شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس التاسع والثلاثون: شرح سنن ابن ماجه (باب القدر)

المجلس التاسع والثلاثون: شرح سنن ابن ماجه (باب القدر)

قيد المراجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

هذا هو المجلس التاسع والثلاثون من مجالس شرح سنن ابن ماجه، أحاول اليوم أن ننهي باب القدر.

الحديث الأول: محاجة آدم وموسى عليهما السلام

حدثنا هشام بن عمار، ويعقوب بن حميد بن كاسب، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع طاووساً يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه -وهذا الإسناد كلهم مروا معنا، هذا إسناد صحيح- يخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

« احتج آدم وموسى عليهما السلام، فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة بذنبك؟ فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى »

هذا الحديث حديث صحيح.

توجيه الحديث والرد على المنكرين

وهذا الحديث كثير من المعتزلة ينكرونه.
وهذا الحديث بعض أهل السنة أشكل عليه ولم يفهمه الفهم الصحيح، مع أنه هذا الحديث -يعني لو تقرؤه ببساطة- فهو واضح المعنى.

  • وقوع الجدال: نبدأ: « احتج آدم وموسى »، وقع جدال بين آدم وموسى.
    البعض يقول: أين وكيف ومتى يعني؟ هذا له احتمالان:

    1. إما أن يكون هذا سيقع يوم القيامة، واستخدام الماضي هنا لا يضر؛ فالله سبحانه وتعالى كثيراً ما يستخدم صيغة الماضي وهو يتكلم عن يوم القيامة في القرآن لأن هذا الأمر سيحدث، فكأنه قد حدث.
      فيكون الحديث هنا من هذا الباب.

    2. أو يكون هذا الحجاج قد وقع في السماوات؛ فإن آدم يسكن في السماء، روح آدم في السماء، وروح موسى عليه السلام في السماء كما في حديث المعراج، فربما حدث لقاء بينهما، فلا يوجد أي مانع في ذلك.

  • لوم موسى لآدم: « احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة بذنبك »، يعني هنا مثل لوم، موسى عليه السلام يلوم آدم بأنه بسبب ذنبه أُخرجنا من الجنة، ونزلنا إلى الأرض، وأصبحنا مبتلين، ونعمل، ومصيرنا إما إلى الجنة وإما إلى النار.

  • جواب آدم وفقهه: « فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده »، انظر إلى فقه آدم؛ لما يريد أن يذكر مزية موسى عليه السلام ذكّره بموضوعين مهمين من مواضيع الصفات:

    • الموضوع الأول: أن الله سبحانه وتعالى كلمه.

    • الموضوع الثاني: أن الله سبحانه وتعالى خط له التوراة بيده، وخط له التوراة بيده.

فهذا يشير -أول شيء- يدلُّك على أهمية موضوع الصفات.
ثاني شيء: يدلُّك على تواضع آدم عليه السلام.

والسبب: نحن نعلم ما هي مزية آدم عليه السلام، من مناقبه وفضائل آدم عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى خلقه بيديه، قال: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75]، فالله سبحانه وتعالى خلق آدم بيديه.
فآدم عليه السلام كان مثلاً يستطيع أن يقول لموسى: "أنت اصطفاك الله بكلامه"، دون أن يذكر له مزية خاصة بموسى عليه السلام أيضاً في باب اليدين، لا، بل قال له أيضاً: « وخط لك التوراة بيده ».

وأيضاً مما يدل على تواضع آدم عليه السلام في هذا الحديث: أن آدم هو أبو موسى، كما قال موسى في الحديث: « أنت أبونا »، هو والدنا وكلنا عليه السلام، آدم.
فكان ببساطة يستطيع ألا يدخل معه في نقاش، يقول له: "يا موسى، أنت ابني، يعني رجاءً لا... لا نريد أن نتكلم"، لكنه تكلم.

  • معنى الاحتجاج بالقدر: « أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى »، أي فغلب آدمُ موسى في النقاش.

تنبيه حول تحديد المدة بـ (40 سنة) والجمع بين النصوص

قبل أن نذكر معنى الحديث، ننبه على موضوع أربعين سنة هذه.
العدد أربعين أحياناً في اللغة العربية يأتي بمعنى التكثير، ولا يراد به ذات العدد.
وأحياناً -يعني مثلاً- الله سبحانه وتعالى قال... عفواً النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن الله سبحانه وتعالى كتب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

طيب، هنا آدم عليه السلام يقول بأنه قبل أربعين سنة من خلق آدم كتب الله عليه هذا الذنب في اللوح المحفوظ، كيف الجمع؟

  • الوجه الأول: أن يقال بأن العدد أربعين غير مقصود بذاته.

  • الوجه الثاني: أن الأربعين سنة هذه ليست... السنة منها ليست سنة عادية، وإنما { وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } [الحج: 47]، فربما كان المراد من هذه السنة ما يقارب الألف سنة، وحينها لا إشكال.

دفع الشبهة عن الحديث (باب: لو تفتح عمل الشيطان)

هذا الحديث البعض لم يفهمه فهماً صحيحاً، قالوا: إنه كيف آدم عليه السلام يحتج على موسى بالقدر؟ يعني بالنهاية موسى... عفواً آدم عليه السلام فعل هذه المعصية بإرادته، { وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121]، فكيف يحتج بالقدر؟

الجواب: هذا فهم خاطئ للحديث.
وسبحان الله، أحياناً إذا قرأنا الأحاديث وراء بعضها البعض في الباب ذاته نفهم المعنى؛ يعني ابن ماجه قبل هذا الحديث ذكر حديث: « لو تفتح عمل الشيطان ».

طيب، هنا الأمر ذاته، هذا الحديث هو من باب حديث « لو تفتح عمل الشيطان ». موسى عليه السلام لما لام آدم عليه السلام فإنه قد لامه من باب « لو تفتح عمل الشيطان »، يعني: "لو لم تأكل يا آدم من الجنة مثلاً لكنّا في الجنة".
فلذا، هذا اللوم يُنهى عنه، وآدم عليه السلام فقه هذا، فردّ على موسى عليه السلام بهذا الذي ذُكر في الحديث.

مثال تقريبي (قصة عمرو بن لحي الخزاعي)

أضرب لكم مثالاً ونقارن وستصبح الفكرة واضحة:

عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي أدخل الشرك في جزيرة العرب، جاء بأوثان وأدخلها جزيرة العرب، ومن ثم أصبح الناس يعبدون هذه الأوثان.
الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء لم يدركوا عمراً هذا، عمرو هذا قديم الوفاة.
فهؤلاء ولدوا والأصنام موجودة فعبدوها.

طيب، هل تقرؤون في الأحاديث أن أحداً، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يكرر دائماً اللوم على عمرو لأنه أدخل الوثنية إلى جزيرة العرب؟ أو يجعل ذلك عذراً لكفار قريش لأنهم كفروا؟ الجواب: لا، هذا لا نجده.
خلاص هو شيء حدث وانتهى، فكفار قريش ولدوا ووجدوا الأصنام.

فنعود إلى قصة آدم وموسى، الأمر ذاته؛ موسى عليه السلام لما وُلد كان في الأرض، خلاص موضوع آدم وأكله من الشجرة وهبوط آدم إلى الأرض قد حدث وانتهى.
فلا ينبغي أن يقوم المرء بالكلام عن شيء ماضٍ لن يؤثر في الحاضر.

خلاصة الحديث: لا تتكلم عن شيء ماضٍ لن يؤثر في الحاضر، خلاص اعمل وفق معطيات الحاضر.

فكما أن القرآن مليء بذم المشركين دون أن يتطرق إلى عمرو هذا الذي أدخل الشرك إلى جزيرة العرب، فكذلك نحن لا يجب إذا فعلنا ذنباً أن نلوم آدم عليه السلام نقول: "لأنه أكل من الشجرة"، لا، أنت خلاص ولدت وأنت في الأرض، فلا تقم بلوم أبيك.
نعم، فهذه هي فكرة الحديث؛ آدم عليه السلام لا يقصد هنا الاحتجاج بالقدر بحيث إنه مجبر على الذنب، لا، وإنما يقصد أن الإنسان ينبغي أن يذكر الاحتجاج بالقدر حينما يشعر أن الذي أمامه بدأ يستخدم (لو) التي تفتح عمل الشيطان، هذه هي خلاصة الحديث، أرجو أن تكون وصلت الفكرة.

الحديث الثاني: أركان الإيمان الأربعة

حدثنا عبدالله بن عامر بن زرارة، حدثنا شريك، عن منصور، عن ربعي، عن علي ردي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: بالله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وبالبعث بعد الموت، والقدر »

هذا الحديث معلول.
ظاهر إسناده الصحة، لكن بين ربعي وعلي هنالك رجل مبهم مجهول، فالحديث هذا ضعيف.
وهذا يتكرر؛ يعني لما تجد ربعي بن حراش يروي عن أحد من الصحابة، تنبّه! أحياناً يكون بينهما رجلاً ساقطاً من الإسناد، مثل حديث: « اقتدوا باللَّذينِ من بعدي أبي بكرٍ وعمرَ »، هذا الحديث له نفس العلة، علته أن ربعي رواه عن حذيفة أظن، يعني المهم كان فيه رجلاً مبهماً قد سقط في بعض الأسانيد، فاغتر بعض العلماء بصحة إسناده ظاهراً.

الحديث الثالث: أطفال المسلمين وعصافير الجنة

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله -هذا الراوي يعني وسط- عن عمته عائشة بنت طلحة.
عائشة بنت طلحة هي تابعية جليلة فقيهة، وهذه التابعية -سبحان الله- لها نصيب من عائشة أم المؤمنين؛ فإن هذه التابعية أيضاً قد حُكي عنها ما لم يصح عنها.
المنافقون رموا عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين بالزنا وبرأها الله سبحانه وتعالى.
عائشة بنت طلحة هذه رماها كثير من الناس -يعني- بنوع من المجون، بنوع من المجون.

فمثلاً ذكر أبو الفرج الأصفهاني صاحب... هذا الرجل المعروف صاحب كتاب الأغاني، الذي يذكر الآثار الباطلة في كتابه هذا، ذكر أن عائشة بنت طلحة هذه كانت لا تغطي وجهها، فسألوها عن ذلك لماذا؟ قالت: "لأن وجهي جميل، فمثل هذا الجمال لا يستر"، يعني مثل هذا المعنى.
طبعاً هذا كله باطل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعاقب من يشوه سمعة المحصنات الغافلات المؤمنات.

قصة عائشة بنت طلحة في الظهار

عن عائشة أم المؤمنين... وهنالك أيضاً شيء لطيف نذكره؛ عائشة بنت طلحة هذه ورد ثبت عنها قصة لطيفة؛ أنتم تعلمون الظهار، الظهار هو أن يقول الرجل لزوجته: "أنت علي كظهر أمي"، فحينها إذا أراد أن يتراجع عن قوله هذا فيجب أن يكفر.
كفارة الظهار فـ { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } [المجادلة: 3]، إذا ما يوجد أو ما يستطيع يصوم شهرين متتابعين، إذا ما استطاع يطعم ستين مسكيناً.

من النوادر أن يقع الظهار من المرأة للزوج، وهذا قد وقع مع عائشة بنت طلحة؛ عائشة بنت طلحة قالت: "لئن زوجني الله مصعباً -مصعب بن الزبير- فهو علي كظهر... كظهر أبي أظن"، المهم فتزوجته فيما بعد فكفرت كفارة الظهار.
فهذا الأثر يدل على أن الظهار قد يقع بشكل عكسي، ويدل أيضاً على أن الظهار إذا وقع قبل الزواج -بمعنى إذا الإنسان قال: الظهار المعلق يعني، إذا قال: إن تزوجت فزوجتي علي... فزوجتي حينها علي كظهر أمي- فالظهار يقع، وهذا هو قول الجمهور وهو الراجح.

متن الحديث وحكمه

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت:

« دُعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه.
قال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم »

هذا الحديث رواه مسلم، وفيه أن الطفل المسلم عصفور من عصافير الجنة.
لكن هذا الحديث من الأحاديث المنتقدة على مسلم، وهذا حديث حديث منكر، كما قال الإمام أحمد وغيره من الأوائل، فالحديث هذا لا يصح.
ولذا لا يثبت شيء في كون أطفال المسلمين من عصافير الجنة، من عصافير الجنة لا يثبت شيء في هذا، وإن كانوا من أهل الجنة؛ يعني يقيناً هم من أهل الجنة لصحة الأحاديث في هذا الباب.
أطفال المسلمين يقيناً هم من أهل الجنة.

  • أطفال المشركين: بعض العلماء يرى أنهم من أهل الجنة، بعض العلماء يرى أنهم يمتحنون في الآخرة، فالله أعلم.
    لكن أطفال المشركين على كل حال في الدنيا يعاملون معاملة الكفار؛ يعني إذا مات طفل المشركين فإنه يدفن في مقابر المشركين، لا يدفن في مقابر المسلمين، تجرى عليه أحكام الكافر في الدنيا.

  • تنبيه: ومما ينبه عليه هنا؛ أنه قد مرّ معي قديماً قول للشيخ ابن باز رحمه الله يقول بأن الطفل من المشركين إذا استطاع المسلمون يدفنونه في مقابر المسلمين، وهذا القول شاذ.
    والشيخ ابن باز رحمه الله له قول آخر موافق للإجماع، فيُنبه على هذا.
    هو له قولان في المسألة فلا أدري أيهما أقدم.
    المهم أن القول بأن طفل المشركين يدفن في مقابر المشركين... هذا القول شاذ، لأن المسألة فيها إجماع، الإجماع على أن طفل المشركين يدفن في مقابر المشركين.

لطيفة حول تسمية (عصفور الجنة)

وأيضاً من اللطائف هنا؛ مرّ معي أيضاً راوٍ اسمه أظن موسى بن قيس، هو راوٍ من رواة الشيعة وله أحاديث مناكير في أبواب التشيع، في أبواب الغلو في علي رضي الله عنه.
هذا الراوي كان يسمونه "عصفور الجنة"، هكذا يسمونه.
حتى أذكر أن ابن الجوزي لما ترجم له قال: "لا، بل حمير من حمار النار"، يعني هو رافضي إلا أنه... هذا الرجل، طيب.

الحديث الرابع: نزول آية (إنا كل شيء خلقناه بقدر)

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري، عن زياد بن إسماعيل المخزومي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

« جاء مشركو قريش يخاصمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القدر، فنزلت هذه الآية: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } » [القمر: 48-49]

هذا الحديث رواه مسلم.
أيضاً هذا الحديث بعض أهل العلم ضعفه، أعلوه بزياد بن إسماعيل.
زياد بن إسماعيل ضعفه بعض أهل الجرح والتعديل وقد تفرد بهذا الخبر.

لكن الظاهر والله أعلم أن هذه الآية فعلاً قد نزلت في القدرية؛ لأنك إذا فتحت أي تفسير تجد آثاراً كثيرة في هذا الباب، آثار طبعاً فيها الثابت وغير الثابت.
وأصلاً ظاهر الآية يدل على ذلك، يعني { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }، ظاهر الآية يدل على هذا، أن هذه الآية ذم للمشركين، عفواً ذم للقدرية، والقدرية فيهم المشركون وفيهم غير ذلك.
والراجح عندي أن هذا الحديث معلول؛ لأن زياد بن إسماعيل لا يقبل تفرده بمثل هذا وهو راوٍ يظهر عندي أن فيه ضعفاً.

الحديث الخامس: السؤال عن القدر يوم القيامة (حديث منكر)

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل -ثقة تقدم معنا- حدثنا يحيى بن عثمان مولى أبي بكر -هذا الراوي ضعيف، ضعيف جداً- حدثنا يحيى بن عبدالله بن أبي مليكة -أيضاً هذا الراوي ضعيف- عن أبيه أنه دخل على عائشة رضي الله عنها فذكر لها شيئاً من القدر، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

« من تكلم في شيء من القدر سُئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه لم يُسأل عنه »

هذا الحديث منكر لا يصح.

قال أبو الحسن القطان: حدثناه خازم بن يحيى -صدوق- حدثنا عبدالملك بن سنان -وهذا الراوي لا أحد يعرف من هو، يعني ليس له ذكر في كتب التراجم، وفي بعض النسخ وقع عبدالملك بن شيبان وأيضاً لا يُعرف من هو- حدثنا يحيى بن عثمان فذكر نحوه.

الحديث السادس: النهي عن ضرب القرآن بعضه ببعض

حدثنا علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، حدثنا داود بن أبي هند -الثقة الكبير- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده -هذه السلسلة لأهل العلم قولان في تصحيحها، في الحقيقة هذه السلسلة بعض أحاديثها صحيحة وبعض أحاديثها مناكير، فهذه السلسلة لا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً، مثل هذا الحديث الذي بين أيدينا، الحديث هذا مقبول الذي بين أيدينا حديث حسن- عن جده قال:

« خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: أبهذا أُمِرتم؟ أو لهذا خُلِقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض؟ بهذا هلكت الأمم قبلكم »

فقه الحديث والتحذير من الجدال في القدر

  • مفهوم الاختصام: الاختصام في القدر هنا ما هو المقصود؟ أن الصحابة تناقشوا يوماً في موضوع القدر، فكل منهم -يعني- يحتج بآية، يحتج بآية.
    خطورة موضوع القدر أن الإنسان يظن نفسه أنه إذا احتج بالآيات والنصوص والآثار وشرحها أنه قد يسلم من هذا الموضوع.
    في الحقيقة، الإنسان لا ينبغي أن يكثر من الجدال حول هذا الموضوع، خلاص يأخذ قاعدة عامة ولا يتعمق في هذا الباب: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }، انتهى الموضوع، هذه هي الآية.
    لأنه حقيقة بعض الناس قد يأخذ النصوص يتعمق بها فيضل، يظن أنه بتعمقه سيصل إلى نتيجة صحيحة، لا، بالعكس قد يضل.
    نصوص القدر يعني مسألة القدر مسألة ما هي سهلة، قد تضل بسهولة فيها، فلذا الإنسان يبقى على المضمون، لا يعرض نفسه للخطر.

  • البدع سبب الفرقة: وهذا الحديث فيه أن البدع من أسباب الخصومة بين المسلمين؛ لأن الصحابة كما ترون قد اختصموا في القدر، وهذا رد على كل من يهون من شأن البدع.
    بعض الناس يقول: "لماذا تتكلمون في البدع؟ الأمة الآن في غزة تباد، الأمة في السودان تباد وكذا"، يا حبيبي ما أصلاً البدع هي من أسباب هذا الذي تراه، أسباب هذه الجرائم البدع، البدع تؤدي إلى تفرق المسلمين، فإذا تريد أن تلوم طرفاً، لُم الطرف الذي أنشأ البدع، لا تلم الطرف الذي يريد أن يقضي على هذه البدع.

  • شدة غضب النبي: « فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب »، يعني الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح وجهه أحمر، أحمر من الغضب، غضب جداً لما وجد الناس يختصمون في القدر، فقال: « أبهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض؟ بهذا هلكت الأمم قبلكم »، هذه مشكلة أن بعض الناس يأتي بنصوص من القرآن فيشعر بأنها... أن بينها تعارضاً، طبعاً لا يوجد تعارض في النصوص الصحيحة، يشعر أن بينها تعارضاً، فماذا يفعل؟ يريد أن يجمع بين النصوص، يأتي إلى التأويل.
    المشكلة أن هذا التأويل في كثير من الأحيان يكون تأويلاً خاطئاً، بل قد يكون تأويلاً مبتدعاً، فيصير مبتدعاً؛ يعني هو نيته الجمع بين نصين يراهما متعارضين، لكن تكون النهاية أنه قد ضل ووقع في بدعة.

قال عبدالله بن عمرو: "ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه"، يعني عبدالله بن عمرو كان فرحاً جداً لأنه تخلف عن هذا المجلس، هذا مجلس قد ذمه النبي صلى الله عليه وسلم، ففرح عبدالله بن عمرو لأنه لم يحضر هذا المجلس.

الحديث السابع: ما قُدّر لنفسٍ إلا هي كائنة

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا يحيى بن أبي حية أبو جناب الكلبي -هذا الراوي ضعيف- عن أبيه -لا بأس به- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة »

فقام إليه رجل أعرابي فقال: يا رسول الله، أرأيت البعير يكون به الجرب فيجرب الإبل كلها؟ قال: « ذلكم القدر، فمن أجرب الأول؟ »

هذا الحديث صحيح دون قوله: « ذلكم القدر »، طبعاً صحيح من طرق أخرى، هذا الإسناد ضعيف.

فقه الحديث (مسألة العدوى والكريب)

  • معنى لا عدوى: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا عدوى »، أي أن العدوى لا تحدث لوحدها، العدوى تكون بإذن الله، فلذا الإنسان لا يبالغ، لا يبالغ في موضوع العدوى.
    يعني بعض الناس عنده وسواس شديد في هذا الباب، « لا عدوى » خلاص، أي مرض صغير أو كبير يريد أن يتجنب.
    بهذه الحالة الإنسان لا يخرج في الشتاء أبداً من المنزل لأن الناس عامتهم مصابون بالإنفلونزا والكريب وكذا، وحتى في الصيف أيضاً يقلل من خروجه ولا يختلط بالناس.

  • حكم التخلف عن صلاة الجماعة للمصاب بالكريب: ولذا الراجح عندي في هذه المسألة، في مسألة ما حكم التخلف عن المسجد، عن صلاة الجماعة، بدعوى إذا كان الإنسان مصاباً بالإنفلونزا وإصابته خفيفة، يعني يستطيع أن يذهب إلى المسجد، يستطيع الذهاب، لكنه يقول أحياناً: "لا أريد أن أذهب حتى لا أؤذي المسلمين"، يعني النبي صلى الله عليه وسلم نهى الذي يأكل الثوم والبصل عن حضور المسجد، فالبعض يقول: "بأن من باب أولى الذي يكون عنده إنفلونزا أو نحوها ألا يأتي إلى المسجد".

الجواب على ذلك: إذا كان الرجل متعباً جداً فخلاص هذا عذر.
لكن إذا كان الرجل ليس بمتعب، فقط يريد ألا يذهب من باب ألا يعدي الآخرين، فالراجح عندي أنه ينبغي عليه أن يذهب إلى المسجد.
والسبب أن الكريب أو نحوه هذا منتشر جداً كان في كل زمن، منتشر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، مع ذلك لم يرد أي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يبيح تخلف المصاب بالكريب عن المسجد، لم يرد مثل هذا.

وأصلاً الذي لا يريد أن يذهب إلى المسجد بدعوى أنه سيعدي الآخرين، أصلاً إخوانك في المسجد يذهبون إلى الأسواق، يذهبون لشراء حاجاتهم، فالعدوى ستحصل يعني؛ إذا كانت ستحصل منك ستحصل من غيرك.
أما إذا كان مرضك خطيراً أو مثل سل مثلاً، مثل أمراض أخرى، حينها لا، يرخص لك يقيناً بعدم الحضور، هذه أمراض خطيرة.
أما الأمراض المنتشرة بين الناس فالأصل عدم الترخيص.

  • من أجرب الأول: « فمن أجرب الأول؟ »، لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا عدوى »، الرجل الأعرابي قال: "يا رسول الله، نحن نجد -يعني- الإبل يكون هنالك جمل مصاب بالجرب، فبسبب خلطة هذا الجمل مع الباقي، باقي الإبل، الإبل كلها تصاب بالجرب"، فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا رد عليه؟ رد عليه بجواب ذكي، قال له: « فمن أعدى الأول؟ »، قال له: "نعم، هذا شيء صحيح، لكن أول جمل أصيب بالجرب هذا كيف حدث معه الجرب؟" الجواب: من الله سبحانه وتعالى، لا يوجد أحد عاداه يعني، لا يوجد أحد عاداه.
    فالأمراض نزلت من الله سبحانه وتعالى.

الحديث الثامن: حديث (القدرية مجوس هذه الأمة) وحكمه

حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه وعن أبيه -فإن أباه أيضاً من الصحابة الذين قتلوا في سبيل الله- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم »

وهذا الحديث حديث منكر، ولا يصح حديث في باب "القدرية مجوس هذه الأمة".

علة الحديث وتدليس بقية بن الوليد

وهذا الحديث ما هي علته؟ يعني قد تنظر إلى إسناده: محمد بن المصفى ثقة، بقية ثقة، الأوزاعي ثقة، ابن جريج ثقة، أبو الزبير ثقة، جابر ثقة.
العلة تظهر من بقية بن الوليد؛ بقية بن الوليد يدلس تدليساً شديداً، يدلس تدليساً شديداً.
فمثلو بقية بن الوليد إذا تفرد بحديث، الأصل عدم قبول هذا الحديث.

طيب، وإن صرح بالتحديث؟ أقول: وإن صرح بالتحديث، لأن كثيراً من التحديث يكون وهماً، يكون وهماً من الرواة الذين رووا هذا الخبر عن بقية؛ لأن الراوي يكون تركيزه على الإسناد أن يذكر الرجال بدقة، وتركيزه أيضاً على المتن.
أما التركيز على هل قال "حدثنا" ولا "أخبرنا" ولا "سمعت" ولا "عن"، هذا في الحقيقة لا، لا يركز الراوي بالعادة على هذا، يندر أن يركز الراوي على هذا خصوصاً في الطبقات المتأخرة.
لذا ما يفعله بعض المحدثين -مثلاً يجد راوياً مدلساً عنعن، فيجد في إحدى الكتب أنه صرح بالتحديث فيقول: وقد صرح بالتحديث هنا- هذه الطريقة لا يسلم لها في كثير من الأحيان.

فهذا آخر هذا المجلس، انتهى باب القدر، وغداً نبدأ إن شاء الله في باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا معهم، وهذا آخره والله أعلم.

جارٍ التحميل