شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)بَابُ فَضْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

بَابُ فَضْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

قيد المراجعة

(( باب فضل عمر رضي الله عنه ))، رضي الله عن عمر، فاتح البلاد الشامية، دخل الإسلام في بلاد الشام، في كثير من أرجاء بلاد الشام بفضل الله -سبحانه وتعالى-، ثم بفضل هذا الرجل، وأنا شامي فرضي الله عن عمر.

طيب، حدثنا علي بن محمد، حدثنا أبو أسامة، أخبرني الجريري -ثقة وهو مشهور بالاختلاط- عن عبد الله بن شقيق العقيلي -هذا مشهور، هذا الرجل تابعي مشهور جداً، مشهور في كونه هو الذي نقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، وهو ثقة، عبد الله بن شقيق ثقة وتابعي كبير، يعني يروي عن عثمان وعلي، فمعناه أنه ليس من صغار التابعين-.

لكن في عقيدته تُكُلِّمَ في أمر؛ قيل بأنه كان يحمل على علي رضي الله عنه، وهذا الأمر ذكره أحمد بن صالح العجلي، وحُكي خطأً -فيما يظهر- عن الإمام أحمد، فليس له سند إلى عبد الله بن شقيق.
وأيضاً ثبت أن سليمان التيمي كان سيئ الرأي فيه، السبب أن سليمان التيمي -كما يذكر في ترجمته- كان يميل إلى علي.

فالخلاصة الخلاصة: عندما تقرأ -وأيضاً ذكره في ترجمة عبد الله بن شقيق أنه كان عثمانياً- الخلاصة لما تقرأ في ترجمة رجل أنه كان عثمانياً، تروَّ ألف مرة؛ لأني وجدت كثيراً من الرواة الذين يقال في ترجمتهم بأنهم عثمانيون يكون موقفهم سليماً من علي ومن عثمان، فهذا لا يعني.. هذه الكلمة لا تعني بالضرورة عدم صحة الاعتقاد أو في مشكلة في.. في موقف الرجل من علي رضي الله عنه.

وأما قولهم كان شديد الحمل على.. على علي أو كان يحمل على علي رضي الله عنه، فمثل هذه الكلمة حقيقة إذا لم يأتِ أثر عن الرجل بذاته تبين المراد، فلن نستطيع أن نبني عليها أي حكم، لا نستطيع أن نبني عليها أي حكم.

على أية حال، إذا كان الرجل يميل إلى عثمان كثيراً على حساب علي رضي الله تعالى عنه، فهذه قد تكون فائدة، الفائدة ما هي؟ الفائدة المتعلقة بهذا الموضوع طبعاً، أن عبد الله بن شقيق روى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، طيب.

وأنتم تعلمون أن بذرة الخوارج في بلاد المسلمين ظهرت في زمن عثمان، لما خرج الخوارج على عثمان، فالذي يكون مناصراً جداً لعثمان رضي الله عنه يكون شديد البغض للخوارج، هذا ماذا يعني؟ يعني أن عبد الله بن شقيق هذا يكره الخوارج جداً، والرجل الذي يكره الخوارج جداً يعني لا يميل إلى مذهبهم، لا يكون متوسعاً في التكفير مثلهم، ومع ذلك روى الأثر هذا، روى الأثر في إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، وهذه فائدة جيدة.

وعبد الله بن شقيق أيضاً كان له اهتمام بمواضيع أخرى، كان يروي في الحج، يروي في الصلاة، وأيضاً رغم أنه هو الذي روى الأثر في تكفير من يترك الصلاة، لكن أيضاً هو الذي روى عن ابن عباس الأثر في جواز الجمع بين الصلوات بالضوابط المعروفة، لكن هو الذي روى ذلك الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فالحاصل أن الرجل إذا روى أثراً في تكفير تارك الصلاة أو نقل إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة، هذا لا يعني أنه خارجي، هذا لا يعني أنه يحب التكفير ويروي الآثار هكذا، هذا لا يعني أنه يضيق في أبواب الصلاة جداً، لا، على العكس من ذلك كما رأينا في سيرة هذا الرجل.

وأيضاً من اللطائف في سيرة هذا الرجل، كما ذكر بعض أهل العلم، أنه حدثت بينه وبين.. وبين صاحبٍ له خصومة، يعني فـ.. فجاء ذلك الرجل إليه، فقال له عبد الله بن شقيق، قال له: "اذهب إلى القاضي، انظر ايش يحكم لك؟ ايش يحكم سواء لي أو علي؟ ومن ثم تعال".
فذهب ذلك الرجل إلى القاضي فجاء، قال له: "ماذا حكم؟" قال: "حكم لي على حسابك"، فقبل عبد الله بالحكم، وهذ.. وهذا من سلامة القلوب، هذا من سلامة القلوب التي تؤيد أن الرجل عنده سلامة في الاعتقاد، لا يحب التكفير، طيب، لا يحب التكفير غير المنضبط.

قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أي أصحابه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم أيهم؟ قالت: عمر، قلت: ثم أيهم؟ قالت: أبو عبيدة.
هذا الأثر صحيح.

وقد جاء هذا الأثر مرفوعاً، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الرجال أحب إليك؟ قال: «أبو بكر»، ثم «عمر»، ثم «أبو عبيدة»، لكن لا يصح، الصواب أنه موقوف على عائشة رضي الله عنها.
وهذا الأثر قد يقال بأن له حكم الرفع، وبأن عائشة رضي الله عنها سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يقال بأن ليس له حكم الرفع، وأن عائشة رضي الله عنها استنتجت ذلك من سيرته في التعامل مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، فقد يكون استنتاجاً.
البعض قد يقول: طيب، عائشة نجد أنها جزمت؟ نقول: هنالك صحابة لما كانوا يفسرون القرآن يجزمون، ومع ذلك يكون قولهم مرجوحاً، فالإنسان يجزم بحسب ما لديه من العلم يعني، فليس بالضرورة أن هذا الأثر له حكم الرفع، فربما يحب النبي صلى الله عليه وسلم عثمان أكثر من أبي عبيدة، ربما.

وهذا الأثر ليس له علاقة بالتفضيل، يعني ليس كل محبة إذا كنت أحب شخصاً أكثر من شخص، ليس هذا يعني أنه أفضل عند الله من شخص، ليس كذلك؛ لأن المحبة أحياناً تكون محبة فطرية، محبة الأم، محبة الأب، فالمحبة الإنسان لا يستطيع أن.. أن يتحكم بها أحياناً.

وأيضاً الشيء بالشيء يذكر، في المجلس في الأمس مر معنا هذا الحديث: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: «عائشة»، قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها»، وهو حديث صحيح، لكن مر معنا من حديث حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه، هذا الإسناد ظاهره الصحة، وإذا قال الترمذي: "حسن صحيح غريب"، لكن الحديث بالسند هذا معلول، والصواب أنه عن حميد عن الحسن البصري مرسلاً، ونسيت أن أنبه على هذا في البارحة، لكن المتن صحيح.

حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي -فيه ضعف-، حدثنا عبد الله بن خراش الحوشبي -ضعيف جداً-، عن العوام بن حوشب -ثقة-، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه نزل جبريل عليه السلام فقال: "يا محمد، لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر"، وهذا الحديث منكر لا يصح.

حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي قال: أخبرنا داود بن عطاء المديني -أيضاً ليس بالقوي-، عن صالح بن كيسان -ثقة-، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أول من يصافحه الحق يوم القيامة» أو «أول من يصافحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة»، وهذا الحديث حديث منكر.

حدثنا محمد بن عبيد أبو عبيد المديني -أيضاً ليس بالمشهور-، حدثنا عبد الملك بن الماجشون -ثقة مشهور، وهذا الثقة ثبت أن له قولاً شاذاً في إباحة الغناء والمعازف-.

طيب، الآن نأتي إلى مشكلة أو إلى قضية، الذي يقرأ نصوص السلف يجد أنهم يقولون دائماً لما يتكلمون في الرخص: "إياك أن تأخذ بأقوال أهل المدينة في الغناء، وأقوال أهل الكوفة في إباحة النبيذ، وأقوال أهل مكة في إباحة المتعة".
طيب، فـ.. المدينة أهل المدينة شذوا -وليس كلها- شذ بعضهم في موضوع الغناء والمعازف، والكوفيون شذ بعضهم في موضوع النبيذ، وأهل مكة شذ بعضهم في موضوع المتعة.

بعض الخبثاء لما يريد أن يبيح المعازف ماذا يفعل؟ يأتي يعدد لك أسماء من أباح المعازف في عهد السلف، فيعدد يعدد يعدد، أنت إذا.. إذا نظرت إلى كل واحد تجد أن هؤلاء كلهم أصلاً من أهل المدينة، وأصلاً السلف نبهوا على أن هذه زلة منهم، يعني فأنت تستدل بشيء.. هو يعدد لك الأسماء ويكثر العدد من أجل أن تظن أن المسألة حقيقة فيها خلاف معتبر، لا.
اليوم موضوع إباحة النبيذ، عدد الكوفيين الذين يبيحونه والذين أباحوه كبير جداً بحيث إذا عددت لك الأسماء قد تشعر أن هناك خلافاً معتبراً مع أنه خلاف شاذ، فلنتبه إلى هذا الأسلوب.

حدثني الزنجي بن خالد -وهو مسلم بن خالد الزنجي، ضعيف-، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة»، وهذا الحديث بهذا الإسناد حديث منكر، وبهذا المتن لا يصح؛ حيث إن كلمة «خاصة» هذه منكرة، وإنما نعم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك»، وكان أحدهما هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأما بلفظ «عمر بن الخطاب خاصة» فلا، هذا الحديث لا يصح هكذا.

حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة -كلهم ثقات-، عن عبد الله بن سَلِمَة -عن عبد الله بن سَلِمَة بكسر اللام، ينبه إلى هذا وليس بفتح اللام-.

طيب، عبد الله بن سَلِمَة هذا، هذا مشهور جداً، هو كراوٍ في حفظه ضعف، لكن هذا الراوي هو الذي روى حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة.
فبعض الناس أتى وقال: عبد الله بن سَلِمَة ضعيف، فالأصل قراءة الجنب للقرآن، لكن هذا لا يصح.
نعم عبد الله بن سَلِمَة ضعيف فيه ضعف، لكن منع الجنب من قراءة القرآن هو مذهب السلف، يعني الأمر تقريباً مجمع عليه.
فـ.. مثل هذه المسائل التي تتكرر يومياً -مسألة قراءة القرآن للجنب.. الجنب قراءة القرآن الجنب للقرآن ونحوها- هذه يؤخذ بها عادة بقول الجمهور، عادة قول الجمهور هو.. هو الأقرب؛ لأنها مسائل متكررة، بحيث أن الأقوال التي تصدر عن الفقهاء من السلف فيها تكون أقوالاً متناقلة طبقة عن طبقة.

قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: "خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر، وخير الناس بعد أبي بكر عمر".
وهذا الأثر عن علي ثابت من طرق كثيرة.

حدثنا محمد بن الحارث المصري -لا بأس به-، أخبرنا الليث بن سعد، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا أنا بامرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرته فوليت مدبراً»، قال أبو هريرة: فبكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: "أعليك بأبي وأمي يا رسول الله أغار؟!" هذا الحديث حديث صحيح.

وأيضاً فيه -كما ذكرنا مراراً- فيه رواية الصحابي لفضيلة صحابي آخر، وفيه أيضاً أن الرجل قد يقص على إخوانه ما رأى في الرؤيا إذا كانت رؤيا صالحة، لكن طبعاً هذا في باب الأنبياء أولى؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، لأن رؤيا الأنبياء وحي.

وفيه أيضاً فضل عمر رضي الله عنه، وفيه أيضاً يعني انظر أنت إلى الرؤيا، إلى تفاصيل الرؤيا، الرسول صلى الله عليه وسلم رأى قصراً، هذا القصر لعمر بن الخطاب في الجنة، بجانبه في امرأة تتوضأ، يعني هذه الجزئية ركز عليها: "امرأة تتوضأ"، هذا يدلك على أن صاحب هذا القصر مهتم بأمور الصلاة، وهذا.. وهذا مشاهد في سيرة عمر رضي الله عنه، عمر بن الخطاب لما طعن، طعن ما قطع الصلاة، بقي يصلي وقال: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة".
نعم، فنعم هذا يدلك على فضل أمير المؤمنين رضي الله عنه في هذا.

فقلت: «لمن هذا القصر؟» فقالت: لعمر، «فذكرت غيرته» يعني خشي النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل هذا القصر في المنام أن ينزعج عمر، وهذا فيه.. هذا الحديث فيه أن الرجل لا يدخل بيت الآخر إلا بإذنه، يعني حتى لو كان رسول الله، حتى لو كان رسول الله.
فما بالك اليوم كثير من الناس يدخل هكذا البيوت بدون إذن.

قال أبو هريرة: فبكى عمر، والإنسان لما يقرأ "فبكى عمر" يعني قد يتعجب، عمر شخصية قوية، في الحقيقة هذه الشخصيات القوية الغليظة على أعداء الله تكون رحيمة جداً، ورقيقة جداً في تعاملها مع المسلمين، وتبكي بسهولة.

فقال: "أعليك بأبي وأمي يا رسول الله أغار؟!" يعني معقول أغار عليك يا رسول الله؟! ادخل القصر وافعل ما تريد، نعم، رضي عن عمر.

حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف -لا بأس به-، حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن غُضَيْف بن الحارث -أيضاً لا بأس به-، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به»، وهذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته، والذي يظهر -والله أعلم- أنه حديث حسن لا بأس به، وقد جاء في.. في مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «قد كان فيمن قبلكم من أمتي محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر»، وهذا الحديث معلول رواه مسلم وقد أعله مجموعة من الحفاظ الأوائل.

و.. يعني لم أراجعه منذ فترة طويلة، لكن على حسب ما أذكر، بحسب بحسب ما أذكر يعني أن علته كانت أن هنالك رجلاً بين أبي سلمة وعائشة، يعني في رجل مبهم، إن لم.. إن لم أخطئ يعني، لكن الحديث معلول نعم أعله الأوائل، لكن يعتبر شاهداً لهذا الحديث، والـ.. والحديثان يعتبر.. يعتبران شاهدين لبعضهما البعض.

وهذا آخر باب فضائل عمر رضي الله عنه، وفي المجلس القادم إن شاء الله نتكلم عن فضائل عثمان، وهذا آخره والله أعلم.

جارٍ التحميل