شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس الرابع عشر

المجلس الرابع عشر

قيد المراجعة

المجلس الرابع عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجة.

حدثنا هشام بن عمار، صدوق شامي تقدم.

حدثنا يحيى بن حمزة، أيضاً ثقة شامي تقدم.

حدثنا برد بن سنان، برد بن سنان ثقة، وذكروا عن علي بن المديني أنه ضعفه، وهذا القول ضعيف، برد بن سنان ثقة، وهو من المكثرين عن مكحول.

وبرد بن سنان في باب العقيدة قالوا بأنه قدري، وهو شامي، برد بن سنان من الشام، فلأنه قدري قامت الدولة الأموية في زمن مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، بحملة على القدرية، فهرب برد بن سنان إلى البصرة، فقام بالتحديث هناك، أصبح يحدث أحاديثه هناك، وهذا فيه فائدة، يعني استفاد أهل البصرة من تلك الهجمة، هو وإن كان قدرياً وعنده بدعة، لكن أحاديثه جيدة، وهو كما قلنا ثقة.

والغريب أن مروان بن محمد الذي لاحق القدرية في دمشق، هو أصلاً من أدبه؟ أدبه الجعد بن درهم، فسبحان الله!

حدثني برد بن سنان، عن إسحاق بن قبيصة، إسحاق بن قبيصة أيضاً شامي، في الحديث ليس فيه توثيق معتبر، هو الرجل هذا كان يعني كان يعمل في الدولة في في حكم بني أمية، كان من العمال في الدولة.

عن أبيه، قبيصة بن ذؤيب ثقة.

أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزا مع معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضى، أرض الروم.

هنا عبادة بن الصامت قام بالغزو مع معاوية لأرض الروم، وطبعاً هذه الغزوة لم تكن في خلافة معاوية، لا وإنما كانت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن معاوية حينها كان أميراً على الشام، طبعاً الذي يدل على ذلك عدة أمور:

  • أول شيء: نهاية الحديث، تتمة الحديث التي ستأتي معنا.

  • ثاني شيء: أصلاً أن عبادة بن الصامت يعني لم يدرك وفاة معاوية رضي الله عنه، أو لم يدرك تلك الفترة في خلافة معاوية.

غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم، فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة».

فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة.

فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثني عن رأيك؟! لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة.

فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر رضي الله عنه: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر.

طيب، هذا هو الحديث بالكامل.

الحديث أول شيء بهذه السياقة حديث ضعيف، بهذه السياقة، وسيأتي معنا أن القصة صحيحة لكن ليست بهذه الألفاظ، لأن السند هنا فيه عدة علل:

  • العلة الأولى: إسحاق بن قبيصة ليس فيه توثيق معتبر.

  • العلة الثانية: قبيصة بن ذؤيب لم يسمع من عبادة.

فالسند فيه علتان، ومن لطائف السند أن هذا الحديث يروى في إنكار على معاوية رضي الله عنه، رغم أن السند شامي، يعني السند كل رجاله كل رجاله من الشاميين، ومعروف أن أهل الشام يحبون معاوية، بل وبعضهم عنده غلو في حب معاوية.

طيب، القصة ما هي؟ عبادة بن الصامت القصة الصحيحة عبادة بن الصامت قام بالغزو مع معاوية رضي الله عنه لأرض الروم في فترة خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت غزوة بفضل الله ناجحة، واغتنم المسلمون غنائم كثيرة، ومن تلك الغنائم كان فيها أوانٍ من الفضة.

طيب، هذه الغنائم التقسيم الشرعي للغنيمة كيف يكون؟ أربعة أخماس للمجاهدين، والخمس {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].

أربعة أخماس للمجاهدين انتهينا منها، يبقى القسم من الغنائم يكون لله وللرسول، طيب هنا الله سبحانه وتعالى، طبعاً الله سبحانه وتعالى لما يستفتح الغنائم بذكره {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} قال مجموعة من السلف بأن ذلك من باب التشريف، من باب تشريف الغنيمة وإلا فإنك في الحقيقة لا تعطي الله سبحانه وتعالى مالاً.

وأيضاً لها وجه آخر، لماذا قال الله {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}؟ من باب أنك لما تتصدق على أحد فإن الصدقة تقع في يد الله سبحانه وتعالى.

طيب، طيب سهم الرسول في الغنائم ما مصيره بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟

الجواب: الله أعلم هو لولي الأمر، هذا الذي يظهر، فالذي يظهر في هذه القصة أن هنالك آنية من الفضة كانت من سهم ولي الأمر، وولي الأمر حينها كان معاوية، ولي الأمر على الشام.

طيب، فماذا فعل معاوية؟ قال: هذه أوانٍ من الفضة، من أراد أن يشتريها من عمال الدولة فليشترها براتبه، يعني كيف ذلك؟ الدولة تعطي كل عامل مثلاً راتباً شهرياً أو سنوياً، مثلاً تعطيه في الشهر لأفترض 1000 درهم، والآن أنا عندي أوانٍ، كل آنية فضة ثمنها 2000 درهم، فمعاوية ماذا قال؟ قال: كل إنسان مثلاً يأخذ هذه الآنية بـ 2000، هذه الآنية التي ثمنها 2000 درهم، ولما بعد شهرين يستلم راتبه الذي هو 2000 يعطينا ثمن هذه الأواني، هذه هي القصة، وهذه طبعاً مذكورة في صحيح مسلم.

طبعاً هذه المسألة لا تجوز شرعاً، لأن هذا ربا فضل، لأن الفضة بالفضة يداً بيد ومثلاً بمثل، لا يجوز لك أن تشتري الفضة وتقول فيما بعد أعطيك السعر، أو تشتري مثلاً الذهب والفضة بالتقسيط، هذا كله لا يجوز، لكن يبقى ربا الفضل مسألة خفيت على بعض الصحابة رضي الله عنهم مثل ابن عباس، وقد ذكروا أنه تراجع عن ذلك، وقد روى ابن عباس حديثاً "لا ربا إلا في نسيئة"، نعم، فلذلك ربا الفضل فيه شبهة، أما والله لو إنسان أنكر عموم الربا يكفر مباشرة، لكن ربا الفضل فيه شبهة.

طيب، فعبادة شاهد هذه المعاملة بين الناس فأنكرها، وهذا يدلك أيضاً على أن مسألة ربا الفضل خفيت على كثير من الناس، يعني الآن الذين يشترون الأواني من الفضة خفيت عليهم أيضاً، لو يعلمون أنها حرام لم يكونوا اشتروا، فأنكر عبادة رضي الله تعالى عنه، وحدث بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الذهب بالذهب مثلاً بمثل ويداً بيد، إلى آخر الحديث المشهور الصحيح.

فلما بلغ ذلك معاوية، خطب على المنبر كما في رواية مسلم، خطب على المنبر فقال: ما بال أقوام يحدثون بأحاديث لم نسمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

هذه الصيغة لما يقولها صحابي لما يسمع حديثاً من صحابي آخر، هذه تكون ليس تكذيباً للصحابي الآخر، لا وإنما احتمال أن الصحابي الآخر قد أخطأ، أو مثلاً أصاب في الرواية لكن القصة التي النص الذي رواه هو مخصوص بحادثة معينة، فليس هو تكذيب.

فمعاوية أنكر في البداية، فلما بلغ ذلك عبادة غضب، غضب، قال بأني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك؟! وقال: لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة.

وجاء في مسلم بأنه قال بأنه لن يصحب معاوية في جنده، وجاء أيضاً في روايات صحيحة أنه قال بأن "هذا ربا وإن رغم أنف معاوية".

وطبعاً يعني هذه الصيغة ليست صيغة سيئة، النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه أنه قال بأن الذي يموت على التوحيد يدخل الجنة "وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء" أو "أبي ذر" على خلاف في الروايات، فهذه الصيغة لا تدل على ذم الآخر لا، وإنما تذكر من باب التأكيد.

طيب، هنا عبادة بن الصامت أنكر علنياً على الإمام، وهذا يؤخذ منه جواز الإنكار العلني على الإمام.

ثاني شيء: اعتزل الإمام لأنه قال بمسألة فقهية خلاف ما يرى، اعتزل الإمام، لم يخرج عن طاعته، لم يقل: خلاص أنا سأقوم بثورة عليك الآن، لا، لم يقم بذلك، وإنما قرر اعتزال الإمام، خلاص أنا أريد أن أعتزل بسبب تلك الحادثة، فهذا ليس من الخروج على ولي الأمر، وأصلاً الذي فعل القصة من هو؟ عبادة بن الصامت، عبادة بن الصامت هو الذي يروي الأحاديث في طاعة ولي الأمر المسلم، وأن لا نخرج عليه إلا بكفر بواح، بكفر لنا عليه برهان، وهو الذي يروي الأحاديث في البيعة على السمع والطاعة في العسرة واليسرة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، ومع ذلك فعل هذا، فهو فقيه في فعله.

فالإنكار العلني جائز، واعتزال الإمام أيضاً جائز، الإنسان إذا رأى أن من مصلحته الشخصية أن يعتزل الإمام يعتزل، لكن طبعاً لا يحرض عليه، يعني عبادة خلاص قال لك أنا سأعتزل لا يريد أن يجالس، لكن لا لا يحرض عليه.

طيب، تتمة الرواية في سنن ابن ماجة هذه ليست صحيحة، إسنادها ضعيف ولم أجد لها شواهد، أنه قال له عمر: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ إلى آخره، يعني موقف عمر من هذه القصة، هذه التتمة ليس لها إسناد صحيح، ففي ثبوتها نظر.

وهذا آخره، والله أعلم.

جارٍ التحميل