شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس الثاني والثلاثون من مجالس شرح سنن ابن ماجه

المجلس الثاني والثلاثون من مجالس شرح سنن ابن ماجه

قيد المراجعة

حدثنا علي بن محمد الطنافسي؛ هذا دائماً يمر، وابن ماجه أكثر عنه جداً، ثقة كبير.

حدثنا وكيع، عن كهمس بن الحسن، ثقة.

عن عبد الله بن بريدة، ثقة.

عن يحيى بن يعمر، ثقة أيضاً.

عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء رجل شديد بياض الثياب.

التعليق على بياض الثياب ولون اللباس

وطبعاً الثياب البيضاء يستحب للمرء أن يلبسها، النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «البسوا البياض من ثيابكم».
لكن هذا ليس يعني أن المرء دائماً يلبس الأبيض، النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن دائماً يلبس الأبيض.
لكن لبس هذه الثياب المرء يكثر منه.

يعني في العادة، في هذا الزمن، المرء أصبح أقَلَّ ما يلبس لباساً أبيض إلا لما يذهب إلى المسجد يلبس اللباس التقليدي، وإلا في الحياة العادية لا، لا يلبس.
تقول له لماذا؟ يقول لك الأبيض يعني يظهر الوسخ، يعني بمجرد وسخ بسيط يظهر ذلك على اللون الأبيض، بينما الألوان الأخرى تخبئ ذلك.

في الحقيقة، الأفضل أنت أن تشعر بذلك الوسخ يعني، بذلك التلوث الذي يصيب لباسك حتى تغسله، تمسحه، إلى آخره.
أفضل من أن تلبس ثياباً لا يظهر ذلك التلوث، السواد، إلى آخره، مع أن ثيابك تكون قد ملئت بذلك.

شديد سواد شعر الرأس، وهذه من صفات الملائكة التي ترى في الرؤى.
الثقات الذين رأوا الملائكة في الرؤى، ويرونهم على أشكال رجال، كانوا دائماً يرون هذا؛ أنهم يرونهم سواد شعر شديد وبياض ثياب.

ورود الحديث واستغراب الصحابة

لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد؛ يعني استغربوا الصحابة رضي الله عنهم.
السفر في ذلك، السفر متعب بكل حال، في هذا الزمن وفي غيره، لكن قديماً كان متعباً بكثير، أكثر بكثير.
فاستغربوا الصحابة: من هذا الإنسان؟ يعني ليس بمسافر، معناها هو يسكن عندنا في المدينة، ولا يعرفه منا أحد! من هذا؟

وهذا يدلك على أن الصحابة رضي الله عنهم كان كلهم يعرف بعضهم البعض، خلافاً لهذا العصر.
في هذا العصر، خصوصاً في المدينة، في المدن، في المبنى الواحد أنت لا تعلم من هم جيرانك.
في المبنى الواحد، في الحي، الحي ما تعرف أغلب سكانه.

قال: فجلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأسند ركبته إلى ركبته، ووضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد، ما الإسلام؟

وطبعاً هذه الوضعية، أن تضع ركبتك إلى ركبة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه وضعية مؤدبة في طلب العلم، تسند ركبتك إلى ركبة المعلم.

ثم قال: يا محمد، ما الإسلام؟ طبعاً ظاهر هذا الحديث أن الرجل لم يسلم لما دخل، ما ورد في الرواية أنه قال: السلام عليكم.
ومع ذلك، ما أنكر عليه الصحابة.
نعم، هو ترك أمراً مستحباً، لكن ما فعل شيئاً محرماً، هذا أمر.

الأمر الثاني؛ الصحابة رضي الله عنهم ما قاموا وقاموا بتقييد هذا الرجل، يعني رجل غريب، ولا يقرأ السلام لما يدخل، فربما يكون محاولة اغتيال للنبي صلى الله عليه وسلم! لا، ما فعلوا شيء.
لماذا؟ غلب على ظنهم أن الرجل ليس كذلك من ظاهر الحال، يعني من ظاهر الوجه.
الملك لما يأتي على صورة رجل، سيأتي على صورة رجل مريح، تنظر إلى وجهه تشعر بالراحة، ليس على منظر وجه رجل مجرم، سفاك.

متن الحديث (حديث جبريل)

(( لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
فقال: صدقت.
فعجبنا منه يسأله ويصدقه ))

يعني أنت اليوم لما تسأل سؤالاً، في العادة أنت تسأل سؤالاً لا تعرف جوابه، فكيف تسأل ومن ثم تقول: صدقت؟ يعني سؤاله، سؤال جبريل هنا، ظهر للصحابة أنه سؤال اختبار معلومات للرسول صلى الله عليه وسلم، هكذا ظنوا في البداية.

ولذا كره السلف أن يسأل المرء عن مسألة وهو يعلمها.
بعض الناس، بعض طلاب العلم، يكون في مجلس علمي وهو يعرف المسألة، لكنه يسأل عنها.
لماذا؟ حتى يتناقش مع المسؤول عنها ويظهر علمه فيها، فيقترب به الناس، يقولون: ما هذا العلم! ما شاء الله، كذا.
لذلك السلف كرهوا ذلك.
لا ينبغي السؤال عن شيء تعرفه إلا لمصلحة، مثل المصلحة الموجودة هنا في الحديث.

(( ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
قال: صدقت، فعجبنا منه يسأله ويصدقه.
ثم قال: يا محمد ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكـ... فإنك إن لا تراه فإنه يراك ))

والمتصوفة كثيراً ما يدندنون حول كلمة الإحسان.
طبعاً الإحسان درجة عظيمة، الإنسان إذا عاش في رتبة الإحسان فإن ذنوبه تقريباً تقترب من الصفر؛ لأن كل فعل يفعله وكل معصية يريد أن يفعلها يتذكر أن الله سبحانه وتعالى يراه.
نعم، فإنك إن لا تراه فإنه يراك.

(( قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ))

الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يسأل عن الساعة، عن ميعادها، كان يجيب بأجوبة مختلفة؛ تارة يجيب بهذا: (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ))، يعني أنا مثلك، كما أنت لا تعرف، كذلك أنا لا أعرف.
وتارة يجيب عن السؤال بسؤال: متى الساعة؟ فيقول: وماذا أعددت لها؟ مع أن هذه الطريقة لا يحبها اليوم أهل هذا العصر، يعتبرون إجابة السؤال بسؤال تهرباً من السؤال! لا، أحياناً إجابة السؤال بسؤال هي أفضل من الجواب عنه بشكل مباشر.

(( قال: فما أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، قال وكيع: يعني تلد العجم العرب ))

«أن تلد الأمة ربتها»؛ هذا، هذه الجملة في تفسيرها خلاف بين العلماء.
بعضهم يقول ما قاله "وكيع": ( يعني الأمة تكون عجمية فتلد العرب )، يعني من أشراط الساعة كثرة العرب الذين يولدون من إماء عجميات.

بعضهم قال لا، هذا الحديث يعني فيه معنى أن الأولاد يتعاملون مع الآباء والأمهات معاملة سيئة، حتى كأن أمه أمة عنده.
والأمرين قد حدثا، سواء يراد بالحديث هذا أو ذاك، قد حدث الأمرين، الأمران.

(( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ))

العالة يعني الفقراء.
الحفاة العراة العالة رعاء الشاء من هم؟ هم أهل البادية.
أهل البادية يتطاولون في البنيان، هذا ليس ذماً لأهل البادية كما يظن بعض الناس، لا، هذا المراد به أن أهل البادية لا يبنون؛ لأن أهل البادية بدو يتنقلون.
البدوي ما يجلس في مكان محدد؛ تارة في تلك البادية، تارة في بادية أخرى، تارة تحت تلك الشجرة يرعى الغنم، فما يبني لأنه غير مستقر.
فقال لا، من علامات الساعة أن يستقر البدوي، يصير يبني بناء ويسكن فيه مثل مثل أهل المدينة، وهذا قد حدث.

(( ثم قال: فلقيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ثلاث، فقال: يا علي... أتدري من الرجل؟ قلت: الله ورسوله أعلم ))

وكلمة "الله ورسوله أعلم"، الإنسان إذا سئل عن مسألة دنيوية فإنه يقول: الله أعلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرف كل مسألة دنيوية.
يعني مثلاً اليوم أنا سألتك: أيهما أطيب؟ أو أيهما أكثر صحية؟ أيهما أكثر فوائد من حيث الصحة، بياض البيض ولا صفار البيض؟ ما تقول الله ورسوله أعلم، تقول الله أعلم.

لكن لو سألتك عن مسألة دينية، قلت لك: ما حكم الصلاة؟ ما حكم صلاة الجماعة، هل هي مثلاً فرض عين أو فرض كفاية؟ فإذا قلت "الله ورسوله أعلم" هذا جائز حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذه المسألة، في حياته كان يعلمها.
فخلافاً لمن قال بأن هذه الكلمة "الله ورسوله أعلم" لا تقال إلا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هكذا على الإطلاق، لا، تقال أيضاً بعد وفاته إذا كان الكلام عن مسألة دينية.

(( قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم ))

حدثنا أبو الحسن القطان، حدثنا يحيى بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا كهمس مثله.

نعم، فذاك جبريل، جبريل أتى يعلم هذه الأمة دينها، وهذا فيه فضل هذه الأمة؛ أن جبريل وهو أفضل الملائكة -وقد حكيت الإجماع على ذلك- أتى بذاته لكي يعلم الناس دينهم.
يعني هذا الدين من علمنا إياه؟ الصحابة من علمهم؟ سيد البشر وسيد الملائكة، وهذه فضيلة عظيمة.
طيب.

رواية أبي هريرة للحديث

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن علية، ثقات تقدموا معنا.

عن أبي حيان، ثقة.

عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، ثقة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً بارزاً للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر.
قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان.

هنا في حديث أبي هريرة دون ذكر الحج، دون ذكر الحج.
فالعلماء وجهوا ذلك على وجهين؛ الوجه الأول: أن تكون حادثتين مختلفتين، حادثة عمر حديث عمر وحديث أبي هريرة حادثتين مختلفتين.
أو أن الراوي لم يذكرها بكل بساطة، أن يكون لم يذكر الحج في حديث أبي هريرة بكل بساطة؛ ما سمع مثلاً كلمة الحج، أو سمعها ونسي أن يذكرها.

قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك.
قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها؛ إذا ولدت الأمة ربتها فذلك من أشراطها، وإذا تطاولت رعاء الغنم في البنيان فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله.

التعليق على علم الساعة والغيب

لماذا الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن أشراط الساعة؟ أولاً تحذيراً لنا، ثانياً إشباعاً لرغبة النفس.
النفس البشرية تحب الاطلاع على الغيب، تحب الاطلاع على الغيب والتوقعات وكذا، تحب اكتشاف المجهول.
فأشراط الساعة تشبع شيئاً من هذه الرغبة.

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [لقمان: 34].
وهذا يدل على أنه لا أحد يعلم علم الساعة، وهذا أمر يقيني قطعي.
لا يوجد لا رسول ولا ملك ولا أحد ولا أحد يعلم علم الساعة.
الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام: { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } [طه: 15].

أكاد أخفيها كما جاء عن السلف قال: الله سبحانه وتعالى يقول أكاد أخفيها حتى عن نفسي، يعني مبالغة في شدة الإخفاء.
ومن ثم يأتيك رجل يزعم أن بعض الأنبياء عندهم علم الساعة! نسأل الله العفو.

{ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ } [لقمان: 34].
طيب، الغيث لا يعلم أحد متى ينزل إلا الله.
اليوم البعض يقول: طيب، هناك توقعات طقس، أصبحنا نعلم بشكل تقريبي يعني نزول الغيث.

الجواب على ذلك؛ أول شيء الله سبحانه وتعالى يعلم قبل ألف سنة المطر الذي سينزل في الغد، وهذا مستحيل علمياً أن تفعله أنت.
يعني التوقعات العلمية تكون قبل فترة قصيرة.
ثاني شيء، التوقعات ليست دقيقة 100%، اسمها توقعات.
ثالث شيء، الله سبحانه وتعالى يعلم أين تنزل كل قطرة، وهذا لا يعلمه هؤلاء، هؤلاء فقط يعطونك الجو العام، المظهر العام.
لكن الله سبحانه وتعالى يعلم كل قطرة أين تنزل، وهذه من فوائد مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الله سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات، خلافاً لكثير من الفلاسفة الذين يزعمون أن الله لا يعلم الجزئيات، فهم يقولون مثلاً الله سبحانه وتعالى يعلم أن اليوم سينزل مطر في سوريا، لكن الجزئيات لا، لا يعلمها، نسأل الله العفو.
{ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [الأنعام: 59]، يعني الله سبحانه وتعالى يعلم كل حبة أين تنزل، هذا لا يعلمه البشر.

{ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } [لقمان: 34]، نفس الشيء، الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلقك وقبل أن يخلق أي امرأة من البشر، يعلم أن هذه المرأة سوف تحمل كذا وكذا وكذا، ويعلم مصير الأولاد وكيف ستم الولادة، وكل هذه الأمور.

{ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا } [لقمان: 34]، لا أحد يعلم ماذا سيفعل في الغد، قد يموت.
يعني أنت تضبط المنبه لكن لا تدري هل تستيقظ في الغد ولا لا.

{ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } [لقمان: 34].
{ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [لقمان: 34].
هذه الجملة { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ }، هذه الجملة أنا لما أقرأها أتذكر فوراً السوريين.
السوريون لو تقرأ كل واحد أين توفاه الله سبحانه وتعالى، يعني تستغرب، تقول مثلاً قبل أن تندلع الحرب في سوريا، ما تتوقع والله فلان السوري يموت في ألمانيا، فلان السوري يموت في السويد، فلان السوري يموت في ألمانيا، في البحر! تقول هذا مستحيل يعني، لو الإنسان اطلع أنه سيموت في السويد أو في البحر يقول أنا كيف سأذهب إلى هناك يعني أصلاً؟ ما الحاجة التي ستذهب بي إلى هناك؟ لكن الإنسان علمه محدود.

وطبعاً حديث جبريل حديث صحيح، هذا من أهم الأحاديث التي يقوم عليها الدين، وهذا الحديث هو الذي دفع ابن عمر أن ينكر على القدرية في زمانه، ظهروا في أواخر حياة ابن عمر رضي الله عنهما.

حديث: "الإيمان معرفة بالقلب..." وبيان نكارته

حدثنا سهل بن أبي سهل، ومحمد بن إسماعيل، ثقات، قالا: حدثنا عبد السلام بن صالح أبو الصلت، أبو الصلت الهروي.
عبد السلام بن صالح هذا، الكلام عليه من ناحيتين؛ الناحية الحديثية: متهم، يعني له أحاديث مناكير، والحديث الذي بين يدينا هو من مناكيره.
فروى حديثاً منكراً، ألا وهو الحديث الذي بين يدينا: «الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان».

الحديث هذا كمتن، المتن صحيح، ليس عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا، كمعنى، كمعنى أهل السنة مجمعون على هذا، لكن كقول للرسول صلى الله عليه وسلم هذا باطل.

وهذا الحديث وأحاديث عبد السلام بن صالح المنكرة يرويها هو، فيأتي غيره من المتروكين فيسرق هذه الأحاديث.
لكن المشهور عند العلماء أن هذه الأحاديث يكون مصدرها أبو الصلت، ثم تسرق منه، فلا تغرنك أي متابعة لأبي الصلت، هكذا يذكر والله أعلم.
لكن المهم أن هذا الراوي أحاديثه منكرة، سواء كان تعمد ذلك أو لم يتعمد ذلك أحاديثه منكرة.

وأيضاً من مناكيره، حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا مدينة العلم -وفي رواية أنا دار الحكمة- وعلي بابها»، أيضاً من مناكيره، نفس العلة كان فيه.
رواه عن أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس.
نعم.

ترجمة أبو الصلت ومناقشة معتقده

هذا من الناحية الحديثية، من ناحية العقيدة؛ هذا الرجل كان شديداً على الجهمية، كان يحارب الجهمية.
وأصلاً هذا الحديث الذي رواه هو حديث واضح في محاربة الجهمية.
وكان يقول بعدم خلق القرآن، وينكر جداً على الجهمية.
لكن بالله عليكم، هذا الأمر لم يدفع السلف أن يصححوا حديثه، وإنما أنكروا عليه.

وأيضاً السلف ما رفعوه فوق قدره، نعم هو يرد على الجهمية وكذا لكن ما رفعوه فوق قدره، ما أحد يعرف هذا الرجل عبد السلام بن صالح، بل أنكروا عليه؛ لأنه مرمي بالتشيع.

رميه بالتشيع فيه وجهان؛ بعض الرواة قال: ( ما سمعته يتحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا بخير، كان يترحم على أبي بكر وعمر وكل الصحابة ). بعضهم قال لا، قال إنه قال يوماً: ( كلب خير من كل بني أمية )، فقيل له وبني أمية يعني يشملهم فيهم عثمان، هل هذا يشملهم؟ قال: ( نعم ). فالله أعلم.

والرجل يعني ليس من الأئمة حتى الإنسان يبحث كثيراً في ترجمته، فهو من الناحية الحديثية تعبان، ومن الناحية في باب العقيدة أيضاً فيه نظر.
طيب.

رواية أبو الصلت عن علي بن موسى الرضا وإلزام الرافضة

وقد روى هذا الراوي هذا الحديث المنكر، وروى حديث «أنا دار الحكمة وعلي بابها»، وكان يروي أيضاً عن علي بن موسى الرضا، كما في هذا الحديث هو مكثر عن علي بن موسى الرضا، لكن الأحاديث مناكير.
روى عن علي بن موسى الرضا أنه قال: ( القرآن غير مخلوق، من قال القرآن مخلوق فهو كافر ).

هنا في إلزام جميل؛ الإلزام أن عبد السلام بن صالح هذا ثقة عند الرافضة، رافضة اليوم يعتبرونه ثقة.
طيب، أنا سأمشي معهم، لو افترضناه ثقة فإنه ينكر القول بخلق القرآن ويكفر فاعله، بل ويروي ذلك عن الإمام المعصوم عندهم علي بن موسى الرضا.
طيب، الآن عندنا حالتين؛ الرافضة يقولون أن القرآن مخلوق، علي بن موسى الرضا يقول القرآن غير مخلوق.
فإما أن يكون علي بن موسى الرضا أصاب، وهذا خلاف مذهب الرافضة فمذهبهم باطل، وإما أن يكون أخطأ ومذهبهم باطل لأنهم لا يقولون بأن الإمام يخطئ فتنقض العصمة.

حدثنا علي بن موسى الرضا، ثقة، لكن ابتلاه الله سبحانه وتعالى بالمتروكين الذين يروون عنهم.
وهذا الرجل ذكروا أن المأمون عينه ولياً للعهد، الله أعلم بصحة ذلك، لكن ذلك مذكور في التاريخ.
وذكروا في سبب وفاته وجهين؛ الوجه الأول: أنه مات مسموماً، أن المأمون سممه، ومثل هذا يحتاج إلى إسناد صحيح، إسناد صحيح لرجل رأى المأمون يسممه، غير ذلك لا يقبل في الحقيقة.
الوجه الثاني: أنه أكل عنباً يوماً فأكثر فمات، وهذا يحدث؛ هذا الإنسان إذا كان مصاباً بالسكري فأكثر من أكل العنب فقد يموت، يرتفع السكر عنده ويدخل في نوبة ارتفاع سكر شديد.
وهذا كما يروى عن الإمام مسلم رحمه الله كيف مات، أنه كان في سهرة حديثية يدرس الحديث، فأثناء السهرة أنت بدك تأكل شيء يعني تتسلى أثناء الدراسة، فكان يأكل الرطب، الرطب مليئة بالسكر، رطبة وراء رطبة فمات، فالذي يظهر أنه كان مصاباً بالسكري والله أعلم.

عن أبيه موسى بن جعفر، الذي يسميه الرافضة بالكاظم، ثقة، بل قال أبو حاتم الرازي كما صح عنه قال: "إمام من أئمة المسلمين"، إمام هذا الرجل، مع أن مروياته قليلة، والفقه الموجود عنده الذي وصل إلينا نوادر، لكنه إمام، مشهور بالعبادة والزهد والورع إلى آخره.

عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه الباقر، تقدموا معنا.

عن علي بن الحسين، الذي يسمى زين العابدين.

عن أبيه الحسن... الحسين بن علي رضي الله عنه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان».
وهذا الحديث حديث موضوع.

قال أبو الصلت: ( لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرأ )، يعني لـشُفي، وهذه الجملة تستخدم من باب مدح الإسناد.
وفي الحقيقة نعم، هذا الإسناد إسناد رائع لولا أبو الصلت، لو كان الثقات رووا هذا الحديث عن علي بن موسى الرضا لكان الإسناد حقيقة إسناداً عظيماً.

وهذا آخره، والله أعلم.

جارٍ التحميل