بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح «سنن ابن ماجه»، وصلنا إلى الحديث الثاني:
حدثنا محمد بن الصباح، ثقة، لم يطعن فيه أحد لا في حديثه ولا في عقيدته، قال: أخبرنا جرير، وجرير هو ابن عبد الحميد الضبي، هذا الرجل ثقة، لكن البعض قد تكلم في عقيدته من أمور نبينها الآن:
أول شيء بعضهم قال: بأنه كان يشتم معاوية علانية، وهذا ورد عن قتيبة بن سعيد، لكن هذا لا يصح عن قتيبة بن سعيد، إذ لا يوجد سند لذلك إلى قتيبة بن سعيد، فهذا لا يصح، بل إن الأمر على خلاف ذلك؛ لأن جرير بن عبد الحميد مثلاً له رواية في كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد، وأيضاً أظن في كتاب «السنة» للخلال، في كلا الكتابين روى أثراً في فضل معاوية؛ أن معاوية -رضي الله عنه- أرسل بهدية إلى أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فقبلت الهدية، فهذا أثر فيه مدح لمعاوية؛ عائشة قبلت هديته، وقالت للناس، قالت: "هو أميركم" في هذه الرواية، يعني في هذا تثبيت إمارة معاوية، فكيف نقول بأن جرير كان يشتم معاوية؟ هذه التهمة غير صحيحة عنه.
لكن الرجل -والله أعلم- يظهر أن عنده تشيعاً خفيفاً، طبعاً هو كوفي، أهل الكوفة انتشر فيهم التشيع، فما بين تشيع خفيف وبين تشيع شديد.
في أمر يجب أن ننبه إليه: البصرة انتشر فيها القدر، الكوفة انتشر فيها التشيع.
بعض الرواة حتى لو لم يرد في ترجمتهم أن عندهم تشيعاً -يعني لم يرد لا نفياً ولا إثباتاً- لكنهم كانوا من الكوفة، فإن هذا لا ينفي التشيع عندهم ولا يثبته طبعاً، لكنه لا ينفي ذلك عنهم، لماذا؟ لأنه بسبب كثرة انتشار التشيع في الكوفة، صار مصطلح "فلان كوفي" شبيه بمصطلح "فلان عنده تشيع"، فليس بالضرورة أن يذكر علماء الحديث: "والله فلان عنده تشيع"، مجرد كونه كوفياً، الأمر يدفعك إلى الشك.
طيب، فجرير يظهر أن عنده تشيعاً خفيفاً، والذي يدل على ذلك: أن جريراً ترك رواية سالم بن أبي حفصة، قال: "لأن عنده غلواً في التشيع"، فعلق بعض العلماء على ذلك -كما في «الضعفاء الكبير» للعقيلي- قالوا يعني بما معناه: يعني إذا جرير ترك هذا بسبب غلوه، فمعناها أن هذا الرجل المتروك -سالم بن أبي حفصة- عنده غلو شديد؛ لأن جرير الذي هو عنده تشيع، رأى بأن سالماً غالٍ في التشيع، فهذا يثبت نوعاً من التشيع الخفيف على جرير بن عبد الحميد الضبي، خلافاً لمن نفى عنه ذلك مطلقاً، لا، الرجل الذي يظهر -والله أعلم- أن عنده تشيعاً خفيفاً، بدليل هذه الرواية، وأيضاً في «سؤالات الآجري» شيء من ذلك، وسؤالات الآجري نعم فيها بعض الأمور التي فيها تفردات ولا تقبل، لكن الذي يظهر -والله أعلم- ثبوت التشيع الخفيف عن جرير، فتشيعه ليس بمعنى أنه رافضي، لا، تشيعه كحال تشيع أهل الكوفة.
طيب، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، تكلمنا عن هذا السند في الحديث الأول، قال: قال رسول الله ﷺ:
«ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»
بعض الناس يكثر من السؤال، يتنطع، والرسول ﷺ قال: «هلَك المتنطِّعون».
طبعاً مصداق هذا الحديث في القرآن في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، فكثرة السؤال مذمومة، لماذا؟ الرسول ﷺ حريص أشد الحرص على تبليغ المعلومات لك، على تبليغ الوحي لك، فأصلاً أنت لست بحاجة إلى أن تكثر السؤال للرسول ﷺ لأنه أصلاً سيبين لك ذلك، فإذا لم يبين أمراً، فهو تعمد ألا يبينه بوحي من الله، تعمد ألا يظهر ذلك؛ لأن الأمور بشكل أساسي نوعين: حرام وحلال.
طيب، هنالك مقام ثالث هو مقام الورع، الورع: أن أتجنب شيئاً خشية أن أقع في الحرام، يعني أنا أعلم أن هذا الشيء ليس بحرام يقيناً لكن أتجنبه، يعني ترددت في شيء هل هو حلال أو حرام، ترددت مثلاً في طعام، ترددت في مال، فالله -سبحانه وتعالى- أحب من عباده أن يكونوا ورعين، لو أن الرسول ﷺ بين لنا كل شيء بالتفصيل -يعني بحيث لا يوجد أي خلاف فقهي هل هذا الشيء حلال أو حرام بين الفقهاء- لكان مجال الورع يعني ضئيلاً جداً وربما معدوماً، فالله -سبحانه وتعالى- أحب من عباده أن يبتليهم، أحب أن يبتلي عباده بالورع، وأحب أن يبتليهم بالزهد أيضاً، يعني الزهد شيء قبيل من هذا القبيل أيضاً.
طيب، «ذروني ما تركتكم»، الرسول ﷺ أيضاً نهى عن كثرة سؤاله، كثرة السؤال لأنه أحياناً تدل على قلة العمل، يعني أنا اليوم لما أسأل أسأل أسأل أسأل، طيب أنا سألت عشرة أسئلة، معناها حصلت على عشر معلومات على الأقل، الآن الواجب أن أعمل بهذه العشر معلومات، فهل أنا أعمل بها أم لا؟ هنا يأتي السؤال.
الصحابة -رضي الله عنهم- لما كانوا يتعلمون القرآن، كانوا يتعلمونه آيات يعملون بها، ثم يتعلمون آيات أخرى وهكذا، كثرة السؤال تدل على خلاف ذلك؛ تدل على قلة العمل، لأن الإنسان لما يسأل يسأل بكثرة، معناها ما عنده وقت أصلاً يعمل بما يسأله وبما يستفيد منه، وأيضاً كثرة السؤال تؤذي المسؤول، يعني المسؤول مثلاً الرسول ﷺ يريد أن يتعبد ربه، يريد أن يصلي، يريد أن يقوم بالعبادة، فكثرة السؤال تضيق من وقته ﷺ وهو وقته مشغول، فأيضاً ننتبه إلى هذا الجانب.
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه سكت عن أشياء رحمة بنا، يعني سكت عن أشياء ليس من باب أن يضلنا، ليس من باب أن نقع في حيرة، لا، من باب التيسير على العباد، نعم "اختلاف الناس رحمة" هذه الجملة ليست على إطلاقها صحيحة، لكنها في بعض جوانبها صحيحة، في بعض جوانبها صحيحة، فالإنسان مثلاً في مسألة ما، ربما يكون فيها قولان: حلال وحرام، فهو إنسان عامي، يسأل شيخاً ما، فيقول له: هذه المسألة لا بأس بها، مباحة، يفتي بها على مذهب من يقول بالإباحة، والإنسان يكون محتاجاً مضطراً إلى هذه المسألة، فيقوم بفعل هذه المسألة، وتيسر له كثيراً من الأمور في الدنيا، ثم مثلاً ربما يكون القول الراجح التحريم، فهذا الإنسان بسبب الاختلاف أصبح عنده شيء من التيسير هنا في حالته، حيث إنه تيسر له أمر عن طريق اختلاف الفقهاء.
طيب، «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم»، كثرة الأسئلة، والمثال على ذلك بنو إسرائيل، معروف في قصة البقرة قال لهم: اذبحوا بقرة، لم يتركوا سؤالاً في الدنيا إلا وسألوه، مثل اليوم تسأل بعض الناس تقول له: أين الله؟ يطرح عليك بدل أن يجيب "في السماء" يطرح عليك سبعين سؤالاً: وماذا تقصد بأين؟ ومن أين أتيت بهذا السؤال؟ وما غرضك من هذا؟ وهل هذه القضية تهمنا؟ يسألك سبعين سؤالاً، خلاص يا أخي في السماء، هي في السماء كم حرف؟ عشرة أحرف؟ خلاص قل هذه العشرة أحرف وريحنا.
فكثرة السؤال أهلكت بني إسرائيل، ومن اللطائف أن أبا هريرة -رضي الله عنه- هو الذي يروي هذا الحديث، أبو هريرة كان شديد الملازمة للنبي ﷺ، لكن النبي ﷺ كان يحدثه هكذا تلقائياً في عامة الأحوال، يعني ليس أبو هريرة يصر يصر على النبي ﷺ: حدثني حدثني، فيأتي النبي ﷺ ويحدثه، لا، هذا مذموم، وأبو هريرة أصلاً يروي حديثاً في ذم هذا، وإنما النبي ﷺ كان يحب أبا هريرة -رضي الله عنه- فيحدثه بالأحاديث.
ومن اللطائف أيضاً في هذا الباب؛ أن أبا هريرة -رضي الله عنه- هو الذي روى هذا الحديث الذي فيه أن من كان قبلنا قد هلكوا بكثرة سؤالهم -طبعاً أول مثال يأتي إلى الأذهان هم بنو إسرائيل- واختلافهم على أنبيائهم -بنو إسرائيل- أبو هريرة هذا يتهمه بعض الحداثيين والزنادقة يقولون بأن هذا الرجل كان يدس المرويات اليهودية في الإسلام، طيب يدس المرويات اليهودية في الإسلام ثم يروي الأحاديث في ذمهم يعني؟! فالله المستعان.
«بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»، اختلفوا على أنبيائهم، يعني اليهود كانوا يؤمنون مثلاً بموسى وهارون، ذهب موسى وبقي هارون، ظهر السامري اتخذ العجل، فلما هارون -عليه السلام- أنكر عليهم، قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، طيب موسى هارون نبي أيضاً، يعني اختلفوا لا، لم يأخذوا بقول هارون ينتظرون موسى.
طيب، ذهب موسى، مات موسى -عليه الصلاة والسلام- جاء عيسى -عليه الصلاة والسلام- وهو من بني إسرائيل، لم يؤمنوا به، لا، نحن لا نريد أن نؤمن به، هكذا، يعني يريدون أنبياء على كيفهم.
طيب، «فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا»، هذا مر معنا في الحديث الأول، لكن هنا فيه فائدة: «فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم»، مئة خط تحت «ما استطعتم»، ما معنى هذه الجملة أو هذه الكلمة «ما استطعتم»؟ بعض الناس يتصور أن معنى هذه الكلمة يعني أن تفعل شيئاً من الطاعات على قدر الاستطاعة يعني بمعنى التيسير الشديد، نعم «ما استطعتم» فيها شيء من التيسير، لذلك رب العالمين قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، جاء عن بعض السلف، بعض المراسيل، أن هذه الآية لما نزلت، الصحابة شق ذلك عليهم، أصبحوا يتعبدون بكثرة، فنزل قول الله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وهذا الحديث أيضاً يظهر أنه كله في القرآن، «ما استطعتم» في قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، والذي تقدم ذكرناه، فنزل {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، طيب ما معنى «ما استطعتم»؟ قال الحسن البصري: "أجهد جهدك"، يعني أقصى ما تستطيع، فليس معنى هذا أن والله أقوم بشيء ثم أجلس وأقول: على قدر استطاعتي، لماذا؟ الاستطاعة ليس لها ضابط محدد، يعني الاستطاعة تختلف من رجل إلى رجل، من عمر إلى عمر، والاستطاعة تنمو بالتدريب، يعني أنا اليوم، أنا اليوم مثلاً أستطيع أن أصلي في اليوم عشر ركعات نوافل، أقول: أنا اليوم أستطيع هكذا ما أستطيع أكثر، أنت لو تتدربت وبذلت جهداً تستطيع أن تصل إلى أعلى من هذا الرقم بكثير، فالاستطاعة ليس لها حد يتفق عليه كل الناس وكل الأعمار، لا، الاستطاعة تنمو، فلذلك {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} لا يعني أن أفعل اليوم القليل من العبادة وأجلس، لا، وإنما المعنى أن أفعل العبادة على قدر استطاعتي أبذل ما أستطيع وأطور ذلك يومياً، أطور ذلك، «ما استطعتم» تتطور يومياً، ليست شيئاً ثابتاً، يعني مثل أنت في عملك لما تذهب، مثلاً تعمل في شركة، أعمالك تتطور مع مرور السنين، المبلغ الذي تحصل عليه يتطور إذا أصبحت موظفاً أقدم، تحصل على أجر أكثر، أعمالك تتغير، عملك ليس ثابتاً يكون، الأمر هنا كذلك أيضاً، فهنا يجب أن ننتبه إلى هذا، لأن البعض يخطئ في فهم «ما استطعتم»، يظن أن «ما استطعتم»: يصلي ركعتين ويجلس يقول: والله هذه استطاعتي أنا مرهق من العمل، لا، «ما استطعتم» أن تبذل جهدك وتطور ذلك.
وهذا آخره، والله أعلم.