قال ابن ماجه: ((أبواب السنة.
باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)).
طبعاً من الطبيعي أن يبدأ المصنف كتابه بهذا الباب؛ لأنه -أصلاً- الكتاب هو كتاب أحاديث، فأنا حتى أقرأ كتاب الأحاديث هذا يجب أن أعلم حجية السنة في البداية، فلذلك ذكر المصنف -رحمه الله- هذا الباب في البداية.
أهمية مصنف ابن أبي شيبة
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ونِعْمَ الاستفتاح! يعني أن يستفتح المرء كتابه بالرواية عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وأبو بكر بن أبي شيبة روى له الستة: في البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه.
وهذا الأمر يدفع طالب العلم إلى أن يدرس «مصنف ابن أبي شيبة»، يعني اليوم أنت لما تسمع بأن شيخاً معاصراً درس على يد فلان وفلان، هذا يدفعك إلى أن تدرس كتب شيوخه؛ لأنهم هم المنبع الذي أتى بهذا الشيخ المعاصر، يعني الإنسان لا ينبغي أن يترك الأصل ويدرس الفرع فقط.
فأبو بكر بن أبي شيبة هو من كبار حفاظ الحديث عبر التاريخ، بل إن كتابه «المصنف»، هذا الكتاب إذا لم يدرسه طالب العلم فهو طالب علم ناقص، يعني علمه ناقص.
هذا الكتاب:
-
أول شيء: يقويك حديثياً من حيث الأسانيد، من حيث الصنعة الحديثية؛ لأن الكتاب أسانيده أسانيد قوية، وحتى الضعيف فيها ضعفه يسير، ما تجد فيه آثاراً منكرة أو موضوعة أو مكذوبة، يندر أن تجد فيه الآثار المنكرة.
فلذلك هذا الكتاب يعودك على أهم الأسانيد. -
وثاني شيء: الكتاب أسانيده عالية، يعني الأسانيد فيه ثلاثية، رباعية، ما تجد فيه أسانيد طويلة.
والأمر الآخر أن الكتاب مليء بالفقه، بفقه الصحابة والتابعين حتى تعلم أقوالهم، وأيضاً مليء بالفوائد والتبويبات، وهو أعلى رتبة من «مصنف عبد الرزاق».
«مصنف عبد الرزاق» نسبة الآثار الضعيفة فيه أكثر، أكثر بشكل ملحوظ من «مصنف ابن أبي شيبة»، وحتى ابن أبي شيبة أعلى رتبة من عبد الرزاق كرجل، سواء في الحفظ وسواء في العقيدة، ابن أبي شيبة غير مطعون فيه في باب العقيدة، عبد الرزاق رُمي بالتشيع.
سبب عدم إدراج "المصنف" ضمن الكتب الستة
طيب، لكن لماذا لم يُجعل «مصنف ابن أبي شيبة» في الكتب الستة؟
الجواب: لأن الكتب الستة هي كتب مختصة بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهي لا تشمل الكتب التي تتكلم عن آثار الصحابة والتابعين، يعني «مصنف ابن أبي شيبة» القسم الأكبر من آثاره ليست مرفوعة، في آثار مرفوعة، لكن القسم الأكبر هو في آثار الصحابة والتابعين وأتباع التابعين.
وابن أبي شيبة (أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة) هذا الرجل عنده أخ اسمه عثمان بن أبي شيبة، هذا أيضاً من حفاظ الحديث، لكنه أقل من أخيه، وأيضاً عثمان بن أبي شيبة عنده ابن يسمى محمد وهو أيضاً من حفاظ الحديث (محمد بن عثمان بن أبي شيبة)، لكن محمد بن عثمان بن أبي شيبة بعضهم تكلم فيه.
وهذا الأمر يجب أن ننبه إليه، يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة عمه يكون أبو بكر، وأبوه يكون عثمان بن أبي شيبة، يعني أبوه وعمه من كبار الحفاظ، ومع ذلك تجد بعض -وليس الكل- بعض أهل الحديث تكلموا في محمد بن عثمان بن أبي شيبة، فلذلك أهل الحديث ما كان عندهم مجاملة: والله فلان ابن فلان فخلاص أسكت عنه أو -مثلاً- أمدحه باطلاً، لا، كانوا يصدعون بالحق.
اللطائف الإسنادية في بدء الكتاب
طيب، أبو بكر بن أبي شيبة في إحدى كتبه في «مصنفه» ذكر كتاباً في الرد على أبي حنيفة، يعني ذكر الأحاديث والآثار التي ترد على بعض الأقوال الفقهية لأبي حنيفة، ونحن نجد أن العلماء لم يتكلموا في ابن أبي شيبة وطعنوا فيه لأنه ألف مثل هذا الكتاب، تجد أن الكل يوثقونه، الكل يمدحونه، الكل يروون عنه بغزارة وكثرة في كتبهم، فهذا يدل على أن الطعن في أهل الرأي ليس أمراً مذموماً بل على العكس هو الأمر الطبيعي، والذي لا يطعن في أهل الرأي هو المشكوك فيه.
وهذا الحديث، هذا السند الاستفتاح به فيه لطيفة، ولا أدري إن تعمدها ابن ماجه أو لا، أبو بكر بن أبي شيبة -كما قلنا- كان يرد على أهل الرأي، والآن الاسم الثاني في هذا السند هو شريك: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك.
شريك هو القاضي، شريك القاضي من أشد الناس على أهل الرأي، كان شديداً جداً عليهم، وهو الذي يروي الآثار الواردة في استتابة أبي حنيفة من القول بخلق القرآن.
وشريك رُمي بالتشيع، لكن تشيعه يسير جداً، على عادة أهل الكوفة يعني، أهل الكوفة قلّ من ينجو منهم من التشيع، لكن تشيعه خفيف وليس بالشديد.
نعم، والذي ثبت عندي في تشيع شريك أنه لما ذُكر له معاوية وأنه كان حليماً، فقال كلمة بما معناها: "أنه كيف يكون حليماً مَن أدّى فعله إلى -يعني إلى- سفك بعض دماء المسلمين؟!" بسبب المعارك والفتن التي دارت بين الصحابة رضي الله عنهم، وهذه كلمة سيئة.
شريك صدوق في نفسه، ضعيف الحفظ، لا يُقبل تفرده، لكن ضعفه ليس بالشديد، ومن أخطائه -وهذا أنا دائماً أنبه عليه، من أخطائه في الحديث- أنه روى أثراً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما بال إلا قاعداً»، الحديث بهذا اللفظ تفرد به شريك وهو لفظ خاطئ، وإنما الصواب ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً منذ نزل القرآن»، فهذا هو اللفظ الصحيح لهذا الحديث.
طيب، فأبو بكر بن أبي شيبة كان يطعن في أهل الرأي، وشريك كان يطعن في أهل الرأي، فاستفتاح ابن ماجه بهذا الإسناد فيه تفنن -إذا تقصد ذلك كما قلنا-؛ لأن هذا الحديث الذي سيمر معنا هو في باب حجية السنة، وباب حجية السنة من أهم الأبواب التي يجب أن يُرد بها على أهل الرأي، خصوصاً أن هذا الحديث الذي معنا هو من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وأبو هريرة رضي الله عنه -كما تعلمون وكما يعلم من يقرأ كتب الأحناف- يعني الأحناف ينقصون من قدره حقيقة يعني، يعني هم نعم يقولون هو رجل فاضل وكذا، لكنهم ليس من الفقهاء، يعني لا يقبلون بعض أحاديثه إذا تفرد بها، يعني يعاملونه معاملة خاطئة، وهذه المعاملة هي إنقاص من قدره حتى لو لم يقولوا ذلك، حتى لو كانت أقوالهم تخالف ذلك، لكن أفعالهم مع مرويات أبي هريرة رضي الله عنه تدل على ذلك.
دراسة بقية رجال السند
طيب، شريك القاضي، حدثنا شريك، عن الأعمش (سليمان بن مهران) الحافظ الكبير، وكان في خلقه يعني شيء من السوء، يعني كان -يعني- يعصب بسرعة بالعامي، يعصب بسرعة، ما عنده الصبر ما عنده الحلم، نعم ربما، لكنه أيضاً كان حليماً وصابراً على مرضه فهو أعمش يعني لا يرى بالليل.
الرجل كوفي، عنده أيضاً تشيع، رُمي بالتشيع الخفيف، واليوم بعض الناس يهاجم هذا الرجل، يعني هؤلاء الذين يسمون -أنا لا أتبنى هذا اللقب- بالنواصب الجدد، يقولون بأن- بأن الأعمش سبئي، ويحتجون بأحد أقوال- بقول أحد السلف أنه قال: "كان الأعمش والله سبئياً"، طيب، نحن الآن إذا عندنا تهمة نذهب إلى الرجل بنفسه نسأله عنها، ثبت بسند صحيح -أظن في كتاب «الكامل» لابن عدي أظن- عن الأعمش أنه قال: "إياكم وهذه السبئية"، يعني هو الرجل يحذر من السبئية، فحتى لو جاء عن أحد من السلف أنه كان سبئياً فنقول ببساطة: "الرجل من السلف هذا قد أخطأ"؛ لأن الأعمش بلسانه تبرأ من هذا، والإنسان أحياناً تصله أمور عن بعض الأشخاص، تصله أمور حتى لو كانوا الأشخاص ثقات لكنهم قد يخطئون، فلذلك الأعمش سليم في هذا الباب، ليس سبئياً، هذا كلام باطل.
وأيضاً يطعنون فيه بأنه قال: "أستغفر الله من أحاديث وضعناها في فضائل عثمان"، يعني يقولون بأنه كذب في عثمان "أستغفر الله من أحاديث وضعناها في عثمان"، وهذه رواية أيضاً لا تصح، وفيها انقطاع بين حماد بن زيد والأعمش، فأيضاً الرجل مجمع على ثقته، على صدقه، هذا الأمر مجمع عليه.
وله مرويات فيها نكارة، نعم، لكن النكارة ليست منه، السبب: الأعمش كان عنده تدليس، فاحياناً بعض مروياته نعم قد أجد فيها نكارة، السبب ليس وجود الأعمش بذاته في السند، وإنما تدليس الأعمش.
عن أبي صالح، هذا من أشهر الأسانيد: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، من أشهر الأسانيد.
أبو صالح السمان ذكوان من أشهر تلاميذ أبي هريرة رضي الله عنه، ومن الفوائد أن أبا صالح قال: "لم يكن أبو هريرة من أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وهذه فائدة لطيفة، يعني أبو هريرة كان شيخه، شيخه الأول، ومع ذلك يقول: "لم يكن من أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، يعني انظر إلى الإنصاف! اليوم نحن لما تجد بعض التلاميذ يحضر دروس شيخه يجعل شيخه الإمام المجدد في هذا العصر، ويبالغ في مدحه وإطرائه والثناء عليه، طبعاً أبو هريرة ليس من أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى نعم هنالك أبو بكر، عمر، عثمان، علي، وأناس آخرون أفضل منه، لكنه بلا شك من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأبو هريرة، هذا الرجل الذي روى الأحاديث الرئيسية في السنة، فلذلك الطعن فيه هو طعن في قسم كبير من السنة.