بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذا هو المجلس الرابع والأربعون من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
بعد أن أنهى ابن ماجه ذكر فضائل الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -رضي الله عنهم جميعاً- أكمل مشواره بذكر فضائل باقي الصحابة، فجاء الآن دور الزبير بن العوام -رضي الله عنه-، فقال: (( فضل الزبير رضي الله عنه )).
وبعد باب فضل الزبير ذكر: (( باب فضل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه )).
في الحقيقة، كان الأولى بالمصنف -رحمه الله تعالى- أن يقدم طلحة على الزبير في الذكر؛ لأن الآثار أكثرها تأتي هكذا: "طلحة والزبير"، عادّة يكون اسم طلحة قبل الزبير.
وثاني شيء، هنالك أثر لطيف رواه أبو بكر الخلال في السنة عن شعيب بن حرب، قال: "لو أعطيت الدنيا بحذافيرها على أن أقول الزبير وطلحة ما قلت، ولكن طلحة والزبير".
فالأصل أن طلحة يقدم ذكره على الزبير -رضي الله عنهما جميعاً-.
وطلحة والزبير كلاهما من كبار الصحابة، والذي يقرأ في سيرتهما يجد بينهما تشابهاً عجيباً -سبحان الله- في كثير من النواحي؛ فمثلاً كلاهما من المجاهدين الشجعان:
-
طلحة شُلّت يده دفاعاً عن النبي ﷺ.
-
الزبير ثبت في أحد وكان مجاهداً وله مواقف سنذكرها الآن في باب فضله.
أيضاً كلاهما عنده أولاد من الثقات:
-
فالزبير من أولاده: عبد الله، وعروة.
-
وأيضاً طلحة بن عبيد الله في ذريته كثير من رواة الحديث.
وكلاهما قتلا... إلى غير ذلك من التشابه.
كلاهما أيضاً من أهل الجود والكرم.
فنستطيع أن نقول هما من طبقة واحدة في الفضل، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن لطلحة مزية أكثر، هذا الذي يظهر والله أعلم.
حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ يوم قريظة: « من يأتني بخبر القوم؟ » فقال الزبير: أنا، ثم قال: « من يأتني بخبر القوم؟ » فقال الزبير: أنا، ثم قال: « من يأتني بخبر القوم؟ » فقال الزبير: أنا -ثلاثاً-، فقال النبي ﷺ: « لكل نبي حواري، وإن حواري الزبير ». وهذا الحديث حديث صحيح.
النبي ﷺ يوم قريظة يريد أحد الصحابة حتى يذهب ويعرف ما هي خطط قريظة، هل ستقوم بقتال المسلمين ولا لا؟ فمن عادة النبي ﷺ أنه أحياناً قد يعين الرجل ويكلفه بالمهمة دون أن يطرح مثل هذا الأسلوب أن يجعله على سبيل الاختيار، أحياناً يكلف مباشرة، وأحياناً لا، يقول: « من يريد أن يقوم بهذه المهمة؟ » ولما يستخدم هذا الأسلوب: « من يريد أن يتكلف هذه المهمة؟ » يكون هدفه أمور؛ أولاً: تشجيع الصحابة (تشجيع)، مثل المعلم في الصف لما يطرح سؤالاً صعباً يقول: من منكم يجيب عن هذا السؤال؟ فيكون أولاً من باب التشجيع، وثانياً من باب إظهار الفضل، يعني مثلاً الآن لما الزبير في هذا الحديث كان دائماً يقول: "أنا أقوم بهذه المهمة"، ذُكر فضله إلى يومنا هذا -رضي الله تعالى عنه-.
نعم، فالزبير كان شجاعاً، فلما أصرّ الزبير على القيام بالمهمة قال النبي ﷺ: « لكل نبي حواري »، الحواري هو الناصر، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ } [الصف: 14]، وفي قراءة: "كونوا أنصاراً لله" كما قال عيسى ابن مريم للحواريين... إلى آخر الآية، « وإن حواري الزبير »، وهذه منقبة عظيمة أن يسمى الزبير -رضي الله تعالى عنه- بأنه ناصر للنبي ﷺ.
حدثنا علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير -رضي الله عنه- قال: "لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد".
وهذا الحديث صحيح.
ومعنى "جمع أبويه" أي أن النبي ﷺ قال له: « فداك أبي وأمي ». وهذه الجملة لم يأتِ ولم يصح في الأحاديث أن النبي ﷺ قالها لأحد سوى للزبير بن العوام -رضي الله عنه- ولـسعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه-، حتى إنه قد جاء عن بعض الصحابة -وهو علي رضي الله عنه، وسيأتي هذا الحديث معنا في هذا الكتاب-: علي -رضي الله عنه- قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه قال له يوم أحد: « ارمِ سعد، فداك أبي وأمي »".
طبعاً هذا على حسب علم علي -رضي الله تعالى عنه-، وإلا فقد ثبت هنا أن الزبير أيضاً قال له النبي ﷺ: « فداك أبي وأمي »، لكن خبر أن النبي ﷺ قال ذلك لسعد بن أبي وقاص أشهر بكثير، أشهر بكثير، وإن كان كلاهما صحيحين، ولعل هذا سببه أن الزبير -رضي الله عنه- كان مشهوراً بإخفاء الفضائل، كان إنساناً يخفي فضائله، كان إنساناً يخفي عبادته، ولذا هو القائل -رضي الله عنه-: "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل"، يعني إذا عندك... إذا تستطيع أن تجعل لك كل يوم جزءاً من وقتك تفعل به عبادة خفية سرية لا يراها الناس فافعل، فإذًا كان الزبير -رضي الله عنه- يتبع هذا المنهج.
نعم، وهذا الأثر فيه فائدة وهي أنه لا سعد بن أبي وقاص ولا الزبير -رضي الله عنهما- اعترضا على قول النبي ﷺ: « فداك أبي وأمي »؛ لأنه اليوم بعض المتصوفة لو سمع هذه الكلمة النبي ﷺ يقول: « فداك أبي وأمي » لصحابي قد يعترض يقول له: "لا يا رسول الله"، ومن ثم يتكلم بألفاظ فيها مبالغة في أبوي النبي ﷺ. نعم.
حدثنا هشام بن عمار، وهدية بن عبد الوهاب -وهدية بن عبد الوهاب راوٍ صدوق، وهذه من اللطائف أن اسمه "هدية" وهو ذكر، اليوم الذي يكون اسمه هدية في العادة من الإناث، وحقيقة هذا مبحث يستحق أن يُكتب فيه: أن تُدرس أسماء رواة الحديث وينظر فيها، فتدرس عدة مواضيع منها الأسماء التي كانت تسمى للذكور واليوم لا تسمى إلا للإناث أو العكس، وأيضاً موضوع الأسماء الحسنى، يعني مثلاً هل كان السلف يسمون بـ "عبد الباقي"؟ قد تجد بعض الناس اسمهم عبد الباقي في رواة الحديث، "عبد النور" نادر لكن أيضاً وجد، فهذه تعين أيضاً في موضوع أسماء الله الحسنى.
نعم-.
حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت لي عائشة -رضي الله عنها-: "يا عروة، كان أبواك من { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ } [آل عمران: 172]: أبو بكر والزبير".
وهذا الأثر صحيح.
{ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ }، القرح يعني الجرح، وذلك هذا يوم أحد، يوم أحد بعد أن خسر المسلمون فأراد المشركون أن يستغلوا نصرهم هذا ويكملوا إلى المدينة، فجاءت غزوة... فقام المسلمون بالدفاع في غزوة حمراء الأسد حيث منعوا المشركين من ذلك.
وهذا حقيقة مما يُثنى به على الصحابة، يعني الصحابة -رضي الله عنهم- خسروا هذه الغزوة (غزوة أحد) لكن لم تستمر خسائرهم، اليوم أنت تشاهد في العلوم العسكرية وفي المعارك العسكرية كثير من الجيوش إذا خسرت معركة انهارت، خلاص انهارت، تخسر باقي المعارك، أو حتى ليس في المعارك فحسب، الإنسان... بعض الناس أحياناً يكون عنده امتحانات، إذا بدأ بداية سيئة تستمر هذه البداية السيئة إلى آخر الفصل حتى لو كان قد درس بشكل جيد، فالإنسان ينبغي أن ينضبط في هذا، يضبط نفسه.
نعم، { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ }: أبو بكر والزبير، وعروة -رضي الله عنه- أبوه هو الزبير، لكن أبو بكر ليس أبوه، أبو بكر إنما هو والد خالته... أو أنا قمت بتبعيدها شيئاً ما! يعني عروة من هو أبوه؟ عروة هو شقيق عبد الله بن الزبير فأبوه هو... فأمه هي أسماء بنت أبي بكر، فجده من؟ أبو بكر، فهذا الأثر فيه إطلاق "الأب" على "الجد"، ولذا هذه الفائدة اللغوية استفاد منها الفقهاء في موضوع: هل الجد يقوم مقام الأب في الميراث إذا كان الأب ميتاً؟ اختلف العلماء في تفاصيل هذه المسألة، لكن الراجح أنه نعم، الجد يقوم مقام الأب؛ لأنه سواء في القرآن أو في السنة أو في كلام الصحابة تجد أنهم يطلقون "الأب" على "الجد".
نعم، وهذا آخِرٌ، انتهى باب فضل الزبير، وفي المجلس القادم فضل طلحة -رضي الله عنه-.