بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الخامس من مجالس شرح سنن ابن ماجة.
وصلنا إلى الحديث الخامس: (( حدثنا هشام بن عمار الدمشقي )).
- رتبته الحديثية: هشام راوٍ صدوق، ليس يصل إلى مرتبة الثقة، ولا ينزل عن رتبة الصدوق، فحديثه مقبول.
وقد تغير في آخره كحال البشر.
طبعاً هذا الرجل يُطعن فيه في أمرين:
الأمر الأول: روايته لحديث تحريم المعازف
لكونه راوي حديث تحريم المعازف، فبعض الناس يطعن فيه من هذا الوجه.
وبغض النظر عن التفاصيل، لكن أصلاً هو لم يتفرد بهذا الحديث كما يظن بعض الناس، فلا علاقة لهشام بالموضوع.
وحتى لو أنه لا يوجد حديث: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير... » إلى آخره، فإن المعازف تبقى محرمة لأمور أخرى، على الأقل على الأقل الإجماع.
فهنالك مسائل مجمع عليها لا يوجد عليها نصوص صريحة، مثل: نجاسة الدم؛ لا يوجد شيء صريح واضح في هذا.
فالدم المسفوح هو غير الدم العادي، ومع ذلك هنالك إجماع على نجاسة الدم خلافاً لمن شذ عن هذا القول.
الأمر الثاني: عقيدته
الأمر الثاني الذي طُعن فيه، يُطعن في عقيدة هشام بن عمار من وجهين:
-
الوجه الأول: أنه قال مرة في خطبة له: "الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه".
هذه الجملة الأولى تجنبها، فلها معنى حسن ولها معنى سيئ:-
المعنى الحسن (الصحيح): أن الله سبحانه وتعالى عرّفنا على نفسه من خلال مخلوقاته، فالسموات والأرض وما بينهما وما فيهما هي آيات تدل على وجود الله.
-
المعنى السيئ: معروف، وقد يستخدمه الاتحادية وأهل وحدة الوجود.
-
-
الوجه الثاني: أنه لَفْظِيٌّ؛ أنه قال: "لفظ جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن مخلوق".
التحقيق في التهم الموجهة لهشام
أول شيء: هل ثبتت هاتان التهمتان عن هشام؟
المصدر الذي أورد هذه التهمة عن هشام هو كتاب "القصص" لأبي بكر المروذي، وهذا الكتاب غير متوفر بين أيدينا اليوم، وإنما نقل منه بعض الحنابلة هذه القصة.
والقصة: أن أقواماً جاؤوا إلى أحمد، فقالوا له: إن هشاماً قال كذا وكذا، فحكم عليه أحمد بالتجهم.
لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن هذه التهمة غير صحيحة عن هشام، وأن الذين نقلوا هذا الكلام عن هشام لم يكونوا دقيقين فيه، أو أنه قد بلغهم هذا الكلام عن هشام من مصدر غير موثوق؛ لأن هشاماً نفسه ورد عنه بسند لا بأس به في "تاريخ دمشق" لابن عساكر: أن أقواماً سألوه -أن أقواماً نسبوه إلى اللفظية- فقام هشام بن عمار وخطب على المنبر وتبرأ من ذلك.
وأصلاً هشام بن عمار كان خطيب دمشق، يعني رجل كهذا إذا ظهرت منه بدعة فالأمر سينتشر، أما مجرد وجود ذلك في رواية أو شخصين نقلا ذلك إلى أحمد فيُضعف هذا من ثبوت هذا عن هشام، خصوصاً أن الرجل قد برأ نفسه.
يعني مثل إنسان والله يقول عنك إنك رافضي ثم أنت تخرج ببيان تقول: "أنا لست رافضياً"، خلاص سقطت التهمة.
إكمال سند الحديث
-
(( حدثنا محمد بن عيسى بن سميع )): هذا الراوي وسط (صدوق وسط)، قال أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
-
(( حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس )): أيضاً لا بأس بحديثه، حديثه حسن.
-
(( عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي )): ثقة.
-
(( عن جبير بن نفير )): ثقة كبير، وهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية.
-
(( عن أبي الدرداء رضي الله عنه )): من أكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة وزهداً وورعاً وعلماً.
متن الحديث والشرح
قال: (( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلْفَقْرَ تخافون؟! )).
يعني أبو الدرداء رضي الله عنه كان جالساً مع أصحابه يذكرون الفقر يخافون، يقولون مثلاً: "والله لو في يوم من الأيام ما عندنا مال ماذا سنفعل؟"، فالنبي صلى الله عليه وسلم استنكر عليهم ذلك، فقال: « آلْفَقْرَ تخافون؟! ». معقول أنكم تخافون من الفقر؟
الإنسان يظن أن قلة المال هي التي ستفسده، في الحقيقة بعض الناس قلة المال تفسده، لكن بعض الناس تفسده كثرة المال.
فالفقير أحياناً بسبب فقره قد يقوم بالسرقة، لكن الغني بسبب غناه قد يقوم بالتكبر، والتكبر شر من السرقة.
وقد تخوف النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة من فتنة المال.
وأبو الدرداء رضي الله عنه تجد في سيرته بعد هذا الحديث ما يدل على طاعته لأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: "أحب الفقر تواضعاً لربي"، وقال أيضاً: "طوبى لمن قلت تراثه"؛ أي قل ماله.
نكمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده، لتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبًّا، حتى لا يُزِيغَ قلبَ أحدِ منكم إزاغةً إلا هيَ.
وايمُ الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء ».
1. القسم بـ "والذي نفسي بيده"
هذا القسم بعض الناس يظن أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا في الحقيقة أمر خاطئ؛ فقد صح هذا القسم عن مجموعة من الصحابة والتابعين، فيجوز للإنسان العادي أن يقسم به.
2. دلالة النبوة والرد على الأشاعرة
هذا الحديث من الآيات الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر أن الدنيا ستصب على الصحابة صباً، وقد حدث ذلك أيام الفتوحات.
- عند الأشاعرة: لا، لماذا؟ نحن نقول هذا أثر غيبي، النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن غيب وقد حدث، فهو آية على نبوته.
الأشاعرة يشترطون في الآيات التحدي، يعني النبي لما يأتي بآية إذا لم يتحدّ بها فهي ليست بآية.
يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد الأشاعرة أن يقولوا هذه آية في هذا الحديث سيقول: "لتصبن عليكم الدنيا صباً وهذا تحدٍّ وسوف يحدث"، فإذا لم يتحدّ فهذه ليست بآية عند الأشاعرة.
وفي الحقيقة موضوع التحدي وكذا هذا يندر في آيات الأنبياء أن يكون التحدي حاضراً فيه، وأصلاً الأحاديث الغيبية عن النبي صلى الله عليه وسلم عامتها -القسم الأكبر منها- موجه للمسلمين، والمسلمون لا يحتاجون إلى تحدٍّ أصلاً لأنهم يوقنون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق، فمذهب الأشاعرة هذا مذهب فاسد.
3. معنى إزاغة القلب في حق الصحابة
أيضاً في الحديث هنا: « حتى لا يزيغ قلب أحد منكم إزاغة إلا هي ». النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن الصحابة، هل زاغ قلب الصحابة بسبب المال؟
الجواب: كون المرء يزيغ قلبه ليس بالضرورة أن يكون مسلماً ثم يصير كافراً، لا.
هنالك عدة وجوه، من أحد هذه الوجوه: أن يتعلق الإنسان بشكل أكثر بالمال، وهذا يحدث لكل إنسان.
الإنسان مجبول على حب المال، وابن آدم لما يكبر يكبر معه حب المال كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأمر طبيعي.
ولا أعلم من الصحابة من فُتن بالمال فتنة كاملة، لا أعلم هذا.
وطبعاً الخطاب في الحديث موجه للصحابة وموجه لغير الصحابة.
4. معنى "البيضاء ليلها ونهارها سواء"
ثم قال صلى الله عليه وسلم: « وايم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء ».
-
البيضاء: ما معنى تركتكم على مثل البيضاء؟ أي على مثل الأرض البيضاء، الأرض البيضاء هي أرض نقية ما فيها وحوش ما فيها شيء يخيفك، إذا مشيت فيها بالليل أو في النهار سواء؛ لا تخاف.
-
معنى آخر: الأرض البيضاء هي الأرض الواضحة النقية، بحيث تمشي فيها بسهولة في الليل أو في النهار.
تعقيب أبي الدرداء رضي الله عنه
قال أبو الدرداء: (( صدق والله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء )).
-
قول "صدق رسول الله": الإنسان أحياناً إذا قرأ حديثاً ووجد أن هذا الحديث قد تحقق، يقول: "صدق رسول الله"، لكن لا تُجعل هذه عادة، لا تُجعل هذه عادة.
مثل أن تقرأ بعض آيات القرآن فأحياناً تقول: "صدق الله"، لا بأس بذلك، لكن أن تُجعل عادة كما يفعل بعض الناس لما يقول: "صدق الله العظيم"، لا.
وقد جاء في القرآن: { قُلْ صَدَقَ اللَّهُ } [آل عمران: 95]، لكن لا يجعل هذا عادة. -
أثر سعيد بن جبير: وقد جاء عن سعيد بن جبير أنه كان إذا ختم السورة في صلاته تطوعاً قال: "صدق الصادق البار"، وهذا الأثر لا يصح وسنده ضعيف جداً.
خاتمة
وهذا القسم: « والذي نفسي بيده »، قسم عظيم؛ يذكرك أولاً بالموت لأن نفسك دوماً بيد الله، ويذكرك دوماً أن تدعو: "يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك" لأن نفسك بيد الله، ففي لحظة قد يضلك الله سبحانه وتعالى.
طبعاً هذا الحديث حديث حسن، وهو من الأحاديث المهمة جداً في باب الرد على المبتدعة.
وهذا آخره، والله أعلم.