-
حدثنا داود بن سليمان العسكري، كما قلناه: عامة شيوخ ابن ماجه يكونون مستقيمي الحديث حتى لو كانوا غير مشهورين.
-
حدثنا محمد بن علي أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي، لا بأس به.
-
قال: حدثنا محمد بن محصن، هذا الراوي متهم بالكذب، هذا الراوي متهم بالكذب، وهذا الحديث الذي بين أيدينا -يعني- هو من مناكير هذا الراوي.
-
عن إبراهيم بن أبي عبلة، ثقة مشهور، معروف بالعبادة والزهد، هو ثقة في نفسه، لكن القسم الأكبر من الأحاديث التي يرويها لا يكون الإسناد إليه صحيحاً أصلاً، مثل هذا الحديث الذي بين أيدينا؛ فإن راويه عن إبراهيم هو -كما قلنا- محمد بن محصن وهو متهم بالكذب.
-
عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن الديلمي، ثقة.
-
عن حذيفة رضي الله عنهم.
مسألة في الرواة الكذبة وطرقهم في الوضع
هنا مسألة؛ يعني محمد بن محصن متهم بالكذب، طيب، الرواة الكذبة على نوعين:
-
نوع ذكي: يروي الحديث المكذوب (المتن المكذوب) بإسناد غير مشهور، بإسناد رجاله ثقات لكنه غير مشهور.
يعني أنت اليوم كم مرة قد مر معك في الأسانيد: إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن الديلمي، عن حذيفة؟ كم مرة مر معك هذا الإسناد؟ نادر جداً، وكلهم ثقات! فمثل هذه الطريقة تكون -يعني- يصدقها الإنسان أكثر؛ لأن الإنسان قد يمر عليه هذا الحديث، يعني قد يخطئ ويصححه مثلاً. -
نوع أقل ذكاءً: بينما والله لو الإنسان جاء ووضع حديثاً بسلسلة مشهورة، والله محمد بن محصن عن مالك عن نافع عن ابن عمر، خلاص! هنا يستبين الكذب فوراً.
متن الحديث الأول والكلام عليه
عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«لا يقبل الله لصاحب بدعـة صومـاً ولا صلاةً ولا صدقـةً ولا حجّاً ولا عمرةً ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين».
هذا الحديث حديث موضوع مكذوب.
وهنا هذا الحديث الذي بين أيدينا هو في ذم أهل البدع، وحذيفة رضي الله عنه ورد عنه ذم أهل البدع خصوصاً الخوارج، ورد عنه ذم الخوارج الذين خرجوا على عثمان بشكل أساسي، ذمهم وهو الذي روى حديث: «اسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك» على خلاف في صحة هذه الزيادة الموجودة في مسلم، هل الإسناد منقطع بها أم لا؟ فحذيفة ذم أهل البدع وخصوصاً الخوارج.
طيب، وهذا أيضاً من ذكاء الراوي المتهم بالكذب؛ أنه -يعني- يضع راوي الحديث من الصحابة ممن له اهتمام في المتن، بمواضيع المتن.
مسائل المتن:
المسألة الأولى: جاء أن الله أبى أن يقبل لصاحب بدعة عملاً، هذا الحديث ورد في هذا الإسناد الذي بين أيدينا، وورد من حديث أنس، ويمر معنا بعد قليل من حديث ابن عباس، لا يصح منه شيء، لا يصح منه شيء.
وفي إحدى الأسانيد من حديث أنس اغتر بعض العلماء فصححه؛ لأنه وجد رواية عن حميد الطويل عن أنس، فظن أن حميداً هو الطويل، لكنه في الحقيقة ليس الطويل، فالمهم: مرفوعاً لا يصح هذا الحديث.
ومعناه -معناه- قد يستشهد له ببعض الشواهد عن الصحابة؛ فإنه قد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في القدرية: "أن الله لا يقبل منهم عملاً".
طيب، ما المقصود إذاً بهذا؟ يعني صاحب البدعة نوعين:
-
بدعة مكفرة: هذا الله سبحانه وتعالى لا يقبل منه عملاً لأنه كافر.
-
بدعة غير مكفرة: كيف الله لا يقبل منه عمل؟ الجواب على ذلك: بعض السيئات تحبط الحسنات، والبدعة من هذا النوع، البدعة تحبط الحسنات.
يعني أنا اليوم مثلاً فعلت 100 حسنة، لكن أنا مبتدع، فهذه البدعة تحبط قسماً كبيراً من هذه الحسنات، أو تحبط بعضها، المهم أنها تحبط هذه الحسنات.
ما خطورة البدعة؟
البدعة خطورتها في هذا الباب أكبر بكثير من خطر المعاصي، مثال ذلك: إنسان فعل معصية ما وانتهى الأمر، هذه المعصية -كما قلنا- قد تحبط بعض الحسنات.
البدعة خطورتها أنها مستمرة؛ تنام وأنت مبتدع، تستيقظ وأنت مبتدع، تأكل وتشرب وأنت مبتدع، يعني البدعة هي فكرة واعتقاد، فكرة تعتقدها أنت تستمر معك، أما المعصية فزمنها محدود؛ معصية والله دقيقة، دقيقتين، ساعة، ساعتين، يوم، وانتهى الأمر، انتهت المعصية، أما البدعة فتستمر معك، فلذلك مهما تفعل من حسنات، هذه البدعة ما دام موجودة تحبط تحبط هذه الحسنات، فهذه هي خطورة البدعة.
ولذا: قليل عمل من صاحب سنة، أفضل بكثير من كثير عمل من صاحب بدعة، نعم.
الحديث الثاني والكلام عليه
-
حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، الحافظ الكبير.
-
حدثنا بشر بن منصور الحناط -وفي نسخة: الخياط- مجهول.
-
عن أبي زيد، مجهول أيضاً.
-
عن أبي المغيرة، مجهول أيضاً.
-
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعـة حتى يدع بدعتـه».
هذا الحديث أيضاً إسناده منكر، والمتن -كما قلنا- لا يصح.
وأيضاً الراوي هنا من الصحابة هو ابن عباس، وابن عباس معروف أنه كان ينكر على الخوارج، فأيضاً راوي الحديث هنا يهتم بهذه الأمور.
الحديث الثالث والكلام عليه
- حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، الثقة الحافظ الكبير، هذا ثقة حافظ كبير.
ملاحظة استطرادية حول عبد الرحمن بن إبراهيم:
هذا وردت منه كلمة -كلمة غير جيدة- ذكرها العجلي، وصحت هذه الكلمة عن عبد الرحمن بن إبراهيم؛ أنه سمع قوماً يقولون بأن الفئة الباغية هم أهل الشام -أهل الشام يعني معاوية رضي الله تعالى عنه ومن معه- فقال: "من قال بأن الفئة الباغية هم أهل الشام فهو ابن الفاعلة" وابن الفاعلة يعني ابن الزانية.
طبعاً أول شيء هذه الكلمة سيئة جداً لأمور؛ الوجه الأول: حتى لو كان كلام عبد الرحمن بن إبراهيم صحيحاً في كون أنه يستحيل أن تكون الفئة الباغية هم أهل الشام، فإن قوله "ابن الفاعلة" هذا قذف! هذا قذف، وهذه كلمة سيئة جداً لا ينبغي أن تقال مع ألد الخصوم.
ثاني شيء: ورد في الحديث أن عماراً تقتله الفئة الباغية، بغض النظر هل صح أم لا، لكن كثير من العلماء يصححون هذا الحديث، بل أكثر العلماء يصححونه، فأنا لا ينبغي أن آتي إلى حديث صححه القسم الأكبر من العلماء ولما أرده، أرده بهذه الصيغة الفجة! بهذه الصيغة الفجة.
لذلك أبو حنيفة لما كان يذكر له الحديث فيضرب له الأمثال أحياناً، تجد أن بعض السلف مثل أبي زرعة قال: "كان أبو حنيفة يستهزئ بالآثار" فسموا هذا استهزاءً.
ففعل عبد الرحمن بن إبراهيم هنا حقيقة مثل فعل أبي حنيفة في بعض الأحاديث التي كانت تروى له، مثل والله مثلاً أبو حنيفة لما رأى رجلاً يكبر عند الركوع وعند الرفع من الركوع، فقال له: "انتبه أن تطير".
فهنا نفس المسألة؛ حديث لما تجد أنت أن -مثلاً موضوع الرفع، رفع اليدين في الركوع وعند الرفع من الركوع- هذا هو قول الجمهور: المالكية، الشافعية، الحنابلة، قول أكثر الناس، قول أهل المدينة، أهل مكة، باستثناء الكوفيين، فأنا لما أجد فعل أصلاً عامة الناس على استحبابه، إذا أريد أن أرود- إذا تبين لي مثلاً أو أنا رأيي الشخصي أن هذا الفعل غير مستحب، أرده بأدب، لا أرده بهذه الصيغة الفجة، الصيغة السيئة، هذا وجه ثانٍ.الأمر الثالث: البعض قال بأن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي هنا لا يقصد رد الحديث، وإنما هو يقصد كراهة التحديث بمثل هذه الأحاديث لكون الناس مثلاً يستغلونها في الطعن في بعض الصحابة، نقول: نعم حتى لو كان ذلك، لكن قول "ابن الفاعلة" هذه هي الكلمة السيئة، هذه هي الكلمة السيئة التي لا ينبغي أن تقال، فالخلاصة أنه أخطأ في هذه الجملة.
-
وهارون بن إسحاق، ثقة حافظ.
-
قال: حدثنا ابن أبي فديك، ثقة.
ملاحظة استطرادية حول ابن أبي فديك:
ابن أبي فديك له أثر مشهور -أو أثر غير مشهور بصراحة- ذكره ابن تيمية؛ بعض الناس والمتصوفة لما يحتج باستحباب الدعاء عند القبور، يحتج إحدى حججه أثر عن ابن أبي فديك، أثر يرويه ابن أبي فديك عن رجل مجهول مبهم لا نعلم ما اسمه، قال: "بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] فقال: صلى الله عليك يا محمد سبعين مرة، كان له من الجزاء كذا وكذا".
أول شيء هذا الأثر لا يصح إسنادياً؛ يعني ابن أبي فديك رواه عن رجل مبهم، وهذا الرجل المبهم لا نعلم هل هو صادق هل هو كاذب، ومن ثم الرجل المبهم أصلاً قال "بلغنا"، مَن بلّغك؟ يعني إسناد مسلسل بالمجاهيل، فكيف نحتج بمثل هذا؟ وثاني شيء أصلاً فعل الصحابة والتابعين ومن بعدهم خلاف هذا، خلاف هذا.
يعني أنت كيف- يعني أنت لما تقول "صلى الله عليك يا محمد سبعين مرة" هذه تحتاج مدة زمنية طويلة عند الوقوف على القبر، والمتواتر أن القبور لا يمكث عليها طوال تلك الفترة.ولذلك بعض العلماء فرق بين القراءة عند القبور -بمعنى والله مثلاً أنا مريت على القبر قلت: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، مثلاً وقلت وقرأت قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، يعني سورة قصيرة لا تستغرق وقتاً فقرأتها- بعض العلماء أجاز هذه الصورة، لكن لم يجز أن تقف عند القبر وتطيل وتطيل في القراءة بحيث تصبح كأنك ماكث عند القبر، مكث طويل، فهذا يكون فيه شبهة التعظيم للقبر.
-
عن سلمة بن وردان، هذا يروي عن أنس رضي الله عنه، وهذا الراوي ضعيف، بل وأحاديثه فيها نكارة، ومن مناكيره هذا الحديث الذي بين أيدينا.
-
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها».
هذا الحديث حديث منكر.
والسبب: سلمة ضعيف، لكن السبب الأكبر أن هذا الحديث يخالف حديثاً أصح منه إسناداً، ألا وهو حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه.
وحتى حديث أبي أمامة الباهلي حديث حسن، ولو ضعفه رجل لما أنكرنا ذلك عليه، يعني يقبل في باب الفضائل.
حديث أبي أمامة الباهلي يوافق هذا الحديث (حديث أنس) فقط في شيء واحد، وهو أن مَن حسن خلقه بني له في أعلاها، له بيت في أعلى الجنة، وأنت تعلم أعلى الجنة ما معنى، يعني قرب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث: «أقربكم مني مجلساً أحسنكم أخلاقاً»، نسأل الله من فضله.
لكن الحديث هذا يخالف حديث أبي أمامة في أمر:
-
في هذا الحديث (حديث أنس): أنه مَن ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة (ربض الجنة يعني أطرافه، على أطراف الجنة)، بينما في حديث أبي أمامة: لا، الذي يترك الكذب وهو باطل يبنى له قصر في وسط الجنة وليس في أطرافها.
-
وأيضاً في حديث أنس: أن مَن ترك المراء وهو محق بني له في وسط الجنة، بينما لا، في حديث أبي أمامة: أن مَن يترك المراء وهو محق يبنى له بيت في ربض الجنة أي في أطرافها.
فهذا دليل على أن الراوي لم يضبط الحديث، فلذلك هذا الحديث لا يصح وهو حديث منكر، ويغني عنه -كما قلنا- حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه.
وهذا آخره، والله أعلم.