بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ))
هذا الحديث إسناده كله صحيح، إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات، وقد تقدموا معنا كلهم، حديث صحيح.
شرح الحديث ومعنى نفي الإيمان
وهذا الحديث: «لا يؤمن» هنا -كما تقدم في الدرس السابق- معناها: أي لا يبلغ حقيقة الإيمان، أو لا يكمل إيمانه، لكنه يبقى في دائرة الإسلام.
فالمطلوب من المسلم -على الأقل أدنى درجة-: أن يكون محباً للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لو كان مبغضاً للنبي صلى الله عليه وسلم فهذا كافر.
-
فأدنى درجة: أن يكون محباً للنبي صلى الله عليه وسلم.
-
الدرجة التي أعلى منها: أن يكون محباً له أكثر من كل الناس، أكثر من ولده ووالده والناس أجمعين.
-
الدرجة الثالثة (الأعلى منها): أن يكون يحبه أكثر من كل الناس وأكثر من نفسه، يعني تحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسك، ولذلك في الحديث الصحيح عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "لأنت أحب إلي من كل الناس إلا من نفسي"، فالنبي صلى الله عليه وسلم نبهه إلى أنه ينبغي أن يحبه أكثر من نفسه أيضاً، فأقر عمر رضي الله عنه بذلك فيما بعد، فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: "لأنت أحب إلي من نفسي"، فقال: «الآن يا عمر»، فهذه الرتبة الثالثة.
-
الرتبة الرابعة (الأعلى منها): أن يكون الرجل يحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من كل الناس ويتمنى لقاءه، يتمنى لقاءه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن قوم يأتون من بعده لم يروه، يقول: «يود أحدهم لو رآني بنفسه وماله»، يعني مثلاً عندك اليوم أنت كل ما لك تتمنى أن يذهب مقابل أن تلقى النبي صلى الله عليه وسلم أو أن تراه.
فهذه هي مراتب محبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرناها.
حكم الغلو في محبة النبي صلى الله عليه وسلم
وأما من غلا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصبح يحب النبي صلى الله عليه وسلم كما يحب الله، فهذا كفر أكبر مخرج من الملة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة: 165].
نعم، فأهل السنة وسط في هذا الباب، لا يغلون ولا يكونون من الجفاة.
وقفات مع ألفاظ الحديث
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده»:
-
فيه: أن الإنسان يحب ولده، وهذا شيء فطري، الإنسان يحب ولده، ويندر أن تجد من لا يحب ولده، يندر هذا، لكنه موجود، لكنه نادر وليس بمنتشر.
-
ووالده: أيضاً الإنسان العاقل يحب والده، لكن في هذا الزمان انتشر موضوع بغض الوالد وعدم محبته، والوالد هنا تشمل الأب وتشمل الأم؛ لأن كلمة والد في اللغة تطلق على الاثنين، علماً أن النفوس السليمة تحب الوالد والولد.
-
والناس أجمعين: من كل الناس، وليس فقط والناس أجمعين، وأيضاً ومن الجنة أجمعين، يعني نحن نحب النبي صلى الله عليه وسلم ليس فقط أكثر من كل الناس بل ومن كل الجن، لكن لماذا لم يذكر في الحديث؟ لأننا لا نخالط الجن، يعني الجن المسلم نحن لا نخالطه، فكيف؟ فمحبتنا لإخواننا المسلمين من الجن هي محبة لأنهم مسلمون فقط، وإلا فإننا لا نراهم في العموم ولا نكلمهم، يعني لا يوجد نوع محبة خاصة؛ فلذا لا يذكرون هنا.
فهذه مراتب محبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرناها.
وهذا آخره، والله أعلم.