باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يعني الإنسان يكون حذراً لما يحدث، يحاول أن يأتي بالألفاظ كما هي، أو حتى إن روى لفظاً بذات المعنى لكن بلفظ آخر؛ على الأقل ينبه على ذلك، أو يقول في النهاية: «أو كما قال رسول الله»، يعني حتى لا يشعر الناس أن ما ينقله حرفياً هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما سيمر معنا في الآثار.
الأثر الأول:
-
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: الإمام الثقة، تقدم معنا.
-
حدثنا معاذ بن معاذ: ثقة كبير.
-
عن ابن عون: عبد الله بن عون، هذا الرجل من كبار من كبار أئمة أهل السنة والجماعة في التاريخ.
إمام في الحديث، وإمام في العقيدة.
وكلامه وسيرته سيرة حسنة.
ومن أراد أن يرق قلبه، أو أن يصبح قلبه رقيقاً، فليقرأ في سيرة هذا الرجل وفي الآثار المروية عنه. -
عن ابن عون قال: حدثنا مسلم البطين:
طيب، مسلم البطين هذا ثقة.
هذا هكذا لقبه؛ البطين، البطين يعني بطنه كبيرة، يعني سمين.طيب، ابن عون يظهر -والله أعلم- أنه لم يقل هنا: "حدثنا مسلم البطين" كما هو ظاهر السند، الظاهر أن كلمة "البطين" هي من تصرف بعض الرواة؛ لماذا؟ لأن ابن عون قد صح عنه أنه كان لا يصف مسلم البطين بذلك، يعني لما يذكره يقول: "حدثنا مسلم" لا يقول: "البطين"، يعني يخشى أن يكون في ذلك غيبة.
ووصف الرجل بصفة خلقية له، الأصل المنع.
وكثير من رواة الحديث وُصفوا بأوصاف اشتهرت بين الناس، ووردت وورد عن بعضهم كراهة ذلك، يعني كراهة أن يصفونه بتلك الصفة، لكن أحياناً يعني أهل الحديث لما يذكرون هذه الصفة لا يذكرونها من باب الغيبة، لا، أهل الحديث يذكرونها من باب من باب الشهرة، خلاص اشتهرت بذلك اللقب.
وهذا مثل قول الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ} [عبس: 1-2]، فالله سبحانه وتعالى لما وصف عبد الله بن أم مكتوم بالأعمى لم يقصد بذلك الانتقاص منه، لا، وإنما بالعكس، هذا زيادة فضل له أنه أعمى فمن باب أولى أن يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جاء، يعني إنسان أعمى يأتي، يتحرك من مكانه، من بيته، فهذا من باب أولى أن تعلمه وتنصرف إليه، لا أن تنصرف عنه.طيب، نعود إلى ابن عون، ابن عون في العقيدة إنسان عقيدته صحيحة.
يعني حتى لما تجد السلف ينقلون العقائد يقولون مثلاً: "هذا ما وجدنا عليه حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عون"، يكون من الأسماء المذكورة أحياناً.
وقد كان شديداً على القدرية.
وابن عون بصري، والبصرة موبوءة كانت موبوءة بالقدرية، فكان شديداً عليهم، كان لا يسلم عليهم.وذكر ابن سعد أنه -أن ابن عون- كان عثمانياً.
هذا المصطلح: "فلان كان عثمانياً"، أنا وجدت نماذج كثيرة، في الحقيقة هذا المصطلح لا يكون دقيقاً في كثير من الأحوال.
يعني كلمة "كان عثمانياً" تشعرك أن هذا الرجل كان يعني عنده مبالغة في الميل إلى عثمان، والذي يكون لديه مبالغة في الميل إلى عثمان سيكون لديه -ربما- شيء من الانحراف عن علي.
في الحقيقة هذا الكلام غير صحيح، ابن عون إنسان سليم العقيدة.
فكما أعيد وأكرر: كلمة "كان عثمانياً" أحياناً لا تكون دقيقة لما يوصف بها بعض الرواة، فالانسان يتحقق لما يجد بعض الرواة قد وُصفوا بهذه الصفة.وابن عون هذا لم يكن ديدنه الطعن في الحكام وفي ولاة الأمور وفي الولاة المسلمين.
يعني حتى ابن عون نفسه ضربه بلال بن أبي بردة.
بلال بن أبي بردة هذا هو حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، كان والياً -بلال بن أبي بردة- كان عنده شيء من الظلم.
فابن عون ما كان يدعو عليه ليل نهار وكذا.
فرُوجع في ذلك، إنه قالوا له: "لماذا؟"، قال لهم: "يعني أصلاً أنا قد بُليت بما لم تُبتلوا به"، يعني: "أنا ضُربت منه، أنتم لم تُضربوا، فإذا كان إنسان أولى بالتكلم عنه، أنا سأكون الأولى بالتكلم، لكن" قال: "الإنسان أحياناً يكون مظلوماً، لكن من شدة كلامه عن عن ظالمه يصير ظالماً مثله".
وهذه قاعدة مهمة؛ بعض الإخوة اليوم يعني إذا ظلمه إنسان يدعو عليه، نعم، الدعاء على الظالم جائز، قال الله تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ} [النساء: 148]، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
صح، لكن لا يجوز أن تدعو على الرجل بشيء يفوق جنس ظلمه.
يعني أنا أضرب لك مثالاً: والله إنسان سرق منك ممحاة، ممحاة، وهذه الممحاة أنت لا تستخدمها يعني، لا يجوز والله أن ترفع يديك بالدعاء تقول: "اللهم أهلكه وعليك بأولاده، اللهم اهدم بيته فوق رأسه!"، لا يجوز، أنت هنا أصبحت ظالماً له لما بالغت في هذا الدعاء، أنت دعوت بشيء وجاوزت المباح في حد هذا الدعاء، فليُتنبه إلى ذلك. -
عن ابن عون قال: حدثنا مسلم البطين -قلنا ثقة- عن إبراهيم التيمي:
إبراهيم التيمي من الثقات.
وهذا الرجل قد ورد عنه أنه لم يشرب الماء تقريباً أربعين يوماً ولم يأكل أربعين يوماً، وهو كما في أحد الآثار في إحدى الروايات عنه يعني فعل ذلك من باب التجريب، يعني أراد أن يجرب فصار إلى هذه المدة.
علمياً، إنسان يعيش أربعين يوماً بدون سوائل، هذا الأمر يعني غير ممكن، غير ممكن.
الماء بعد ثلاثة أيام بدون ماء تدخل في مشاكل كبيرة، ربما ربما تعيش ربما أقول إلى أسبوع، فلنجعلها أسبوعين، لكن أربعين يوماً بدون ماء الأصل أن ذلك ممتنع في الطب، الأصل أن ذلك ممتنع في الطب، لكن الله سبحانه وتعالى قد يجعل بعض قد يجعل بعض عباده يتجاوزون هذه المدة بطرق يعني، الإنسان والله إنسان ما يدريك ما يدريك أن الإنسان يكون نائماً يمشي في نومه، يذهب يشرب كأس ماء مثلاً ويعود إلى نومه دون أن يشعر بذلك.
أنا أعلم بعض الإخوة حدثني بها، قال: استيقظ من نومه دون أن يشعر، يعني في ناس يمشون في نومهم، استيقظ من نومه، توضأ، ذهب إلى المسجد، صلى الفجر، عاد إلى بيته، أكمل نومه، ثم استيقظ، فلما استيقظ أراد أن يصلي للفجر مرة أخرى، يعني ظن أن صلاة الفجر قد فاتته، فقالوا له: "أنت يعني صليت، ذهبت إلى المسجد"، الرجل لا يذكر شيء من ذلك يعني! تحدث، هنالك قصص كثيرة تحدث في هذا.طيب، إبراهيم التيمي قتله الحجاج.
طيب، إبراهيم التيمي في عقيدته كلام؛ الرجل كان عنده إرجاء.
وهنا فوائد:-
الفائدة الأولى: أن كون الإنسان مرجئاً لا يعني بالضرورة أن يوالي حاكم زمانه، إبراهيم التيمي كان مرجئاً ومع ذلك كان معارضاً للحجاج وقد قتله الحجاج.
-
طيب، لماذا كان معارضاً للحجاج؟ وردت رواية -هذه الرواية ليس لها سند متصل، ذكرها ابن السعد في الطبقات- أن الحجاج كان يريد إبراهيم النخعي، طيب، يريد أن يقبض عليه، فجيء بإبراهيم التيمي، فقال الحجاج: "أنا أريد إبراهيم ذاك"، فقال إبراهيم التيمي: "أنا إبراهيم"، فيعني ضحى بنفسه من أجل إبراهيم إبراهيم النخعي.
ولكن -كما قلنا- هذه القصة لا تصح من حيث الإسناد. -
وأصلاً العلاقة بين إبراهيم التيمي وإبراهيم الآخر هي علاقة أيضاً يجب أن نستوقف أو أن نقف عندها: أول شيء هنالك آثار كثيرة في جلوسهما مع بعض في جلسة واحدة علمية، في دراسة الحديث وغير ذلك، في آثار كثيرة في هذا الباب.
لكن هنالك أثر في كتاب "السنة" لعبد الله وفي "السنة" للخلال أيضاً أن إبراهيم التيمي مر على إبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد إبراهيم السلام، وسبب ذلك أن إبراهيم التيمي كان مرجئاً.
فجلوس الرجل مع الآخر في جلسة علمية لا يعني بالضرورة أن يسلم عليه، فإبراهيم النخعي رغم كل هذا ما سلم لم يرد السلام على إبراهيم التيمي لما ورد عنه في إرجائه.
-
-
عن أبيه: يزيد التيمي، ثقة.
-
عن عمرو بن ميمون: ثقة، عمرو بن ميمون ثقة، وهذا الرجل كان مخضرماً، يعني أدرك الجاهلية وأدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يره.
عمرو بن ميمون لما يُذكر، أول شيء يأتي إلى الأذهان القصة التي رواها -والقصة قد علقها البخاري- أن عمرو بن ميمون وجد في الجاهلية قردةً قامت بالزنا، فقام القردة فرجموها.
هذه القصة يعني الحداثيون يعني يطعنون في البخاري من أجلها.
طيب، أنا اليوم إذا حذفت هذه القصة هل يضر صحيح البخاري شيء؟ لا؛ لأنها أصلاً قصة ليست مرفوعة.
والبعض يعني شكك في القصة، ابن عبد البر قال بأن رواتها مجهولون.
القصة في إسنادها نعيم بن حماد، لكن نعيم قد يُمشى في المقطوعات.
وحتى يعني القصة يعني ما فيها شيء أصلاً من حيث المتن، من حيث المتن الرجل يروي شيئاً رآه، هو لم يقل هذا والله قانون عند القردة، القردة كل ما أحد منهم زنى يرجموه، لا، الرجل وجد وروى شيئاً وجده، مثل والله أنت تقول: "كنت أمشي في الشارع، فوجدت كلباً قتل قطةً، فجاءت القطة الأم لتلك القطة المقتولة فعضت الكلب" يعني انتقمت منه، عاقبته.
طيب، هذا مثل ذاك، هذا مثل ذاك، خصوصاً أن القرد يعني يفعل حركات لا يفعلها الحيوان الحيوانات الأخرى؛ يستطيع أن يمشي نوعاً ما، يمشي يستطيع أن يمسك بيديه، يعني عنده خصائص ما هي موجودة عند الحيوانات الأخرى، فمن الطبيعي أن يفعل مثل هذا.
قال عمرو بن ميمون: "ما أخطأني ابن مسعود رضي الله عنه عشية خميس إلا أتيته فيه"، يعني كان عندهم مجلس كل عشية خميس.
قال: "فما سمعته يقول لشيء قط: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، كان يندر أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال: "فنكس" أي خفض رأسه، قال: "فنظرت إليه وهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه"، قال: "أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك"، يعني ابن مسعود رضي الله عنه كان قليل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء عظيم، ومع ذلك لما يحدث تجد أنه عيونه تدمع وأوداجه تنتفخ، ويقول لما يختم الحديث يقول: "أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك"، يعني يريد أن يروي الحديث كما هو.
وهذا من دقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وقوله: "فنظرت إليه وهو قائم محللة أزرار قميصه"، هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحلل أزرار قميصه، يعني لا يزر أزرار قميصه.
البعض زعم أن هذا عادة، لا، هذا الأمر قد جاء عن أكثر عن أكثر من واحد من الصحابة، عن أكثر من واحد من الصحابة، فالذي يظهر -والله أعلم- أنه سنة، أنه سنة.
وهذا الأثر أثر صحيح.
الأثر الثاني:
-
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون: مروا معنا، ثقات كبار.
-
عن محمد بن سيرين: ثقة -نتكلم عليه الآن عنه الآن- قال: "كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، وهذا الأثر صحيح.
وهذا الأفضل للرجل، الرجل إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما يختم الحديث يقول: "أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، يعني حتى يبرئ ذمته، حتى لا يشعر المستمع أن ما يحدث به هو اللفظ بالضبط يعني، هو اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم بالضبط.
طيب، محمد بن سيرين ثقة، تابعي كبير، من تلامذة أبي هريرة، من تلامذة أنس.
عنده باع كبير في تفسير الأحلام، في تفسير الرؤى، لكن طبعاً هذا الكتاب الموجود بين أيدينا ليس له يقيناً، لكن هنالك آثار عنه في تفسير الرؤى.
إمام في الحديث، إمام في الفقه، وفي العقيدة أيضاً.
وكان هذا الرجل من التابعين الذين كانوا لا يتكلمون كثيراً عن الحجاج، يعني لا يتكلم ليل نهار والله: "لعن الله الحجاج، ألا لعنة الله على الظالمين" كذا، لا، ما كان ما كان ديدنه كذلك.
وهذا -كما قلنا- كما مر معنا لما ذكرنا ابن عون، يعني أول شيء الرجل يخشى أن يصير ظالماً من كثرة كلامه على الظالم، وإلا فإن ابن سيرين يقيناً لم يحسن عقيدة الحجاج مثلاً، لا، لم يحسن عقيدة الحجاج.
وموقف ابن سيرين من الحجاج نتوقف عنه عنده كثيراً، يعني الرجل -كما قال يونس بن عبيد- قال: "رحم الله الحسن تكلم حسبة، ورحم الله ابن سيرين سكت حسبة"، يعني الحسن كان شديد الإنكار على الحجاج، خلافاً لابن سيرين، فانظر إلى الاحترام، يعني الاحترام كل عالم رأى رأياً ما فلم يُطعن في ابن سيرين بدعوى أنه عالم سلطان، لا، بل اجتهد في ذلك وكان هكذا موقفه، لكن في المقابل لم يحسن عقيدة الحجاج.
فالإنسان لما يختلف هو وأخوه في إنسان أو في حاكم ينطق الشهادتين لكنه مجرم، لكنه سفاح، لكن وردت عنه بعض النواقض الكفرية لكن لم يُجمع على كفره -الحجاج لم يُجمع على كفره وإن كفره كثير من السلف لم يُجمع على كفره- فلا يجعل هذا الخلاف والله خلص يعني تصبح عداوة بينه وبين أخيه، كل إنسان رأى موقفاً ما في ذلك الحاكم، لكن المهم ألا يصدق الرجل الحكام على كذبهم ويعينهم على ظلمهم، فكما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من يفعل ذلك فإنه لا يرد حوض محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا آخره، والله أعلم.