والحديث الذي بين أيدينا هو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
الحديث يتعلق بحرمة المسلم، ولما يروي هذا الحديث رجل من أهل الجهاد، فهذا مما يهتم به أهل الجهاد؛ لأن المجاهد يكون ديدنه قتال الكفار، فلما يجد المجاهد أن هنالك من يؤذي المسلمين بألسنتهم أو أو حتى أذية جسدية، فهذا يشعل في قلبه ناراً أكثر من الناس العاديين.
طيب، «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» طبعاً هذا الحديث حديث صحيح.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق» فيه تحريم سب المسلم، لا يجوز سب المسلم، والذي يصر على سبه فهو من أهل الكبائر.
أنواع سباب المسلم
سباب المسلم نوعان:
-
نوع مخرج من الملة.
-
ونوع لا يخرج من الملة.
النوع الذي يخرج من الملة: أن تسب المسلم لكونه مسلماً، وليس لجانب شخصي آخر، يعني أنت تسبه لأنه مسلم، بحيث لو كان كافراً لم تسبه، فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنك تسب الإسلام في الحقيقة.
النوع الثاني: النوع الشائع بين الناس؛ السب، السب لأمور شخصية ونحوها، فهذا فسوق، النبي صلى الله عليه وسلم سمى فاعله فاسقاً، والفاسق لا تقبل شهادته.
فإذن، اليوم نحن لو أتينا وطبقنا الشريعة في بلاد المسلمين، ففي الحقيقة القسم الأكبر من الناس هم فسقة؛ هم فسقة لا تقبل شهادتهم، لا تقبل شهادتهم.
يعني في كتب الفقه يذكرون أن حالق اللحية لا تقبل شهادته لأنه فاسق.
طيب، حالق اللحية قد نقول فيه شبهة للعامي؛ لأنه كثير من العوام يعتقد أنه سنة وليس بواجب، للاسف بسبب بعض الشيوخ الذين ينشرون هذا القول.
لكن موضوع سباب المسلم هذا ما فيه شبهة، هذا معروف، الصغير والكبير يعرف أنه حرام، لكن مع ذلك يفعلونه ويصرون عليه، ففي الحقيقة أغلب المسلمين اليوم، والقسم الأكبر منهم، ليسوا من أهل الشهادات، بل عامتهم فسقة لا تقبل شهادتهم.
طبعاً أنا أتكلم هنا فقط من جانب سباب الآخر، وإلا فإن هنالك جوانب أخرى تزيد هذا الفسق فسوقاً إضافياً، نسأل الله العفو والعافية.
«سباب المسلم فسوق» وهذا نجده في القرآن، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} [الحجرات: 11]، فالله سبحانه وتعالى وصف الذي يسخر من المسلم، أو التنابز بالألقاب، هذا سماه الله سبحانه وتعالى في القرآن فسوقاً، فلذلك الحديث يبدو أنه مستخرج من هذه الآية.
وما أكثر من -يعني- التنابز بالألقاب فسوق، هذا يفعله الأطفال حتى في المدارس، فنسأل الله العفو.
الرد على المرجئة من خلال الحديث
طبعاً هذا الحديث فيه رد على المرجئة؛ لأن المرجئة لا يجعلون العمل من الإيمان، بينما هذا الحديث فيه أن التنابز بالألقاب أو السباب يخرج المرء من الإيمان إلى الفسق، معناها أن العمل مؤثر في الإيمان، فهو رد عليهم.
ولذا، أصلاً هذا الحديث إنما حدث به أبو وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه بسبب ظهور فتنة المرجئة، كما جاء في إحدى طرق الحديث.
ولما حدث به أبو وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه، وبلغ الحديث هذا حماد بن أبي سليمان -وحماد بن أبي سليمان الكوفي مشهور بالإرجاء- فجاءوا يناقشون حماداً، يقولون له: "يعني هذا الحديث يرد عليك، على مذهبك في الإرجاء، والحديث إسناده صحيح"، فقال: "أنا أتهم أبا وائل"، يعني اتهم أبا وائل أنه روى حديثاً ليس صحيحاً.
وطبعاً لما يقول رجل: "أتهم أبا وائل"، فهذا الاتهام يحتمل معنيين:
-
المعنى الأول: أن يتهمه في صدقه، وفي الحقيقة إذا فعل رجل مثل هذا، يعني هذا أمر خطير؛ أبو وائل ثقة كبير جداً متفق على أنه ثقة، وهو من الحفاظ الكبار.
-
أو أن يكون قوله: "أتهمه" بمعنى أنه أخطأ.
وعلى الحالتين، قائل هذا هو صاحب هوى؛ لأن هذا الحديث حديث صحيح، واتهام هذا، هذا اتهام بسبب الهوى والتعصب للبدعة، وإلا فإنه لا يوجد أي شيء، لا يوجد أي شيء يظهر أن هذا الحديث فيه خطأ، بل هو حديث صحيح، وكما قلنا هو أصلاً مستخرج من القرآن.
وهذا الحديث من فوائده أن المسلم له حرمة إضافية عن غير المسلم، يعني السب بغير حق هو محرم سواء سببت مسلماً أو كافراً، لكن المسلم له حرمة إضافية، وهذا معروف، يعني -مثلاً- إذا إنسان كافر قتل مسلماً يقتل الكافر، لكن إذا إنسان مسلم قتل كافراً لا يقتل المسلم، فالمسلم له حرمة إضافية لا شك في ذلك.
فسباب المسلم فسوق.
هل قتال المسلم كفر؟
«وقتاله كفر» فيه أن قتال المسلم أكثر خطراً من مجرد سبه، طبعاً هذا لا شك؛ لأن القتال قد يؤدي إلى الموت، إلى سفك دم المسلم.
طيب، هل قتال المسلم كفر؟ يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قتال المسلم كفر»، نقول عندما نبحث في أي مسألة نجمع النصوص.
أول شيء، قتال المسلم له نوعان، يعني من الطرف الذي يقاتل المسلم؟
-
قد يكون الطرف الذي يقاتل المسلم هو الكافر، فطبعاً هنا قتال الكافر للمسلم كفر، أكيد كفر إضافي في صحيفة الكافر.
-
لكن قد يكون الذي يقاتل المسلم ينتسب إلى الإسلام، يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وهذا النوع فيه ويندرج تحته ما هو كفر وما ليس بكفر.
يعني مثلاً، لو أن إنساناً ينتسب إلى الإسلام ظاهراً، وينطق الشهادتين، ولكنه انضم إلى جيش الكفار وقاتل المسلمين، قاتل المسلمين، فهذا يكفر، هذه مظاهرة صريحة.
بينما مثلاً، لو أن هنالك مشكلة بين صاحب دكان نصراني وصاحب دكان مسلم، فتدخل رجل ينطق الشهادتين في هذه المشكلة وهاجم الرجل المسلم بالعصي مثلاً، بالحجارة، إلى غير ذلك، فهذا لا يدخل في باب المظاهرة، طبعاً إلا إذا فعله الرجل من باب أن ذلك الرجل الآخر هو رجل مسلم.
الخلاصة، قتال المسلم فيه ما هو كفر وفيه ما ليس بكفر.
والدليل على ذلك، الدليل على ذلك، أيهما أشد: قتل المسلم ولا قتال المسلم؟ الجواب بلا شك: قتل المسلم؛ لأن قتل المسلم يعني سفك دمه $100%$.
قتال المسلم لا، قتال المسلم قد يحدث سفك دم، قد لا يحدث سفك دم.
طيب، نحن إذا رجعنا إلى القرآن في سورة البقرة، نجد أن الله سبحانه وتعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَىٰ بِالأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178]، فجعل الله سبحانه وتعالى القاتل والقتيل إخوة، وطبعاً لا يوجد أخوة بين الكافر والمسلم، فلو كان القتل -مجرد قتل المسلم- كفراً لما سماه الله سبحانه وتعالى بأنه أخ.
نعم.
لكن، الذي يقاتل المسلمين، من سيئات هذا الفعل أنه فيه تشبه بالكفار، النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر قال -وهو حديث صحيح- قال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
لأن أنا الآن لو سألتك: "من هو الذي يقاتل المسلمين؟" هكذا سؤال عام، ستقول لي: "الكفار"، يعني عادة الكفار هم الذين يقاتلون المسلمين.
فهذه من خطورة مسألة قتال المسلمين، يعني لو لم يكن فيها خطورة إلا هذه، إلا أن فيها تشبهاً بالكفار، لكان كفى بها إثماً، لكن المرء أحياناً قد لا يخطر بباله هذا.
ومن هنا تأتي خطورة الخوارج، الخوارج ليس فقط يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لا، بل يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان ويتشبهون بهم في قتالهم للمسلمين، يعني جمعوا آثاماً كثيرة، نسأل الله العفو والعافية.
هذا باختصار حول هذا الحديث.