بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
هذا هو المجلس الثامن عشر من مجالس شرح سنن ابن ماجة.
في البداية، أبو الحسن القطان زاد على ابن ماجة مجموعة من الأحاديث، مجموعة قليلة، فأحببت أن أذكرها؛ لما يمر معنا زيادة من زيادات القطان أن أذكرها حتى لا أفوّتها.
فقد مر معنا أثر علي رضي الله عنه الصحيح أنه قال: "إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه".
أبو الحسن القطان روى هذا الأثر بسند آخر، فقال: حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي، وهذا الراوي غير مشهور، وهو مقل من الرواية، وليس هو الكرابيسي الذي طعن فيه أحمد بسبب عقيدته.
حدثنا علي بن الجعد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، مثل حديث علي رضي الله عنه.
مر معنا شعبة وعمرو بن مرة، أما علي بن الجعد فلم يمر معنا.
الكلام عن علي بن الجعد
علي بن الجعد الكلام عنه طويل:
-
من حيث الحفظ الحديثي: هو ثقة من الحفاظ، لكن تُكُلِّم فيه في عدة أمور:
- الأمر الأول: أنه رُمي بالتجهم، رماه بذلك مسلم وغيره، لكن نفى عبدوس النيسابوري هذه التهمة عنه.
وإذا أردنا أن نحقق هذا، نجد أنه ورد بسند صحيح عن زياد بن أيوب أنه سمع علي بن الجعد يقول: "القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق لم أُعنّفه"، وهذا تجهم، وهذا تجهم.
فمن حيث ثبوت التجهم عنه فقد ثبت.
وهل استمر على هذا؟ الله أعلم.
ربما -وأقول ربما- لم يستمر على هذا، ولذلك نفى عنه عبدوس النيسابوري هذه التهمة.
عبدوس ماذا قال؟ قال: لا، هذه التهمة إنما هي لابنه، ابن علي بن الجعد هو الذي كان جهمياً وليس علي بن الجعد.
لكن الأصل ثبوت التهمة عنه، هذا أمر.-
المسألة الثانية: التي تُكُلِّم بها فيه، ذكرها عبد الله بن أحمد في كتاب السنة؛ حيث حدّث بحديث «إن الله جميل يحب الجمال»، فرفض علي بن الجعد أن يقول: "إن الله جميل"، وهذا ظاهره أيضاً فيه تجهم.
-
الأمر الثالث: أنه تُكُلِّم فيه في أبواب الكلام في الصحابة، ولذلك أحمد رحمه الله كان ينهى الناس عن الكتابة عنه؛ لأنه تكلم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر البعض أنه رافضي، يعني أن كلامه في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من باب أنه شيعي، في الحقيقة هذا الأمر غير صحيح:
-
أول شيء: لم أجد من رماه بالتشيع هكذا بهذا اللفظ، أو بالرفض، سوى ما حكاه أبو الحسن البلخي الكعبي -لا أذكر إن كانت هكذا كنيته- صاحب كتاب "قبول الأخبار" المعتزلي، ذكر عن أبي حاتم أن علي بن الجعد كان شيعياً.
الله أعلم، لا أدري، في ثبوت هذا عن أبي حاتم نظر، يعني لم أجده في كتبه، إذا كان موجوداً في كتبه فخلاص هو صحيح، لكن لم أجده. -
لكنه يظهر أنه تكلم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس من باب التشيع، وإنما كحال بعض المعتزلة يتكلمون في كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فمثلاً: ورد عنه أنه وصف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأنه صبي، بالصبي يعني، ذُكر أمامه حديث ابن عمر في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بأن ابن عمر أصلاً كان صبياً في ذلك الزمان.
هذه الرواية وردت وفي سندها أبو غسان الدوري، وفي نسخة: المروزي، وهذا الرجل مجهول، فثبوت هذا عن علي بن الجعد فيه نظر. -
وفي نفس الرواية، وصف الحسن بن علي، النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «إن ابني هذا سيد» -قال عن الحسن بن علي رضي الله عنهما-، فقال علي بن الجعد: "من جعله سيداً؟!" هكذا، يعني كلمات قذرة قبيحة.
أيضاً بنفس السند الذي فيه أبو غسان الدوري، فلا نستطيع أن نثبت التهمة عليه، خصوصاً أنه قد ثبت عن علي بن الجعد -جاء عنه- أنه قال: "لا، أنا لم أقل بأن ابن عمر صبي، لم أقل هذا".
ففي ثبوت هذا عنه نظر في هذا الباب.
- الأمر الأول: أنه رُمي بالتجهم، رماه بذلك مسلم وغيره، لكن نفى عبدوس النيسابوري هذه التهمة عنه.
-
شبهة وفاته على غير الملة: ورد عنه أنه قال -وهذه شبهة مشهورة-: "مات معاوية على غير ملة الإسلام".
هذه الرواية لا تصح عن علي بن الجعد، يعني بعد التحقيق الحديثي يظهر -والله أعلم- أن ليس قائلها هو علي بن الجعد، وإنما يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، وذاك شيعي، ذاك مذكور في ترجمته أنه متشيّع، فقد يظهر منه هكذا.
علي بن الجعد يظهر أن هذه الكلمة لا تصح عنه، خصوصاً أصلاً أنه قد روى لمعاوية في مسنده (مسند ابن الجعد أو الذي يسمى بالبغويات)، روى له، فكيف يروي حديث صحابي كافر؟! فأيضاً هذا لا يثبت والله أعلم عن علي بن الجعد، وإنما هو يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني. -
قوله في معاوية وعثمان: جاء عنه أنه قال: "ما أكره أن يعذب الله معاوية".
هذه جاءت عن علي بن الجعد، يظهر أنها ثابتة عنه، رواها العقيلي (أبو جعفر العقيلي) في "الضعفاء".
في سندها راوٍ اسمه أحمد بن الحسن، وهو شيخ أبي جعفر العقيلي.
هذه مشكلة تصادفنا دائماً؛ شيوخ أبي جعفر العقيلي أحياناً توجد صعوبة في ترجمتهم، يعني إذا الإنسان لم يدرس هذا الكتاب بشكل جيد ربما يجد صعوبة؛ لأنه كثيراً ما يذكر أبو جعفر العقيلي الاسم والكنية -عفواً الاسم واسم الأب فقط- مثلاً: أحمد بن الحسن، طيب في كثير أحمد بن الحسن، أحمد بن الحسين، في كثير أحمد بن الحسين.
فإذا كان الراوي هو أحمد بن الحسن لم أعرفه أنا، أنا لم أعرف شيخاً لأبي جعفر العقيلي ثقة اسمه أحمد بن الحسن، لكن ورد في نسخة أخرى: أحمد بن الحسين، هذا يظهر والله أعلم أنه الحذاء، إذا كان الحذاء فالأثر صحيح، والذي يظهر والله أعلم أن الأثر صحيح، الذي يظهر والذي أرجحه ثبوت هذا عنه، ثبوت هذه الكلمة السيئة عنه في معاوية.وأيضاً تكلم في عثمان، ورد عنه أنه قال بأن عثمان أخذ من بيت المال مئة ألف درهم بغير حق.
هذه رواها أظن الخطيب في "تاريخ بغداد"، لكن هذه الرواية في سندها محمد بن هارون بن حميد، هذا الراوي ذكروا في ترجمته أنه منحرف عن علي، ذكروا ذلك، هو ثقة من حيث الحديث، لكن ذكروا في ترجمته أنه منحرف عن علي.
ففي ثبوت ذلك أيضاً عن علي بن الجعد نظر؛ لأنه (يعني لأن هذا محمد بن هارون بن حميد) لا يُقبل منه مثل هذه الرواية وهو منحرف عن علي، يعني معناها أنه يغالي في عثمان على حساب علي.وقد روى هذه الرواية -قد يقول قائل-: "روى هذه الرواية أصلاً هي على خلاف بدعته، يعني إذا هو منحرف عن علي لكنه روى رواية في ذم عثمان وليس في ذم علي"، أقول: لا، البعض (بعض الرواة) يكون منحرفاً عن عثمان مثلاً، أو مثل هذا يكون منحرفاً عن علي، فيروي عن أحدهم حديثاً يخالف بدعته من أجل إلصاق تهمة بشخص آخر.
فنكون حذرين أيضاً في هذا الباب، ليس كل راوٍ يروي حديثاً يخالف بدعته في المتعلقة بالاشخاص عسراً (المتعلقة بالأشخاص)، نقبل حديثه، بخلاف ما لو أن إنساناً مثلاً قدرياً روى حديثاً في إثبات القدر، لا، هذا أمر مختلف، لكن في إلصاق التهمة بالأشخاص سواء بالصحابة أو بغيرهم، أنا عندي لا أرجح ولا أقبل حديث الراوي سواء كان الحديث الذي يرويه موافقاً أو مخالفاً لبدعته.
نعم، فهذا هو الكلام في علي بن الجعد.
الخلاصة: ثبت عنه التجهم، ثبت عنه الكلام في معاوية، الأمور الأخرى فيها نظر.
العودة إلى سنن ابن ماجة
نعود إلى سنن ابن ماجة: حدثنا علي بن المنذر (ثقة)، عفواً عفواً، حدثنا محمد بن عباد بن آدم، قال: حدثنا أبي، هذا السند فيه ضعف، فيه جهالة.
محمد بن عباد بن آدم نعم هو من شيوخ ابن ماجة، لكن أبوه ليس بالمشهور.
عن شعبة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وحدثنا هناد بن السري (ثقة تقدم معنا)، حدثنا عبدة بن سليمان.
عبدة بن سليمان ثقة، ثقة لكن ورد كلمة عن يحيى بن معين أنه قال بأنه كان ممروراً، ممرور يعني -قال يحيى بن معين- إنه كان ممروراً لم يحضر صلاة جمعة قط.
ممرور يعني يفقد عقله أحياناً.
هذه ذكرها أيضاً الكعبي المعتزلي في "قبول الأخبار" عن ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين.
حقيقة أنا أشك في ثبوت هذه عن يحيى بن معين؛ لأني لم أجد هذه الرواية إلا في هذا الكتاب.
وثاني شيء، يعني عبدة بن سليمان ثقة مكثر، ولم يذكر أحد هذا، يعني كيف راوٍ -مادام هو لا يحضر صلاة الجمعة وتسقط عنه بسبب جنونه- يعني هذا راوٍ معناه غالب الحال أن عقله ليس معه، ومع ذلك هذا ما نجده في كلام الحفاظ، نجد أنه ثقة مكثر! فهذه التهمة الأصح عندي أنها لا تصح عنه.
حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، هذه السلسلة مشهورة مروي فيها كثير من الأحاديث (محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة)، هذه السلسلة في الأصل أنها حسنة، لكن أحياناً لها تفردات، مثلاً: جاء فيها الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: «شيطان يتبع شيطانه» أو «يتبع شيطاناً».
هذا الحديث تفردت به هذه السلسلة، فلذلك بعض العلماء رجّح عدم صحته.
أيضاً هذه السلسلة جاء فيها حديث «أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت»، وجاء فيها حديث «أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين»، فأيضاً بعض العلماء تجد يعني لا يقبل مثل هذه الأحاديث، يقول بأن هذه السلسلة قد تفردت بها.
الله أعلم، يعني مثل حديث «أكثروا ذكر هاذم اللذات» يُقبل، «أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين» يعني فيه نظر تفردت به هذه السلسلة، جاء من طريق آخر لكن طريق ضعيف.
وأيضاً من الأمور التي وجدتها، أن حماد بن سلمة أحياناً يروي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو فيها نظر هذه السلسلة، إذا روى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو فيها نظر، وكثيراً ما يكون فيها مشكلة في الإسناد، يكون مثلاً الصواب عن أبي سلمة مرسلاً وليس متصلاً، فليحذر الإنسان، أو أحياناً يروي حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً فيكون الصواب الوقف، فليتنبه إلى هذا.
شرح المتن والأثر
(( أن أبا هريرة رضي الله عنه قال لرجل: يا بن أخي ))، وهذا من التلطف، من التلطف الإنسان يقول لرجل: "يا بن أخي"، وهذا موجود عندنا في الشام وفي البلاد الأخرى، نحن مثلاً نقول للرجل الغريب: "يا عمي"، والرجل الغريب يقول لك: "يا ابني" أو "يا بن أخي"، لا بأس بذلك.
(( إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال ))، حديث صحيح، هذا الأثر أثر حسن.
فالمرء إذا حُدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب له الأمثال.
من النماذج التي وردت في ضرب الأمثال لما الإنسان يُحدَّث بحديث:
حديث «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، حديث مالك عن نافع عن ابن عمر.
أنه أنا اليوم اشتريت منك تفاحة، فمادام أنا في المجلس أستطيع أن أفسخ هذا العقد وتعيد لي المال.
الحديث هذا لم يأخذ به أبو حنيفة، فمرة حُدِّث أبو حنيفة -في الغالب أبو حنيفة أو أحد من أصحاب أهل الرأي، لكن في الغالب أبو حنيفة- حُدِّث بهذا الحديث، فقال: "أرأيت إذا كانوا في سفينة؟!" يعني اليوم إذا أنا وأنت في سفينة لن نتفرق، صعب؛ لأن السفينة خصوصاً في ذلك الزمان الرحلة تحتاج إلى أيام وأيام.
فانظر كيف يضرب الأمثال ويضرب الحالات النادرة معارضة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم! لا، خلاص أنا آخذ هذا الحديث على ظاهره وأقبل به، الحالات النادرة نبحث فيها فيما بعد.
الرسول صلى الله عليه وسلم الشريعة بشكل عام تتكلم دائماً عن الحالات الغالبة، لا تتكلم والله عن الحالات النادرة والحالة هنا، يعني ترك كل حالات البيع في الكرة الأرضية في الأرض، ترك كل حالات البيع في الأرض ثم جاء إلى حالة بيع في السفينة! فهذا نوع من ضرب الأمثال.
أو مثلاً رجل تحدثه بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع، يقول لك: "انتبه أنت تطير، ربما تطير من هذه الرفع باليد!" هذا كله من ضرب الأمثال المنهي عنه، الذي قد يصل بصاحبه أحياناً -أحياناً إذا كان متيقناً من صحة الحديث- قد يصل إلى الكفر، وهذا يشبه بل هو شر من رفع الأصوات فوق صوت النبي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فوق صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].
يعني رفع الصوت على صوت النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون من باب قد يسبب إحباط العمل، رفع الصوت بدون تقصد، يعني هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس، ثابت رفع صوته وكان رجلاً صاحب صوت قوي عالٍ، صوته عالٍ، فرفع صوته فصار صوته أعلى من صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت هذه الآية جلس في بيته، يعني خشي أن يكون قد حبط عمله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما صح لما رآه قال له: "لا، أنت من أهل الجنة"، يعني بشره بالجنة.
سبحان الله يعني انظر إلى تغير الحال، كان يظن أن عمله قد أُحبط، قد حبط، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم وبشره بالتعيين أنك أنت من أهل الجنة، سبحان الله! نسأل الله من فضله، وهذا آخره والله أعلم.