بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس العاشر من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
وصلنا إلى الحديث الرابع عشر:
حدثنا (( أبو مروان محمد بن عثمان العثماني )) -ثقة-.
حدثنا (( إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف )) عن أبيه.
(( إبراهيم بن سعد )) هذا أيضاً من الثقات.
وهذا الرجل قد تُكلِّم فيه لمسألة، وهو أنه ورد عنه أنه يبيح الغناء.
طبعاً كلمة الغناء كلمة عامة، قد تشمل الغناء -غناء القصائد- بدون موسيقى (بدون معازف)، أو قد يمتد ذلك إلى المعازف.
طبعاً التهمة التي رُمي بها هو لا، أنه يجيز الغناء مع العود، يعني حتى أنه كان يعزف بالعود.
هذه التهمة لها سند، روى هذه القصة الخطيب في تاريخ بغداد عن (( إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن )) هذا، (( إبراهيم بن سعد بن إبراهيم )).
ولكن السند لا يصح؛ السند فيه (( عبيد الله بن سعيد بن كثير ))، وهو راوية للمناكير.
فالسند بهذا لا يصح، فلذلك لم يثبت عندي أن الرجل هذا يبيح العزف بالعود، ربما يبيح الغناء.. ربما، لكن أنه يبيح العزف بالعود فهذا لم يثبت عندي، ولو ثبت عندي فهو قول شاذ ولا يؤخذ به.
لكن أنا نبهت إلى هذا لأن كثيراً ممن يؤلف في إباحة المعازف فوراً يذكر قائمة من يبيح المعازف عبر التاريخ، ويذكرها دون تحقق من الإسناد.
يعني يأتي إلى حديث مسند عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المعازف فيجتهد في تضعيفه، ويأتي لما يثبت قائمة الذين أباحوا المعازف عبر التاريخ يتساهل في السند، طيب لماذا هذا التناقض؟
فالخلاصة، الرجل لم يثبت عندي أنه قال بهذا، ولو ثبت فقوله مردود عليه.
وأصلاً في الرواية ذاتها التي أباح فيها المعازف أن أهل الحديث لما جاءوا إلى عند (( إبراهيم )) لكي يسمعوا الحديث منه، لكي يسمعوا حديثه عن (( الزهري ))، لما عرفوا بذلك أنه يبيح المعازف تركوه.
فالذي يحتج بهذه الرواية يجب أن يذكر الأمر كاملاً، أن أهل الحديث تركوه لما فعل هذا.
عن أبيه، أبوه هو (( سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف )) حفيد الصحابي الجليل (( عبد الرحمن بن عوف ))، ثقة من كبار الثقات، مجمع تقريباً على توثيقه.
عقيدته سليمة، ربما قد تجد في أحد الآثار الموجودة في إحدى الكتب ما قد يشعر -ما قد يشعر- أنه يميل إلى شيء من القدر، طبعاً هذا باطل لا يصح، هو أصلاً من قضاة المدينة، والقدر انتشر في العراق في البصرة، لا تصح هذه التهمة وليس لها سند صحيح.
وهذا الرجل هو أعلم من (( مالك )) كما هو مشعر من كلام الإمام "أحمد" رحمه الله الذي ورد عنه -بما معناه- أن (( سعد بن إبراهيم )) لا يضره أن (( مالكاً )) لم يروِ عنه.
(( مالك )) لم يروِ عنه لأن بين (( مالك )) و(( سعد بن إبراهيم )) كان بينهما شيء من الخصومة، من الخصومة التي تقع بين الرجل وأخيه، وإن شاء الله الاثنين إخوان على سرر متقابلين يوم القيامة في الجنان، قد نُزع من صدورهم الغل.
طيب، لماذا كان (( مالك )) و(( سعد بن إبراهيم )) بينهما خصومة؟ قيل في ذلك عدة أسباب، الله أعلم، يعني أنا لم أجد شيئاً صريحاً صحيحاً في هذا؛ قيل بأن (( سعد بن إبراهيم )) مرة وعظ (( مالكاً ))، (( فمالك )) يعني انزعج من هذا الوعظ فحدثت تلك الخصومة، وهذا يظهر أنه بعيد.
قيل لا، (( سعد بن إبراهيم )) تكلم في نسب (( مالك ))، (( فمالك )) غضب من هذا وحدثت بينهما تلك القطيعة، حيث أن (( مالكاً )) لم يروِ عن (( سعد بن إبراهيم )).
على أية حال، خصومات تحدث بين الإخوة، نسأل الله أن يغفر لنا ولهم.
عن (( القاسم بن محمد ))، (( القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق )) رضي الله عنه، هو حفيد صحابي، حفيد "أبي بكر".
وهذا السند فيه لطيفة: أنه (( سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف )) يرويها عن (( القاسم بن محمد ))، يعني حفيد صحابي عن حفيد صحابي، هذا من اللطائف.
(( القاسم بن محمد )) هذا ثقة مجمع على ثقته، إمام لم يطعن فيه أحد، من العباد من العلماء، يعني حتى تستغرب أن الرافضة اليوم -الرافضة اليوم- أيضاً يجلون هذا الرجل، يعني يعتبرونه من الثقات عندهم.
طبعاً الرجل بريء من مذهبهم يعني، الرجل بريء من مذهبهم لكن سبحان الله يعتبرونه من ثقات أصحابهم.
بينما لما تقرأ في سيرة هذا الرجل، الرجل أصلاً من ربته؟ "عائشة" رضي الله عنها، تربى هذا الرجل في حجر "عائشة" رضي الله تعالى عنها.
(( القاسم بن محمد )) ثقة كبير.
عن (( عائشة )) رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد »، حديث صحيح مشهور ومن الأحاديث الأساسية.
وهذا الحديث تفرد به (( القاسم بن محمد )) عن (( عائشة )).
ولماذا رواه (( القاسم بن محمد ))؟ (( القاسم بن محمد )) جاءه رجل فقال له: إن هنالك رجلاً، رجل عنده ثلاث بيوت -ثلاث بيوت- أوصى بعد ما يموت أن هذه، أن ثلث البيوت يعني وصية للمساكين الفقراء إلى آخره.
طيب، أنت عندك احتمالان: أنا عندي ثلاث بيوت وأوصيت بالثلث للفقراء، هل هذا معناه أن كل منزل -مثلاً كل منزل فيه ثلاث غرف- كل منزل يكون غرفة للفقير وغرفتين للورثة، غرفة للفقير وغرفتين للورثة وهكذا؟ ولا لا، نجمع الثلاث حصص في منزل واحد فنعطي هذا المنزل للمساكين والفقراء مثلاً والمنزلين للورثة؟
(( القاسم بن محمد )) أفتى بالقول الثاني: أن حصص الفقراء والمساكين (حصص الوصية) تجمع في منزل واحد، بينما حصص الورثة في المبنيين أو في البيتين الآخرين.
وهذا القول يعني المسألة هذه تخضع للاجتهاد، فالمرء قد يرى المصلحة في هذا والمرء قد يرى المصلحة في هذا، وإن كانت المصلحة نعم هي مع قول (( القاسم بن محمد ))، المصلحة أظهر أكيد؛ لأنه أن يجعل حصة في كل بيت للفقير وللورثة يعني هذا الأمر صعب، إما سيعيشون معاً أو سيجبر أحد الطرفين على بيع حصته، لأنه يعني أمران كلاهما مر ولكن أفضل السيء، أفضل السيء، فلا، قول (( القاسم بن محمد )) هو الأرجح.
ولذلك لما سئل (( القاسم بن محمد )) عن هذه المسألة وأفتى، ماذا قال؟ أفتى ثم روى هذا الحديث، قال عن (( عائشة )) رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ». فننتبه هنا أن (( القاسم بن محمد )) أصلاً لما روى هذا الحديث إنما لم يروه في باب البدع -البدع بباب من باب البدع العقائدية- لا، وإنما رواه في مسألة فقهية، لكن مسألة فقهية ليس عليها عمل الناس.
طيب، هل هذا يعني أن هذا الحديث لا نحتج به على المبتدعة وعلى ذم البدع؟ الجواب: لا، بالعكس، هذا فيه دلالة أكثر، لماذا؟ إذا كان (( القاسم بن محمد )) روى هذا الحديث وجعل المسائل الفقهية التي ليس عليها عمل الناس تعتبر رداً إذا لم ترد، فمن باب أولى أن مسائل البدع الدينية العقائدية تدخل في هذا الحديث.
طيب، هذا الحديث ورد بلفظ « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » كما في البخاري، وورد في رواية مسلم « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ». طبعاً الرواية بالمعنى تحدث، لكن أصح الروايتين هي رواية « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » لأنها من رواية (( إبراهيم بن سعد )) عن أبيه عن (( القاسم بن محمد )) عن (( عائشة ))، بينما الرواية الأخرى أقل.. أقل قوة، فالذي يظهر أن رواية « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » هي الرواية الصحيحة.
وهذا آخره، والله أعلم.