذا تجد أن الله سبحانه وتعالى لم يبارك في علم هذا الرجل، فهو كان ضعيف الحديث وكان مدلس، خصوصًا لما يروي عن عمرو بن شعيب مثل هذا الحديث، الحديث الذي بين أيدينا الآن سيروي فيه الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب، الحجاج بن أرطاة لما يروي عن عمرو بن شعيب فوق أن الحجاج ضعيف فهنالك احتمال كبير لما يروي عن عمرو بن شعيب أن يكون قد دلس الحديث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك، فلذا أحاديث الحجاج عن عمرو بن شعيب لا يؤخذ بها أبدًا.

عن عمرو بن شعيب عن أبيه، هذه السلسلة معروفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، هنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن معاوية.
سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هي سلسلة يحتج بها، لا بأس بها، سلسلة حسنة، لكن فيها مناكير، وأحيانًا قد تخالف شيء أصح، وأحيانًا قد تخالف شيء ثابت عن الصحابة، فإذا مثلاً لو أن الصحابة أجمعوا على أمر وجاءت هذه السلسلة بأمر يؤخذ بإجماع الصحابة لا يؤخذ بهذه السلسلة، لكن إذا جاءت هذه السلسلة بشيء موافق لقول جمهور الصحابة يؤخذ بالسلسلة، إذا جاءت بشيء منكر لا يؤخذ بها، نعم.

قال: "قام معاوية خطيبًا فقال: أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟" معاوية هنا يخاطب أهل المدينة يقول: "أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟" طبعًا هذا الحديث ضعيف؛ لأنه تقدم معنا الحجاج بن أرطاة ضعيف وهنا قد يكون دلس الحديث، والقاسم بن نافع ليس بالمشهور، ويعقوب بن حميد لا يحتج به وإن كان هو يعني هنا في هذا الحديث ليست الملامة عليه، وإنما الحديث الصحيح المخرج في الصحيح أن معاوية قام في أهل المدينة خطيبًا فقال: "أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟" وذكر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام عاشوراء، بينما هنا قال: "أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرون على الناس لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم"، فالحديث بهذا السياق حديث ضعيف هنا.

وقول معاوية: "أين علماؤكم؟" فيه وجهان؛ الوجه الأول: أنه يريد من العلماء الموجودين الحاضرين أن يقولوا: "نعم، صدق معاوية" يعني يعني مثل أنت تجلس في مجلس علم تحدث بحديث فتقول: "أين فلان وفلان الذين قد سمعوا هذا الحديث؟" حتى تزداد ثقة الناس بما تحدث.
الوجه الثاني: أن يكون من باب الإنكار، يكون من باب الإنكار يعني أين علماؤكم؟ يعني أنتم قوم مشهورون بالعلم، لماذا وجدنا أن علمكم قد ضعف؟ أين علماؤكم؟ هل قل العلم؟ هذا من باب التحفيز يكون، من باب الإنكار ولكن هو من باب التحفيز في الوقت ذاته.
"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرون على الناس".

ظاهرون على الناس، الله سبحانه وتعالى في سورة الصف أخبرنا عن الحواريين فقال: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، أخبرنا أن الله أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه قد أيد الموحدين من النصارى على المشركين، اليوم بعض الناس قد يستشكل هذه الآية يقول: "لا، الموحدين من النصارى هي تقريبًا غير موجودين، الذين بقوا وبقي ذكرهم هم أهل الشرك من النصارى"، الجواب: لا، وإنما الذي يعنى بالآية أنهم ظاهرين على الحق أي بالحجة، وما أجمل يعني أن تختلف أنت وآخر في أمر ثم يأتي القرآن -أعظم كلام في الدنيا، أعظم كلام- يأتي هذا الكتاب ويصدقك ويؤيد قولك، فالمقصود {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} أي أيدنا الحواريين في صدقهم في توحيد الله وأن عيسى ليس بإله، أيدناهم من خلال ذكر ذلك في القرآن ومن خلال تصديق حججهم في القرآن.

"لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم"، يعني هذه الرواية هنا فيها كما قلنا فيها نظر، وإنما الحديث المشهور: «لا يضرهم من خالفهم»، وأما قوله: "ولا من نصرهم" فهذه يظهر والله أعلم أنها لا تصح، لا تصح.
وأيضًا الروايات التي الروايات المرفوعة التي جاءت في تحديد هذه الطائفة كونها في الشام أو حول بيت المقدس، الروايات المرفوعة في الباب ضعيفة، المرفوعة ضعيفة في الباب، ورد ثبت بأسانيد جيدة عن معاذ رضي الله عنه نعم أنهم بالشام، لكن هذا ليس بالضرورة أن يكون من باب الحصر، هذا من باب التمثيل، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام»، هل هذا ينفي الإيمان عن مناطق أخرى؟ أو قال: «الإيمان يمان»، هل ينفي الإيمان عن مناطق أخرى؟ أو قال: «أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»، هل هذا ينفي الأمانة عن باقي الصحابة؟ لا، وإنما من باب ذكر زيادة فضل في المنطقة أو في الشخص.

وهذا آخره، والله أعلم.

جارٍ التحميل