بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا هو المجلس السادس عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
حدثنا محمد بن بشار، بندار، ثقة تقدم معنا.
حدثنا يحيى بن سعيد، أيضًا ثقة تقدم معنا، وهذا هو القطان.
عن شعبة، ثقة تقدم معنا.
عن عمرو بن مرة، ثقة، ولكن في أواخر حياته وقعت منه زلة، وهي زلة الإرجاء.
وقد قال بعض السلف: "بأن الناس كانوا في سلامة حتى وقع عمرو بن مرة في الإرجاء فتابعه الناس عليه"، وهذا من أضرار زلة العالم أن يلحقه الناس على زلته، فيزيدون من سيئاتهم، فيكون الضرر من طرفين.
نعم، عمرو بن مرة.
عن أبي البختري، سعيد بن فيروز، ثقة، وذكروا أن عنده تشيعًا، أن عنده تشيعًا.
وهذا الرجل من الذين خرجوا على الحجاج، وقد قتله الحجاج.
وأيضًا هذا الرجل من المكثرين في الإرسال؛ يعني يروي عن كثير من الصحابة ويرسل عنهم دون سماع مباشر منهم.
أحيانًا هنا تكون لدينا مشكلة أثناء دراسة الأسانيد؛ الراوي التابعي الذي يكثر من الإرسال أحيانًا يحدث بحديث دون أن يذكر اسم الصحابي الذي يروي عنه.
مثال ذلك: مثلاً هنا أبو البختري روى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم».
طيب، أبو البختري كان يرسل عن كثير وكثير من الصحابة، فنحن ما أدرانا أن هذا الذي هذا الصحابي الذي روى عنه أيضًا قد أرسل عنه؟ فلذلك هذه تعتبر علة.
وهذا معنى الحديث: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم»، أن الناس متى يهلكهم الله سبحانه وتعالى؟ يهلكهم لما يتفننوا في المعاصي؛ يعني يفعلوا كل المعاصي بحيث لا يوجد أي مجال أي مجال لكشف ذلك العذاب، خلاص لا يوجد أي عذر، يعني قد توسعوا في الطغيان.
وأيضًا من الأمثلة على هذه المسألة الحديثية، حديث راشد بن سعد التابعي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشهيد أنه قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة».
وهذا الحديث أيضًا يعل بذات العلة؛ لأن راشد بن سعد أيضًا كان يرسل عن كثير من الصحابة.
ومعنى هذا الحديث أن الشهيد لا يفتن في قبره، لا يفتن.
وهنا في المسألة قولان: هل يسأل الشهيد في قبره أم لا؟
-
القول الأول: أنه يسأل، لكنه لا يفتن.
-
القول الثاني: أنه لا يسأل أبدًا.
الله أعلم.
والعموميات لعلها تشهد بأن كل إنسان يسأل، وحتى لو كان الإنسان فاضلاً نبيًا أو صديقًا، فإن سؤاله وإجابة المسؤول عن السؤال بالجواب الصحيح فهذه عبادة، وهذا زيادة فضل له لما يقول: "ربي الله، وديني الإسلام".
طيب.
عن أبي عبد الرحمن السلمي، التابعي الجليل المشهور، أبو عبد الرحمن السلمي من الأشخاص الذين يدور عليهم إسناد القرآن.
تابعي كبير، ثقة في الحديث، ومروياته كثير منها متعلقة بمسائل القرآن؛ هل توجد سجدة في هذه الآية ولا لا؟ آداب القرآن؟ هكذا، لأنه كان مقرئًا، وهو ثقة.
وقد روى عن عثمان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث المشهور: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
وهذا الحديث أيضًا صحيح، خلافًا لشعبة بن الحجاج؛ شعبة بن الحجاج يرى أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان، لكن الراجح أنه سمع.
وأبو عبد الرحمن السلمي، كما في هذا الأثر الذي بين أيدينا، يروي عن علي رضي الله عنه، وهو مكثر من الرواية عن علي رضي الله تعالى عنه، لكن قد صدرت منه كلمة ليست جيدة في حق علي رضي الله عنه.
لكن هذه الكلمة تحمل على محمل حسن؛ لأنه كما قلنا أبو عبد الرحمن السلمي مكثر جدًا من الرواية عن علي، يعني مروياته كثيرة جدًا عن علي رضي الله عنه، بل قيل إن أبا عبد الرحمن السلمي قد شهد صفين مع علي رضي الله تعالى عنه، لكن هذا الأثر لا يصح، هذا له إسناد مداره على الواقدي، وله طريق أخرى في سندها عطاء بن مسلم ولا يحتج به، وثبت ما يعارض هذا أصلاً.
طيب، ما هي الكلمة السيئة التي أو الكلمة الغير جيدة التي جاءت عن أبي عبد الرحمن السلمي؟ أنه كان يتكلم مع أحدهم فقال: "أنا أعلم ما الذي جرأ صاحبك على الدماء" أي علي.
يعني قال: "أنا أعلم السبب الذي جرأ عليًا على الدماء"، ما هو السبب؟ ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم».
فأبو عبد الرحمن السلمي مقصوده هنا أن عليًا رضي الله تعالى عنه قد اجتهد، واجتهاده هذا لماذا تجرأ في اجتهاده؟ الجواب: لأنه يعلم أن اجتهاده مأجور عليه، أو على الأقل إذا ما كان مأجورًا مغفور له لأنه بدري.
فالكلمة بذاتها في الحقيقة لها لها محمل حسن وإن كان الأولى تجنبها، لكن لها محمل حسن.
المحمل الحسن لها أن قوله: "جرأ صاحبك جرأ صاحبك على الدماء"، الجرأة أحيانًا تكون جرأة محمودة وأحيانًا تكون جرأة مذمومة؛ الجرأة المذمومة مذمومة، الجرأة المحمودة يكون فيها اجتهاد، يعني أنت قد تجتهد نعم، إنسان مثلاً أنا عندي إنسان مبتدع، إنسان مبتدع داعية، بدعته غير مكفرة، هذا عند بعض الفقهاء وليس عند كلهم قد يقتل، يحق لولي الأمر أن يقتله، فأنا مثلاً تجرأت وقتلته اعتمادًا على هذا القول، الطرف الآخر الذي لا يرى جواز هذا قد يقول: "لا، هذا ممنوع وأنت قد أنت قد تجرأت".
نعم، وأصلاً مذهب كثير من الصحابة عدم القتال وترك القتال في تلك الفتنة.
فالخلاصة أن الرجل ليس منحرفًا عن علي رضي الله تعالى عنه وليس ناصبيًا، لا، الرجل سليم الاعتقاد، وهذه الكلمة كما قلنا لها محمل حسن، والرجل أصلاً من تلاميذ علي رضي الله عنه، بل ممن أخذ القرآن عن علي رضي الله عنه، بل في سير أعلام النبلاء للذهبي أن من تلاميذ أبي عبد الرحمن السلمي الحسن والحسين رضي الله عنهما.
نعم.
ومن الأمور الجميلة أيضًا أن هذا الرجل كان لا يرضى أن يأخذ أجرًا على تعليم القرآن، وهذا من دلائل صدق المحدثين، وهي دلائل كثيرة؛ يعني رجل يروي حديثًا في فضل تعليم القرآن، لو اليوم تأتي إلى الحداثيين يقولون: "هذا الرجل مثلاً وضع هذا الحديث من أجل أن يكسب المال"، طيب هو أصلاً الرجل يرفض أن يأخذ أي أجر على تعليم القرآن! بل ومن الأمور الجميلة أيضًا أن الرجل أعمى، ضرير لا يرى، ضرير، ومع ذلك هو من القراء الكبار والحفاظ الكبار.
طيب، أيضًا البعض قد يقول يعني أنه قد مر معنا أنه روي ولا يصح أن أبا عبد الرحمن السلمي قد شهد صفين مع علي رضي الله عنه، البعض قد يقول إن هذا ممتنع لأن أبا عبد الرحمن أعمى أو ضرير.
نقول: ليس بالضرورة، فإن عبد الله بن أم مكتوم كان أعمى، ومع ذلك قد شهد الجهاد في إحدى المعارك في اليرموك، جاهد في اليرموك كان أعمى.
طيب، كيف يجاهد وهو أعمى؟ كيف يجاهد وهو أعمى؟ الجواب: الجهاد يعني وظيفة الجيش متنوعة، ليس بالضرورة الكل في الصف الأول، لا، قد يكلف مثلاً بحراسة شيء، بحراسة شيء في الصفوف الخلفية، أو بكل بساطة؛ قد مثلاً أنا أمامي منطقة للكفار، أمسك الرماح وأرمي، أرمي، الرمي ليس بالضرورة أن يكون بدقة، رمي عشوائي.
فهنالك عدة وسائل قد يفعلها الأعمى في الجهاد، أيضًا مثلاً قد يرفع الراية، وهذه من الوظائف كانت موجودة في الجيش قديمًا، أن هنالك أحدًا يرفع الراية، راية المسلمين، هذه لا تتطلب بصرًا.
أضف على ذلك أن بعض العميان يعني تشعر وكأنهم من المبصرين من شدة مهاراتهم.
وأيضًا الله سبحانه وتعالى يكرم بعض عباده من العميان يعني بالتصرف وكأنهم كالمبصرين، أحيانًا قد تكون من باب الكرامة أن الرجل يستطيع أن يمشي بيسر حتى وإن كان أعمى.
والله سبحانه وتعالى في المعارك مع الكفار تجد أن الله سبحانه وتعالى يفيض على عباده المجاهدين بالكرامات، يعني في القرآن في غزوة بدر: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} [الأنفال: 12]، الملائكة شاركت في القتال.
نعم.
فهذا باختصار.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثًا فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه».
هذا الحديث هذا الأثر إسناده صحيح، وقد تقدم معنا شرح هذا المتن في المجلس السابق في المجلس السابق من أثر ابن مسعود رضي الله عنه، وقلنا إن أثر ابن مسعود رضي الله عنه لا يصح عنهم بسبب الإرسال، بينما هذا الأثر يصح هنا، سبحان الله.
والجميل أن أن ابن مسعود وعليًا هما شيوخ مدرسة الكوفة، شيوخ مدرسة الكوفة في الفقه وفي الحديث وفي كل شيء، هما أعلم صحابيين في الكوفة؛ لذلك يعني لا يوجد أحد في الكوفة في زمن السلف درس الفقه إلا ودرس فقه علي رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنه.
نضرب مثالاً على ذلك مثلاً: مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع من الركوع، البعض كان لا يرفع وهو قول أبي حنيفة، طيب بماذا بماذا احتجوا؟ احتجوا بأنه وردت آثار عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا لا يرفعان، فاحتجوا بأعلم رجلين في الكوفة عندهم.
طبعًا البخاري بين أن لا يصح عن أحد من الصحابة عدم الرفع، لا يصح عن أحد من الصحابة عدم الرفع.
فلذلك تجد تشاركًا في التلاميذ بين ابن مسعود وعلي رضي الله عنه، وأبو عبد الرحمن السلمي هو من من الرواة عن علي وابن مسعود.
نعم، لكن بعض الناس تخصص أكثر في فقه ابن مسعود، بعض الناس تخصص أكثر في فقه علي رضي الله عنه لأسباب معينة، ومن تلك الأسباب كثرة الكذبة على علي رضي الله عنه؛ علي رضي الله عنه ابتلي بتلاميذ بعضهم يعني لا يصدق في الرواية عنه، خلافًا لابن مسعود رضي الله عنه فإن تلاميذه عادة تجدهم من الثقات، لأن ابن مسعود أصلاً لم يحضر تلك الفتن التي حدثت، فلا يوجد داعٍ للكذب عليه، بينما علي رضي الله عنه كان قائد جيشه في صفين، فلذلك هنالك دواعي كثيرة للكذب عليه، سواء من الموافق أو من المخالف.
وهذا آخره، والله أعلم.