عن عبد الله بن مغفل -رضي الله تعالى عنه- أنه كان جالساً إلى جنبه ابن أخ له.
كان جالس وبجانبه ابن أخيه، وسبحان الله يعني لم أتخيل يوماً ما أن أعلق على هذه العبارة: ابن جالس مع عمه، ربما هذا المشهد في الحياة الحديثة المعاصرة لم نعد نشاهده كثيراً بسبب قطيعة الأرحام، بسبب الإنترنت، تجد قلة الزيارات بين الأقارب، نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية.
طيب، كان جالساً إلى ابن أخ له (( فَخَذَفَ فَنَهَاهُ )).
ابن أخيه هذا قام فخذف، الخذف ما هو؟
-
أن تجعل حصاة بين الإصبع السبابة والإصبع الوسطى لك، ثم ترمي تلك الحصاة.
-
أو الخذف، خذف معناها أحياناً يكون أن تضع الحجر أو الحصاة في أداة يختلف اسمها بحسب البلاد؛ تسمى المقلاع، تسمى النشابة، في الحلبية نقول "النبيلة"، يعني أسماء متعددة، هي لعبة الأولاد الصغار، يضعون حجراً صغيراً ومن ثم يرمونه.
(( فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَإِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ )).
الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن هذه اللعبة، نهى عنها.
النهي هل هو للكراهة ولا للتحريم؟ النهي للتحريم، لماذا؟ لأن هذا يلحق ضرراً، قد يلحق ضرراً بالمسلمين.
وهذا أيضاً مثله يقاس عليه المسدسات التي يلعب بها الصغار؛ مسدسات الخرز، "الخردق" في الشامية، ما أدري ما تسمى في البلاد الأخرى، يلعبون بها في العيد، نفس الأمر، هي للتحريم؛ النهي للتحريم.
طيب، إذا إنسان يجلس لوحده؟ إذا إنسان يجلس لوحده، الأصل أن النهي لا يشمله، لكن يخشى عليه، من ماذا؟ مثلاً ضرب حجرة في الحائط، يخشى عليه أن ترتد عليه الحجرة، فأيضاً النهي في هذه الحالة قد يشمله، إلا إذا يعني متيقن أنه إذا ضرب حجرة لن ترتد عليه لأن الحائط بعيد مثلاً، يعني حينها لا نقول بالتحريم، لكن هذا أيضاً من العبث المنهي عنه.
طيب، الرسول -صلى الله عليه وسلم- لماذا نهى عنها؟ قال: (( إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا )).
الحجر يعني إذا أنت تريد أن تصيد، إذا أردت أن تستخدم الحجر، فمن استخداماته صيد الصيد.
هنا مسألة مهمة: هذه الحجارة، الحصاة، المقلاع، النبيلة، النشابة... إلى آخره، هذه إذا صدت بها طائراً، فالأصل أن هذا الطائر يعتبر موقوذة، يحرم أكله، هذا هو الأصل؛ لأنه في الغالب، في الغالب هذا الطائر يقتل ليس بسبب الحجارة بذاتها، ليس مثلاً لأن الحجارة لها حد بحيث مثلاً تجرح رقبة الطائر، أو تقطع رأس الطائر فيموت، لو هكذا الطائر حلال، لكن إنما بسبب الضغط، الضغط الذي سببه الحجر على الطائر فيموت، تمام؟
فالحجارة نوعان حينها نقول:
-
إذا كان للحجر حد، حد هكذا، حد حاد بحيث إذا اصطدم بالطائر يجرح الطائر بسبب هذا الحد فيموت، فحينها هو حلال.
-
أما إذا بسبب فقط الثقل أو الصدمة، فهو حرام.
(( وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا ))، يعني هذه الحصاة الصغيرة، هذه لا تؤثر في العدو، أنت لما تواجه العدو، هذه يعني دورها ضعيف جداً.
في ذلك الزمان القتال يكون بالسيوف، بالرماح، بهذه الأدوات، أما مثل هذه الحصاة لا تفعل شيئاً، لا تفعل شيئاً.
متى تفعل هذه الحجارة شيئاً ما؟ إذا كانت كبيرة، إذا كانت ترمى من الأعلى كما في قصة أصحاب الفيل، يعني هذا أمر مختلف، أنت تخيل تمشي والسماء تمطر عليك، حتى لو كان حجر صغير، فحينها سيحدث ضرر بك.
يعني أنت أحياناً لما تمشي في الشارع ويسقط مطر، تسقط حبات البرد، أحياناً حقيقة تشعر بوجع في الرأس من ارتطام حبات البرد تلك بالرأس، فما بالك لو كانت حجارة.
(( وَإِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ )).
في الحقيقة نعم هذا الأمر صحيح، هذه الحجارة الصغيرة تفقأ العين، حجمها صغير يدخل في العين، قد الإنسان يخسر عينه بسبب تلك الحجارة، وتكسر السن أيضاً، قد يخسر سنه.
(( قَالَ: فَعَادَ ابْنُ أَخِيهِ فَخَذَفَ )).
يعني ابن أخيه بعد ما سمع هذا الحديث، وبعد ما سمع علة التحريم، أعاد فعلته مرة أخرى! (( فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ثُمَّ عُدَّتَ تَخْذِفُ؟ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا )).
أيضاً هجره بسبب معارضته للسنة.
طبعاً الله أعلم كم كان عمر ابن الأخ هذا، لكن هنا مسألة مهمة، يعني انظر أنت كيف أن العم هجر ابن أخيه هكذا مباشرة، لم يذهب لعند أبيه ويقول له: "والله يا فلان يا أخي، يعني أريد أن أهجر ابنك أو ابنك أخطأ"، لا لا، هجره مباشرة.
هذا يدل على حجم -يعني بين قوسين- "المَوَانة"، حيث إنه في ذلك الزمن يستطيع العم أن يتصرف مع ابن أخيه بحسب الشرع بحرية، أيضاً لم يذهب إلى عند أمه ويقول لها: "يا امرأة أخي، يعني ابنك يفعل كذا وكذا"، خلاص مباشرة: لا أكلمك أبداً.
الإنسان لما تذكر له الحديث ثم مع ذلك يعاود فعلته، الأصل أن تزجره، الأصل أن تهجره.
طبعاً هذه الأحاديث، هذا الحديث والحديث السابق الذي فيه هجر ابن عمر لابنه، هذه فيها مشروعية هجر أهل البدع.
لأنه إذا إنسان سني، وفعل فعلاً رغم سماعه للحديث -يعني فعل معصية رغم سماعه للحديث- قام الصحابة بهجره، فما بالك بالمبتدع الذي يؤسس لعقيدة جديدة ويخالف كثيراً من الأحاديث، بل ويطعن بها!
يعني مثلاً الأشاعرة، يقولون: "أحاديث الآحاد ليست بحجة في العقيدة"، وورد عن بعض منهم -أكثر من واحد، الجويني وغيره- يعني في سياق نقاش المخالف لهم، يقولون لهم: "يعني لا تذكروا أحاديث الآحاد لأنها أصلاً ليست بحجة لأنها أحاديث آحاد في العقيدة، لا تذكروها أصلاً، يعني الأفضل ألا تذكروها"، انظر سبحان الله إلى هذه الدرجة من الاستخفاف بالحديث! هم جاهزون أن يناقشوا المسائل الكلامية، الحجج الكلامية، لكن وقتهم أضيق من أن يناقشوا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوى أنها أحاديث آحاد، سبحان الله!
وهذا آخره، والله أعلم.