شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)تفريغ المجلس الحادي عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجة

تفريغ المجلس الحادي عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجة

قيد المراجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذا هو المجلس الحادي عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجة.

حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر المصري، ثقة ثبت.
وقد أنكر البعض على البخاري أنه لم يروِ له، مع أنه ثقة ثبت كبير.
وفي الحقيقة، البخاري يعني لا يشترط أن يجمع كل الثقات الكبار، فقد يفوته شيء.

أخبرنا الليث بن سعد.
الليث بن سعد إمام كبير، إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في السنة، كان إمام أهل مصر.
ومن المعروف المقولة المشهورة للشافعي بأن "الليث أفقه من مالك، لكن أصحابه لم يقوموا به".
وفي القناة تجد إذا كتبت "الليث بن سعد" تكلمت عن هذا الموضوع حتى لا أعيد الكلام مرة أخرى عن هذا الرجل.

عن ابن شهاب الزهري.
الزهري الثقة الكبير، طبعاً هذا الرجل تُكُلِّم فيه من قِبل أعداء الدين.
طيب، ما هي المطاعن التي تُكُلِّم فيها فيه؟ أنا لن أطيل في ذكرها لأن هذا البحث قد قُتِل بحثاً، موضوع الدفاع عن الزهري هذا الموضوع قد قُتِل بحثاً لأن المستشرقين ركزوا جداً على الهجوم على الزهري، فقام المسلمون بالدفاع عنه كثيراً، فالموضوع مقتول بحثاً.
لكن أذكر باختصار المسائل التي انتُقِدت عليه؛ من طرف المسلمين -من طرف العلماء الذين انتُقِد عليه- كثرة مخالطته لحكام بني أمية.
وهذا الأمر ليس حراماً يعني، ليس حراماً ولكن كان السلف لا يحبون كثرة خلطة السلطان، لكن هو مع مخالطته للسلطان لم يكن يعني يداهن لهم، فقد جاء عن الأوزاعي كما روى يعقوب بن سفيان أن "الزهري لم يكن مداهناً لأي حاكم دخل عليه"، فالرجل كان يتكلم بكل صدق وصراحة عندهم، وهنالك مرويات تدل على ذلك حيث إنه عارض الوليد بن عبد الملك في بعض المسائل.

هذا من طرفنا نحن المسلمون.
من طرف أعداء الدين، المسائل التي انتُقِدت عليه: أول شيء اتهموه بالكذب، وبأنه يزور الأحاديث، وبأنه هو الذي وضع حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وطبعاً هذا كله ليس له سند، وأصلاً الزهري لم يتفرد بهذا الحديث، هذه تهمة.
التهمة الأخرى أنه ناصبي، وهذه يدندن حولها الرافضة، طبعاً ليس لها ليس هنالك أي سند يثبت هذا، ليس هنالك أي سند يثبت هذا، بل وجدتُ ياسر الحبيب الرافضي الكبير الزنديق يقول بأن "الزهري قد تاب في آخر زمانه" يعني تاب عن النصب! والزهري أصلاً مكثر من الرواية عن أهل البيت، يعني يروي عن علي بن الحسين ويروي عن غيره، فكيف يكون ناصبياً؟ والعلاقة بينه وبين علي بن الحسين الملقب بزين العابدين علاقة قوية جداً.
فهذا هو الزهري.

أيضاً من التهم التي راجت حديثاً أن الزهري لا يرى صحة خلافة علي رضي الله عنه.
طيب، بماذا استدل هؤلاء؟ استدلوا أنه هنالك أثر في التاريخ الأوسط للبخاري عن الزهري يذكر فيه فترة حكم الخلفاء فيقول مثلاً: "عاش أبو بكر وكانت خلافته كذا وكذا من السنين، وعمر، وعثمان"، بعد عثمان ما ذكر علياً، ذهب فوراً إلى معاوية، ثم بعد معاوية ذكر يزيد، ثم بعد يزيد ذكر عبد الملك بن مروان، فقالوا: أسقط علياً فدل على أنه لا يرى صحة خلافته.
أول شيء، إذا نريد أن ننظر إلى الأثر هذا، الأثر في إسناده إسماعيل بن أبي أويس وفيه كلام مشهور.
ثاني شيء، عدم ذكر فترة خلافة شخص لا يعني أني لا أرى صحة خلافته، لأن بعض أهل العلم يروون الآثار اختصاراً، ما يذكر كل شيء كل الأثر.
طيب دعك من هذا، الأمر الثالث: الزهري في الأثر نفسه لم يذكر لم يذكر مثلاً معاوية بن يزيد بن معاوية الذي حكم أربعين يوماً، طيب هذا أربعين يوماً لا نتكلم فيها فترة قصيرة، طيب الزهري نفسه أيضاً في الأثر نفسه لم يذكر مروان بن الحكم، لم يذكر مروان بن الحكم، فهل هذا يعني أنه لا يرى صحة حكم مروان بن الحكم؟ فهذه الحجة ضعيفة.
أو مثلاً احتجوا بأثر آخر أن الزهري كان يتكلم عن مسألة دية الدية إذا قُتِل رجل من أهل الذمة، فقال الزهري بأن: "أبو بكر قضى كذا، وعمر قضى كذا، وعثمان وفي خلافة عثمان حتى صدر حكم معاوية"، ثم أكمل ثم ذكر عمر بن عبد العزيز، فقالوا: لم يذكر علياً.
طيب هو قال بأن الحكم من فترة عثمان إلى حكم معاوية، يعني كل هذه الفترة، فهي تشمل خلافة علي، فالأثر أصلاً ليس فيه ذلك.
ناهيك عن ذلك، هو بعد معاوية ذكر عمر بن عبد العزيز، طيب هل هو يعني أنه لا يرى صحة خلافة وصحة حكم من بين معاوية وعمر بن عبد العزيز؟ فهذا كله عبارة عن استنتاج وكله غير صحيح، استنباطات ليس عليها أي دليل، لما تثبت تهمة على شخص تثبتها بشيء صريح، تثبتها بسند صحيح، لكن هذا كله غير موجود.
طيب.

عن عروة بن الزبير، عروة بن الزبير الثقة التابعي الكبير، هذا الرجل ثقة تابعي كبير، وابنه هشام، هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة من أصح الأسانيد ومن أشهرها.
وهشام ثقة، وأذكر الكلام فيه الآن ما دام جئنا بذكره، هشام ثقة مجمع على ثقته، لكن لما كبر في السن انتقدوا عليه أحاديثه التي حدث بها في العراق.
في الحقيقة، ربما يكون الضعف في أحاديثه كان من الرواة الذين يروون عنه وليس منه، يعني فعلاً لما أحياناً هنالك آثار لكن قليلة جداً، هذه السلسلة مروية فيها آثار كثيرة جداً جداً، الآثار المنكرة فيها نسبتها نادرة جداً، ويُنتبَه من هذه السلسلة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إلى ما يرويه أبو معاوية عن هشام، أبو معاوية عن هشام أحياناً يأتي بشيء فيه نكارة.
وأيضاً هشام بن عروة جاء عن عن مالك أنه قال: "هشام بن عروة كذاب"، وهذا لا يصح عن مالك، هذا لا يصح إسناداً عن مالك، حتى يعني لا نؤول النص قبل أن ننشغل بالتأويل، أصلاً النص لا يصح عن مالك هذا أنه قال هشام بن عروة كذاب.

(( كلام المصنف ))

(( عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدثه: أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: «يا زبير، اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر».
قال: فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
))

قبل أن أشرح هذا الحديث تذكرت أمراً أيضاً متعلقاً بهشام بن عروة، هشام بن عروة أيضاً البعض قد يطعن فيه بسبب علاقته مع الحكام، يعني ورد أنه دخل مرة على أبي جعفر المنصور فأراد أن يقبل يده، فأبو جعفر لا قال بأنك أكرم من هذا.
طبعاً هذا الأثر لا يصح أيضاً، رواه الخطيب في تاريخ بغداد وفي سنده مجهول لا يصح.
ومسألة تقبيل يد الإمام ورد فيها أثر عن سفيان الثوري، لكن حتى الأثر عن سفيان الثوري رواه عنه اثنان وهذان الاثنان في روايتهما عن سفيان نكارة، فالله أعلم بثبوت ذلك.

طيب، الحديث هذا الذي بين أيدينا هو في سبب نزول آية {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] إلى آخر الآية.
هذه الآية في سبب نزولها أقوال:

  • القول الأول: الأمر المذكور في الحديث، القصة المذكورة في الحديث بين الزبير وبين رجل آخر.

  • القصة الثانية: أنها بسبب خصومة بين كعب بن الأشرف اليهودي وبين رجل يظهر الإسلام، وهذا السند بهذا لا يصح.

  • القصة الثالثة: أنها بين رجلين يعني اختصما في أمر ما وجاءت بذلك مراسيل، يعني ليس هنالك إسناد متصل، اختصما في أمر ما فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قضى بينهما، فالرجل الذي قُضِي عليه يعني انزعج، الحكم ما كان له، فذهب إلى عمر، فقال: "أنا أريد أن أذهب إلى عمر"، فالرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث -والحديث ضعيف كما أكرر مراسيل- قال: "اذهبا إلى عمر ما في مشكلة"، فذهبا إلى عمر، فعمر لما سمع بالقصة قال: "دقيقة"، ذهب جاء بالسيف وقتل الرجل الذي قُضِي عليه، لماذا؟ لأن هذا الرجل كان منافقاً، فلذلك عمر اعتبر هذا الرجل رجلاً منافقاً لأنه أول شيء منافق، ثاني شيء يقدم حكم غير الله على حكم الله وعلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن القصة بهذا السند ضعيفة.

فالراجح والله أعلم أنها في القصة المذكورة بين أيدينا، قصة الزبير.
ومن المعروف أن قول السلف "نزلت الآية في كذا" ليس بالضرورة أن معناها المعنى المتبادر إلى الأذهان أن الآية نزلت من السماء لأول مرة، لا، القول السلف "نزلت الآية في كذا" أحياناً عندهم معناها تشمل الآية كذا، يعني الآية هذه تشمل هذه القصة، وقد تنزل على هذه القصة، وقد تنزل على هذه القصة، وحكمها وحكمها يندرج تحت هذه الآية، نعم.

طيب، القصة التي بين أيدينا الزبير ورجل آخر، من هذا الرجل الآخر؟ جاء من مرسل سعيد بن المسيب أنه حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، لكن هذا مرسل.
ومراسيل سعيد بن المسيب نعم وإن كانت بالعموم جيدة لكن فيها مناكير أيضاً، يعني سعيد بن المسيب رحمه الله روى أن "الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم عاشوراء"، وهذا لا يصح، هذا حديث مرسل لكن لا يصح.
فلذلك لا نستطيع أن نثبت تهمة على رجل بسند مرسل.
وقد قال مقاتل بن سليمان أيضاً بأنه حاطب بن أبي بلتعة، لكن بين مقاتل وحاطب سنين وسنين، فالله أعلم مَن هو الرجل الآخر.

القصة أن الزبير وجاره اختلفا حول ماء، موضوع سقيا الماء، فذهبا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم اقترح حلاً وسطاً، هو الحل هو الحق كان مع الزبير، الحق كان مع الزبير، لكن أحياناً القاضي يقضي بحكم وسط يعني حتى يرضي الأطراف، برضا الأطراف الكل يتفق حتى لا يحدث هنالك الغل وحسد، فيحدث حلاً وسطاً.
فالرسول صلى الله عليه وسلم قال للزبير: «يا زبير اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك».
طيب، حل وسط هذا كان.
فذلك الرجل الآخر لم يعجبه الحكم، فقال: "يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟" يعني هل أنت قضيت للزبير لأنه ابن عمتك؟ فتلون وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، طبعاً هذه الكلمة كلمة كفرية، هذه الكلمة كلمة كفرية، نحن لا نعلم مَن هو هذا الرجل الآخر، لكن هذه الكلمة كلمة كفرية.
ثم قال: «يا زبير، اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر»، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع تلك الكلمة السيئة حكم بالحكم الأصلي للزبير، الحكم الذي يستحقه أصلاً من البداية، لكن بعض الناس لما تتساهل معه وتأتي معه إلى حل وسط، حقيقة تجد أنك يعني لا يستحق، تجد أنه لا يستحق هذا الحكم.
فنزلت هذه الآية في هذه القصة.

طيب، الرجل الآخر هو مذكور في رواية أنه رجل من الأنصار، لكن ماذا حدث به؟ يعني هل مات على الإسلام؟ هل مات على الكفر؟ الله أعلم، نحن لا ندري كما قلنا مَن هو هذا الرجل.

طيب، وهذا آخره والله أعلم.
وقبل أن ننتهي فقط أود أن أذكر أمراً، يعني هذه الآية قد يحتج بها البعض على كفر كل شخص يتحاكم لغير ما أنزل الله، في الحقيقة الآية هي في نفي الإيمان وليست في نفي الإسلام مطلقاً، وكما هو معلوم أن نفي الإيمان لا يستلزم نفي الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، خصوصاً أنه إذا قلنا إن الآية أصلاً نزلت في إنسان منافق -كما هو قول بعض السلف- أن الشخص الذي احتج على الحكم الشرعي كان منافقاً، فيكون أصلاً نفي الإيمان عنه لأنه أصلاً كافر من الأصل، فلا تنزل على المسلم الذي هو مسلم ثم يأتي ويتحاكم لغير ما أنزل الله.
وتفصيل هذه المسألة إن شاء الله يأتي في موضع آخر، وهذا آخره والله أعلم.

هل ترغب في الانتقال إلى شرح الحديث التالي في المجلس القادم، أم تفضل التوسع في مسألة التحاكم وفقه هذه الآية الكريمة؟

جارٍ التحميل