شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس الرابع والعشرون

المجلس الرابع والعشرون

قيد المراجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الرابع والعشرون من مجالس شرح سنن ابن ماجه، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.

نحن عندنا على الأقل أربعة خلفاء راشدين مهديين، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؛ بدلالة حديث الخلافة ثلاثون سنة.
وألحق بعض السلف بهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

وأهل البدع أحياناً لما يحتجون على بدعهم، يعني يحتجون بآثار مثلاً عن عمر في موضوع صلاة التراويح، عن عثمان في موضوع جمع المصاحف، طبعاً بغض النظر عن أن استدلالهم ضعيف جداً، لكن أصلاً نحن لما نتبع سنة هؤلاء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن نتبع سنتهم، فالشيء الذي فعلوه هو ناجم عن سنة، عن حديث، عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي سيمر معنا حديث العرباض بن سارية.

الحديث الأول

حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي.
عامة شيوخ ابن ماجه إما ثقات، أو صدوقين أو صدوقون من أهل الصدق، أو يكونون غير مشهورين لكنهم مستقيمو الحديث.

قال: حدثنا الوليد بن مسلم، ثقة في الحديث، لكنه يدلس أحياناً.
قال: حدثنا عبد الله بن العلاء -يعني ابن زبر- ثقة، قال: حدثني يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية يقول: هذا الحديث متنه صحيح، لكن هذا الإسناد أنكره بعض أهل العلم على يحيى بن أبي المطاع؛ قالوا بأنه لم يسمعه من العرباض، والمسألة فيها خلاف.

قال:

(( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون ))

النبي صلى الله عليه وسلم وعظ الصحابة فبَكَوْا، والإنسان أحياناً لما يستمع لموعظة من أحد الشيوخ قد يبكي، فما بالك لما يسمع موعظة من الرسول صلى الله عليه وسلم أخشى الناس لله.

ومن اللطائف في هذا الباب، أن بعض الشيوخ يقول: يقول الشيخ ابن باز -يعني ابن باز لما كان يعظ- يقول دائماً مثلاً يبدأ الموعظة بـ "اتق الله"، هذه الجملة معروفة يعني "اتق الله" جملة معروفة، قال: لكن لما كنت أسمعها من ابن باز بذاته، كلما يقول "اتق الله" أشعر بتأثر، وهذا لا شك الإنسان كلما كان فاضلاً كلما كان لكلامه وقع في القلوب أكثر.

فقيل: يا رسول الله، وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد.
فبعض الصحابة هنا شعروا أن النبي صلى الله عليه وسلم سيموت قريباً.
الصحابة لما مات النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على قسمين: قسم منهم يتوقع ذلك اعتماداً مثلاً على ماذا؟ على هذه الموعظة، اعتماداً على نزول سورة { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } [النصر: 1]، وبعضهم لم يكن يتوقع ذلك.

فقال:

(( عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً ))

المسلم يطيع ولي الأمر المسلم ولا يخرج عليه وإن كان عبداً حبشياً.
طبعاً هنا ماذا ماذا يقصد بالعبد الحبشي؟ أول شيء من شروط الخلافة أن يكون الخليفة حراً وليس عبداً، وأيضاً أن يكون من قريش وليس من الحبشة، فهنا شرطان قد اختلا ومع ذلك نسمع ونطيع.

(( وسترون من بعدي اختلافاً شديداً ))

أقول: قد رأيناه يا رسول الله.

(( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ ))

هنا يجذبنا أمر وهو أن الصحابة رضي الله عنهم لم يسألوه لما الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم "عليكم بسنة الخلفاء الراشدين"، لم يقولوا له: من هم؟ اذكر لنا أسماءهم بالنص.
أهل العصر يريدون حتى تبدع أو تكفر فلاناً بعينه أن يكون نزل فيه نص بعينه! لا، الصحابة كانوا يأخذون الموعظة العامة وبسبب العلم الذي عندهم في الكتاب والسنة يطبقون النصوص عليهم، فينظرون أهذا خليفة راشد ولا لا؟ بكل بساطة.

(( عضوا عليها بالنواجذ ))

النواجذ في تحديدها خلاف، لكن الراجح أنه ما نسميه نحن "ضرس العقل"، يعني آخر سن يكون في كل طرف من الفم.

(( وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة ))

الشيء بالشيء يذكر، ورد في حديث جابر بأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وزاد عبد الله بن المبارك "وكل ضلالة في النار".
هذه الزيادة "وكل ضلالة في النار" معناها صحيح، لكن من حيث الثبوت الحديثي اختلف فيها العلماء؛ بعضهم صححها قالوا ابن المبارك ثقة وزيادته تقبل في هذا الموضع، بعضهم قال لا، تفرد بها وشذ بها.

حديث العرباض هذا متفق على صحته عند السلف، لم أجد أحداً من السلف طعن فيه.
طبعاً بعض المعاصرين يحاول أن يطعن فيه لأغراض معروفة؛ لإسقاط بعض الصحابة، للتمييع مع بعض البدع، وهكذا.

الحديث الثاني

حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، ثقة، ذُكر أنه قدري.
وإسحاق بن إبراهيم السواق، أيضاً صدوق.
قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي -تقدم معنا الإمام- عن معاوية بن صالح -تقدم معنا صدوق- عن ضمرة بن حبيب، أيضاً صدوق، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، لا بأس به، أنه سمع العرباض بن سارية يقول:

(( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

وهذا قد جاء معناها أيضاً في حديث أبي الدرداء والذي مر معنا.

(( من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد ))

هذه الزيادة (( فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد )) الراجح أنها لا تصح، بعض أهل العلم صححها لكن الراجح أنها لا تصح وهي مدرجة، وقد ذكر ذلك ابن رجب في بعض كتبه.

الحديث الثالث

حدثنا يحيى بن حكيم، ثقة، حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي، أيضاً صدوق، قال: حدثنا ثور بن يزيد.
ثور بن يزيد ثقة في الحديث، لكن في عقيدته طعن فيه في أمرين:

  • الأمر الأول: أنه قدري، وهذا ثبت عنه، بل إنه قد أخرج من الشام بسبب ذلك؛ فذُكر -والله أعلم بثبوت ذلك- أنه أخرج وسحب من المسجد سحباً، بل وأحرقت داره.
    وحتى إن الأوزاعي يعني مرة جاء ثور بن يزيد فمد يده حتى للأوزاعي حتى يصافحه فالأوزاعي رفض، قال له: لو كان الأمر لو الخلاف بيني وبينك في في الدنيا ما في مشكلة، لكن الخلاف ديني.

  • الأمر الثاني الذي طعن فيه: ذكروا بأن عنده نصباً، حيث ورد عنه أنه قال: "لا أحب رجلاً قتل جدي"؛ لأن جد ثور بن يزيد -كما ذكر- قد قتل مع معاوية في صفين.
    لكن رواية "لا أحب رجلاً قتل جدي" عن ثور بن يزيد لا تصح، ذكرها ابن سعد في الطبقات، وابن سعد لم يسمع من ثور بن يزيد وإنما الواسطة عادة بين ابن سعد وثور بن يزيد هو الواقدي، والواقدي معروف حاله متروك.

عن خالد بن معدان.
خالد بن معدان ثقة كبير من العباد، وأما الرواية التي جاءت بأنه كان قائد شرطة يزيد بن معاوية فهذه رواية لا تصح، في سندها مجهول.

عن عبد الرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية، قال:

(( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة... )) فذكر نحوه.

هذا الحديث كما قلنا حديث صحيح، وهنا في هذه الرواية فائدة وهي تحديد أن الموعظة كانت بعد صلاة الصبح.
وسبحان الله يعني الصحابة في صلاة الصبح الإنسان يكون عادة نعسان ومع ذلك لما سمعوا الموعظة بكوا، اليوم نحن الناس إما لا يصلون الصبح أو يصلونه نقر الدجاج -يصلونها نقر الدجاج- بجانب التخت، بمجرد أن يقول "السلام عليكم ورحمة الله" الثانية تجد بأنه رمى بنفسه على السرير، وحتى من ذهب إلى المسجد يعني نذهب بكل تثاقل، نسأل الله العفو.
وهذا آخره والله أعلم.

جارٍ التحميل