بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الثاني عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري الذهلي المعروف، الثقة الكبير، الإمام في السنة.
ومن المسائل التي قد تناقش حول هذا الرجل:
أولاً: نزاعه مع البخاري
لما قال البخاري -أو لما ورد لمحمد بن يحيى الذهلي أن البخاري قال كلمةً ما ليست على طريقة أهل السنة والجماعة- فأنكر عليه جداً.
لكن البخاري تبرأ من هذا -كما في شرح أصول أهل السنة والجماعة- تبرأ من هذا القول وبأنه لم يقل هذا القول، فيكون ما وصل للذهلي ليس صحيحاً.
والخلاف فيما بينهما كان خلافاً من أجل الحق، ليس خلافاً من أجل الحسد كما يعلل البعض هذا الخلاف، وإلا فإن محمد بن يحيى الذهلي قد خالف أيضاً من هو أقل شهرة بكثير من البخاري للمسألة نفسها.
ثانياً: تفصيله في مسألة القدر
وأيضاً جاء عنه تفصيل في مسألة القدر، هذا التفصيل كلماته ليست كلمات أهل السنة والجماعة، وهذا التفصيل موجود في كتاب "القضاء والقدر" للبيهقي، لكن السند فيه إلى محمد بن يحيى فيه نظر؛ ففي سنده رجل يدعى أبو الحسن الجوهري، ليس فيه توثيق معتبر وإنما هو من شيوخ الحاكم، والحاكم لما ذكره قال: "رضي الله عنه"، وهذا لا يكفي، لا يكفي في توثيق الرجل.
حدثنا عبد الرزاق، عبد الرزاق صاحب "المصنف"، ثقة حافظ كبير.
روايته عن الثوري فيها بعض الكلام، ليست كلها مطروحة وليست كلها مقبولة، لكن -يعني- هي أقل من غيرها.
وهذا الرجل رُمي بالتشيع، وهنالك صوتية في القناة أثبتُّ فيها أن تشيع عبد الرزاق هو تشيع خفيف، فما يحكى عنه أنه طعن في معاوية لا يصح، بل إنه روى أثراً في كتابه "المصنف" في مدح معاوية، وأيضاً ثبت عنه الترحم على أبي بكر وعمر وتقديمهما على علي رضي الله تعالى عنه؛ فالرجل تشيعه خفيف خلافاً لما يظن البعض.
وعبد الرزاق مروياته كثيرة جداً، يعني "المصنف" لوحده آلاف الآثار، فلذا -نعم- قد تجد مجموعة من الآثار القليلة المنكرة التي تفرد بها، مثل أنه مرةً روى عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «علي سيد العرب» أو شيء من نحو هذا، وهذا الأثر حديث منكر.
فبعضهم حمل النكارة في هذا على عبد الرزاق، وبعضهم حمل النكارة في هذا على الراوي عن عبد الرزاق -الراوي هو أبو الأزهر- لكن في الحقيقة الراجح أنه ليس هذا ولا ذاك، الراجح أن النكارة في هذا الأثر هي من طرف معمر، وأيضاً ليس معمر هو المتهم وإنما ابن أخ لمعمر؛ معمر كان عنده ابن أخ رافضي، فأحياناً يدس في كتبه شيئاً من تلك الآثار المنكرة التي تدعم الرفض، نعم.
فهذه هي الخلاصة؛ أن بعض الناس يظن أن عبد الرزاق -يعني- روى مثل هذا الحديث المنكر بهذا السند من أجل دعم مذهبه وتشيعه، في الحقيقة هذا الأمر غير صحيح؛ لأن عبد الرزاق نفسه روى حديثاً ظاهر سنده الصحة لكن العلماء حكموا عليه بالنكارة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «يا عمر، البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً»، وهذا أثر فيه مدح لعمر رضي الله تعالى عنه، ومع ذلك عبد الرزاق رواه بهذا السند المنكر، لكن العلماء قالوا بنكارة هذا الخبر وبأن الصواب فيه أنه من مرسل أبي الأشعث.
طيب.
أخبرنا معمر، معمر بن راشد، ثقة ثبت كبير، سليم العقيدة، حديثه مقبول، حديثه من الأحاديث الصحيحة، لكن روايته عن أهل العراق فيها شيء، خصوصاً روايته عن ثابت وبدرجة أقل روايته عن أيوب، كلا الروايتين فيهما كلام، لكن روايته عن ثابت فيها نكارة أكثر، روايته عن أيوب -يعني- أفضل حالاً وإن كان فيها أيضاً كلام.
عن الزهري، ابن شهاب الزهري الثقة الكبير تقدم معنا.
عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
سالم هو ابن عبد الله بن عمر، ومعروف أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أكثر شخصين رويا عنه هما سالم ونافع؛ سالم هو ابن عبد الله بن عمر، ونافع هو مولى ابن عمر.
وهنا تأتي مسألة مشهورة: إذا اختلف سالم ونافع في حديث عن ابن عمر، من نقدم؟
بعض العلماء يقدم سالماً، بعضهم يقدم نافعاً، بعضهم يتوقف.
والذي يظهر -والله أعلم- أن كل حالة لها شأنها الخاص، لكن إذا جمعنا الأحاديث الواردة في اختلاف سالم ونافع فإن الأحاديث التي أصاب فيها نافع هي أكثر، فلهذا نقدم نافعاً على سالم في الرواية عن ابن عمر، وهذا من الإنصاف؛ أن تقدم مولى الرجل على ابن الرجل ذاته.
نعم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد».
المرأة صلاتها في بيتها خير من الصلاة في المسجد، لكن لو طلبت منك المرأة أن تصلي في المسجد فلا يحق لك أن تمنعها ولا يجوز لك أن تمنعها، لكن يجوز المنع متى؟ في حالة خاصة؛ إذا الإنسان خشي الفتنة على امرأته، يعني أول شيء امرأته ستذهب مثلاً إلى المسجد متبرجة أو تضع العطر أو أو...، أو يعلم أنها إذا خرجت فإن السفهاء من الرجال سينظرون إليها، فحينها هنا في زمان الفتنة يجوز أن يمنع الرجل امرأته.
وإذا صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي لمنع النساء المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل"، وهذا في زمن عائشة فما بالك في هذا الزمن؟!
وهذا الحديث فيه تسمية النساء بـ "إماء الله"، وهذه تسمية جيدة، ويشيع في الرجال اسم "عبد الله" ويندر في النساء اسم "أمة الله".
فقال ابن له -ابن لعبد الله بن عمر-: "إنا لنمنعهن"، فغضب غضباً شديداً -أي غضب ابن عمر غضباً شديداً- وقال: "إني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنك تقول إنا لنمنعهن؟!".
هذا الابن لعبد الله بن عمر من هو؟ هو بلال، اسمه بلال.
في الحديث دائماً نجد لما يكون الكلام عن قصة، تجد أن بعض ألفاظ الحديث يذكر فيها اسم الراوي الذي تدور حوله هذه القصة أو اسم الرجل الذي تدور حوله هذه القصة، ويبهم هذا الاسم في مواضع أخرى، سبب هذا الآتي:
-
أول شيء: أحياناً الإنسان قد ينسى الاسم فلا يذكره.
-
ثاني شيء: العبرة من القصة هي الأهم، يعني هي أهم من تحديد الرجل، حتى تحديد الرجل أحياناً يكون مهماً جداً أيضاً، لكن العبرة هي الأهم، وهذا مشاهد في القرآن؛ القرآن -يعني الأسماء التي ذكرت في القرآن الذي هو كتاب الهداية إلى يوم الدين- الأسماء قليلة، الأسماء المذكورة، يعني الصحابة لم يذكر منهم إلا زيد مثلاً في موضع واحد مع أن عددهم أكثر من مئة ألف صحابي، فالعبرة بالفوائد المستخرجة من القصص.
فالابن هنا هو بلال بن عبد الله بن عمر، أيضاً بعض الرواة أحياناً يبهمون ذكر الرجل من باب الستر عليه، يعني لا يريد أن يذكر اسمه؛ أخطأ بخطأ خلاص لا نذكر خطأه هذا، نتستر عليه، لا فائدة أصلاً من ذكره، أن الرجل قد مات ماذا سنستفيد من ذكر اسم هذا الرجل؟ أو أحياناً يبهم اسم الرجل من باب الخوف، وهذا مشاهد أحياناً في بعض الكتب؛ تجد مثلاً في ذم أبي حنيفة يقولون: "أبو فلان"، لا يذكرون حنيفة؛ لأنه يصعب على الإنسان أن يكتب "أبي حنيفة" ويروي أثراً في ذمه في بعض الأزمنة.
فهنا بلال بن عبد الله بن عمر لما سمع بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أبدى رأيه، يعني ذكر ما يفعلونه هم، فلذا ابن عمر غضب عليه غضباً شديداً؛ يعني أنت لما يحدثك أحد بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم سمعاً وطاعة، انتهى الأمر، حتى لو عندك رأي انتهى.
فلذا غضب ابن عمر غضباً شديداً من ابنه.
وقد جاء في رواية في مسند الإمام أحمد رحمه الله -والسند صحيح- أن ابن عمر لم يكلم ابنه هذا حتى مات، يعني انظر... انظر إلى هذه الغيرة على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن اللطائف في هذا الحديث أن هذا الحديث رواه مسلم من طريق كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، يعني بلال بن عبد الله بن عمر هو ذاته قد روى هذه القصة! هو ذاته قد روى هذه القصة، يعني في العادة الإنسان لا يروي قصة في ذمه، لا، بلال بن عبد الله بن عمر روى هذه القصة في ذمه من باب أخذ العبرة حتى الناس يستفيدون.
وحتى من اللطائف أن سالم بن عبد الله بن عمر روى هذا الحديث في ذم أخيه، ولم يقل أحد لسالم: "أنت تروي هذا الحديث في ذم أخيك مثلاً لأنك تحسده، لأنك كذا"، لا.
طبعاً هذا الحديث حديث صحيح بلا شك.
والله المستعان، اليوم النساء -يعني- يخرجن إلى المساجد في صلاة التراويح فقط، يعني يندر أن تجد امرأة تخرج إلى صلاة الجماعة، يخرجن في صلاة التراويح، وكم رأيت من نساء في سوريا -يعني نخرج من المسجد مثلاً، أنا أذهب إلى البيت، أذهب إلى البيت- وفي الطريق أجد امرأة مثلاً ترتدي ما نسميه في سوريا بـ "لباس الصلاة" (غطاء الصلاة) فتقوم بنزعه في الشارع! يعني هي أصلاً لا تتحجب، هي من النساء اللواتي ابتلين بمعصية ترك الحجاب، فتصلي في المسجد ثم لما تخرج من المسجد تنزع هذا الحجاب وتفتن من وراءها من الرجال، الله المستعان.
وهذا آخره، والله أعلم.