بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الرابع من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثقة حافظ، لم يتكلم أحد فيه، لا في عقيدته ولا في حفظه، وأبوه أيضاً من الحفاظ.
حدثنا زكريا بن عدي، أيضاً ثقة حافظ.
عن ابن المبارك:
عن محمد.. ابن المبارك عبدالله بن المبارك المروزي، الإمام الكبير، أيضاً مجمع على توثيقه، وهو من أئمة أهل السنة والجماعة، وله كلام شديد في الجهمية.
ومن مواده الحسن بن عيسى، وهذا كان رجلاً نصرانياً ثم أسلم، وأصبح أيضاً شديداً على الجهمية، خلافاً للنفس السائد في هذا العصر؛ يعني قد يقول لك قائل: "لو أن رجلاً نصرانياً ثم أسلم، ورأيته شديداً على الجهمية" يقول له الناس: "يا أخي، روح اذهب وتعلم دينك ثم تكلم في هذه المسائل"، لا، الحسن بن عيسى كان نصرانياً ثم أسلم، ومع ذلك كان يكفر الجهمية؛ لأن مسألة العلو هذه من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة.
عن محمد بن سوقة، معروف ثقة من العباد.
عن أبي جعفر:
أبو جعفر هو محمد بن علي الباقر، الذي تعتبره الشيعة أحد أئمتها، وهم كاذبون في ذلك، أيضاً ثقة متفق على توثيقه، ومتفق على فقهه، وهو من الفقهاء، وروايته أقل من رواية ابنه جعفر.
وهذا الأثر لطيف؛ ماذا قال أبو جعفر الباقر؟ قال: كان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا سمع من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حديثاً لم يعدُه ولم يقصّر دونه.
الفوائد والأسانيد
الفائدة هنا أن أبا جعفر الباقر يتكلم عن ابن عمر كلاماً طيباً، وهذا الأثر إسناده صحيح.
فأنت تخيل اليوم رافضياً يمدح ابن عمر! يعني الرافضي يكره عمر، وابن عمر، وكل شيء له صلة بعمر.
فهذا أمر، يعني انظر كيف جاء أبو جعفر الباقر يمدح ابن عمر؛ يمدحه بأنه لما كان يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثاً بأنه كان لا يعدوه، لا يعدوه يعني لا يتجاوز بالزيادة، يعني الحديث مثلاً كلمتين لا يجعل الحديث ثلاث كلمات، وأيضاً ولم يقصر دونه، إذا كان الحديث ثلاث كلمات لا يجعله كلمتين، يعني كان ابن عمر شديد التحري في نقل اللفظ ذاته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
هذه الشهادة من أبي جعفر الباقر:
-
أولاً: تدل على فضل ابن عمر.
-
ثانياً: تدل على كذب ما يروى عن الباقر وغيره من الطعن في بعض الصحابة.
-
ثالث شيء: تدل على اهتمام الباقر بحديث ابن عمر، يعني هذه الشهادة المرء لا يحصل عليها إلا إذا جمع أحاديث ابن عمر، وتحقق منها، ولازمه وجالسه.
نعم، هذا أمر.
وأبو جعفر الباقر له مرويات عن الصحابة؛ بعضها مرسلة، وبعضها متصلة.
وهنا روايته عن ابن عمر الذي يظهر -والله أعلم- أنها متصلة، والله أعلم لا أعلم إذا له روايات أخرى عن ابن عمر، لكن هو روى عمن هو أقدم من ابن عمر، يعني مثلاً روى عن جابر، معروف هذه السلسلة من أصح الأسانيد: جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر.
وهذه السلسلة وردت فيها أحاديث من أهم الأحاديث؛ حديث صفة حج النبي -صلى الله عليه وسلم-، حديث صحيح مسلم جاء من هذه السلسلة، فهذا أمر.
طبيعة مرويات ابن عمر رضي الله عنهما
وهنا أيضاً من الأمور الملاحظة بناءً على هذا الأثر، أن أحاديث ابن عمر لما تقرأها تجد أن أحاديث ابن عمر في عمومها أحاديث قصيرة، يعني ابن عمر قلما يروي حديثاً طويلاً، ربما يعني من الأحاديث الطويلة التي رواها حديث الثلاثة الذين لجأوا إلى الغار ثم سقطت حجرة فسدت باب الغار، نعم هذا من الأحاديث الطويلة، لكن عامة أحاديث ابن عمر أحاديث قصيرة.
وأحاديثه مثل أحاديث أبي هريرة أحاديث مركزية، أحاديث مهمة جداً لا يستغنى، يعني مثلاً إذا حذفنا أحاديث ابن عمر من المسانيد نكون قد حذفنا جزءاً مهماً جداً من العلم.
وأحاديثه متنوعة ابن عمر؛ تجد له أحاديث في أبواب البيوع، تجد له أحاديث في شتى الأبواب، في أبواب الزهد، في عدة أبواب.
وابن عمر -رضي الله عنهما- من الصحابة المعروفين الذين كانوا يعني شديدي الحرص على تتبع النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان يتتبعه في فعله شبراً بشبر، ولذا لا يستغرب أنه حتى في روايته في حديثه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحاول أن يأتي باللفظ تماماً.
مسألة الرواية بالمعنى
وطبعاً مسألة الرواية بالمعنى، رواية الحديث بالمعنى، هي والله أعلم جائزة لكن بضوابط، بضوابط.
وحتى يعني الأحاديث التي وصلتنا بالمعنى يعني لا يتصور مرء أن التغيير كان كبيراً، يعني نعم قد يصلنا بالمعنى لكن التغيير شيء يسير، يعني عامة المنقول يكون من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- لفظاً.
يعني أنت تجد هذا مثلاً لما يختلف الرواة في حديث واحد تجد كلهم يتفقون على لفظ لكن يختلفون في كلمة مثلاً، يعني مثلاً: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع"، "كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع"، وردت روايتان، هذا الحديث مرسل الصواب فيه إرسال لكنه صح عن بعض الصحابة أيضاً.
المهم تجد أن الفريقين اتفقوا على: "كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع"، فقط اختلفوا في كلمة واحدة.
فعامّتهم حتى لما هم يختلفون في الألفاظ وربما ينقلون بالمعنى، لكن القسم الأكبر هو منقول باللفظ.
والرواية بالمعنى تدخل أكثر في أبواب القصص، يعني والله قصة طويلة هذه لا يشترط فيها أن ترويها باللفظ، خصوصاً يعني إذا كان القسم الأكبر من القصة ليس فيه شيء من أقوال وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ والله مثلاً كنا في غزوة فحدث كذا وحدث كذا، هذه لا يشترط فيها أن ترويها باللفظ، يكفي فيها المعنى.
لما يأتي القسم المتعلق بتعليق النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله أو تقريره، نعم هنا يحاول المرء أن يروي باللفظ تماماً، هذا أمر.
مكانة عبد الله بن المبارك ومدرسة الباقر والصادق
طيب، أيضاً من فوائد هذا الإسناد نعود إلى عبد الله بن المبارك؛ عبد الله بن المبارك الكل متفق على إمامته، يعني تجد حتى الصوفية، الصوفية يحبونه ويغلون فيه جداً جداً.
وأنا لما كنت صغيراً يعني جلست عند بعض الصوفية، كنت صغيراً يعني لم أبلغ بعد، فكان هذا الشيخ الذي يحدثنا، هذا كان شديد التعلق بابن المبارك، يروي فيه القصص الشديدة العجيبة في الكرامات، وفي أنه يعني يرى في مكان واحد في اللحظة نفسها، ونحو هذه الأمور.
وسبحان الله! رغم أنهم يدعون أنهم ينتسبون إليه، ومع ذلك يخالفونه في العقيدة.
وهذا مثل عبد القادر الجيلاني؛ عبد القادر الجيلاني في "الغنية" كتابه الغنية يعني الرجل يقر بالاستواء يقر بأمور كثيرة، يصفه هؤلاء الذين يدعون أنهم محبوه بالتجسيم بل ويدعونه من دون الله، نعوذ بالله من ذلك.
نعم، وهذا الأثر تفرد به ابن ماجه عن باقي الستة، فهذا من تفردات ابن ماجه.
وأبو جعفر الباقر كما قلنا متفق على توثيقه، ابنه جعفر وسيأتي الكلام عليه لاحقاً، الجمهور على توثيقه.
البعض ترك روايته لأن الكذبة عنه كثر، فأنت لما يكون عندك تلاميذ كثر كذبة، حديثك سيكون من الصعب أن تأخذ منه الصافي، فلذلك البعض قد يعني يتجنب الرواية مطلقاً، يقول: "يعني خليني بالمضمون لا أريد أن أقع في المحظور"، لأنه حتى لو مثلاً روى عنك ثقة، هذا الثقة قد يدلس في حديثك فيسقط راوٍ كذاب بينك وبينه، فيروي حديثاً موضوعاً.
فأبو جعفر يعني توثيقه أعلى من توثيق جعفر بن محمد، مع أن الشهرة لجعفر بن محمد، وجعفر بن محمد الصادق هو أكثر شخص تاريخياً ربما كُذب عليه، هو وعلي بن أبي طالب.
يعني الرافضة تجد في كتبهم الحديثية من هو أكثر شخص يروون عنه؟ هو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، يعني مروياته أكثر من علي وأكثر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني هو مدار الدين عندهم، لذلك يسمون الجعفرية، يسمون الجعفرية ليس اسمهم العلوية مثلاً، لا اسمهم الجعفرية نسبة إلى جعفر الصادق.
وهذا آخره، والله أعلم.